احداث عاصرتها

 

 

محسن دزه ايي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء الثامن والخمسون

السفر الى بغداد

 

تمكنت خلال تلك المدة من مكوثي في براغ، من تطوير عـلاقـاتي الرسمية الشخصية مع المسؤولين الجيكوسلوفاكيين وعلى الصعيد الدبلوماسي، وتمكنت من بناء علاقات صداقة حتى مع ممثلي الدول التي كانت علاقاتها مع بغداد ليست بالشكل المطلوب، أو التي كانت علاقاتها مقطوعة وكنت أدعى الى كثير من حفلات الغداء أو العشاء حتى الولائم الخاصة. كنت -كما قلت- عميداً للسلك الدبلوماسي العربي وصل اسمي في التسلسل الدبلوماسي الى قمة القائمة تقريباً بعد حدوث التنقلات والتغييرات الكثيرة، علاوة على علاقاتي الجيدة على الصعيد الشعبي وكذلك بالنسبة للجالية العراقية.

 

 

وفي أحدى المناسبات الرسمية التقيت بوزير الدفاع الجيكوسلوفاكي الجنرال (تزور) وبعد تبادل كلمات الترحيب اشاد بحسن العلاقات الرسمية وبعلاقاتي الشخصية مع المسؤولين، وقال لي مجاملاً: من المؤسف انك لست بشيوعي وكم كنت اتمنى أن يكون مثلك من الشيوعيين، فأجبته ضاحكاً وشاكراً اياه على موقفه قائلأ: انه من الأفضل ان يكون لكم صديق من غيـر الشــيـوعيين، وضحكنا معاً.

 

كان من الممكن ترك مقر عملي وانهـاء أعمالي ومغادرة جيكوسلوفاكيا في الاسبوع الاول من كانون الاول سنة 1972، الا انني علمت بأن وفداً عسكرياً عراقياً كبيراً سيصل براغ ويرأسه وزير الدفاع الفريق حماد شهاب ،وتمكنت من الحصول على تلك المعلومات من الملحقية العسكرية،استنتجت من كل ذلك بأن الحكومة العراقية ارادتني بعيداً عن تلك الصفقة، ولم ترغب في اطلاعي عليها وذلك لأن تلك الاسلحة كانت تهيأ لأستعمالها ضد الشعب الكوردي، عند استئناف الجولة الجديدة من القتال، لذلك تقرر نقلي من براغ وكانت توقعات االحكومة بأنني سوف اغادر مقر عملي قبل وصول الوفد.

 

في شهر آب من سنة 1972 طلبت اجازة رسمية لزيارة بغداد لقضاء بعض الأعمال المتعلقة بالسفارة، وسمعت قبل ذلك بعض الشائعات عن نقلي من براغ. خلال شهر تموز صادف وقوع حادثتين مؤسفتين، ففي العاشر منه وقع حادث طريق مروع ذهب ضحيته وزير الزراعة المرحوم نافذ جلال، الذي كان واحداً من أقرب اصدقائي وزميل عملى سواء في أيام الثورة الكوردية أم في لجنة السلام، علاوة على العلاقات العائلية القديمة التي كانت بيننا، وقد تألمت جداً لذلك فكان شخصاً وطنياً نزيهاً ومخلصاً امتاز بآرائه الجريئة وصراحته وذكائه، وقد زارني أثر ذلك الحادث عدد كبير من اصدقائي ومعارفي لمواساتي بالحادث المؤسف، وبعد عشرة ايام فقط  من تلك الخسارة فوجئت بوفاة ابن عمي المرحوم حسين علي خورشيد دزه يي، الذي كان صديق العمر بالرغم من فارق السن بيننا وكان من اقاربي المقربين جداً ليس كقريب فحسب بل كـرفيق وصديق، وقد أمتاز باللطف والمرح والاحاديث الشيقة التي لايتعب منها الانسان، كان الدافع الاول من سفري -رغم صفتها الرسمية- هو هذين الحادثين وهذين المصابين. وأردت أن اشارك ذوي الفقيدين احزانهم ومواساتهم شخصياً وحضور مراسيم الاربعين بالنسبة للأول ولقاء أسرة الفقيد الثاني شخصياً.

 

بعد وصولي بغـداد واجراء المقابلات الرسمية سافرت الي مدينة كـويسنجق لحضور مجلس التأبين بمناسبة مرور اربعين يوماً على وفاة المرحوم نافذ جلال ،وذلك قبل أن اذهب الى اربيل التي ذهبت اليها بعد ذلك والتقيت بأسرة ابن عمي حسين، وكانت المناسبتين محزنتين حقا.

 

عدت الى بغـداد والتقيت وزير الخارجية مرتضى سعيد عـبدالباقي الحديثي الذي أكد لي الخبر، الا انه أكد عدم صدور قرار رسمي بذلك بل ان الموضوع قد بحث في المستويات العليا، ولاحظت بأن المرحوم الحديثي لم يكن راضياً من القـرار وذلك لعدم مرور مدة طويلة على تسلمي ذلك العمل، ونظراً لنجـاحي الكبير في عملي والوصول بالعلاقات الى مستوى حسن للغاية، هذا علاوةً على دماثة خلقه وطريقته المهذبة في التعامل مع غيره وعلاقات الصداقة بيننا.

 

قابلت كل من الرئيس البكر وقضى لي بعض المطاليب قدمها بعض الناس عن طريقي كالتعيين والنقل وغير ذلك من الأمور الشخصية، وقـابلت كذلك نائب رئيس مجلس قيادة الثـورة صدام حسين، وتمت المقابلتان في جو اعتيـادي ولم يتطرقا الى موضوع نقلي مطلقاً. وابدى لي البكر أسفه لحادثة نافذ جلال اذ كان يعرفه سابقاً عندما كان طالباً في الكلية العسكرية حيث كان البكر من معلمي تلك الكلية. وفي مقابلتي للبارزاني الراحل بينت له نية الحكومة في نقلي الى كندا فأخبرني بعدم الذهاب ان لم أكن راغباً في ذلك، وثم استقر رأينا للسفر لبضعة أشهر والعودة والاستقالة بعدها.

 

عدت الى مقر عملي في براغ ووردت تدريجياً قـرارات نقل عدد من الموظفين العاملين معي في السفارة، وكنا فريق عمل منسجم ومتعاون كما وأني آنست رفقتهم ولم يبدر منهم أي عمل لايريقني ولم يكن تعاملنا كرئيس ومرؤوس بل كأصدقاء. صدر قرار نقل طارق العاني مدير الحسابات في السـفارة، ثم عبدالستـار الدوري الملحق الثقافي، وبعده الملحق التـجـاري طه احمد الداود، ومستشار السفارة عبدالقادر القلمجي وغيرهم، وفي أواخر ايلول أو أوائل شهر تشرين الاول من سنة1972 ،ورد قرار بنقلي الى اوتاوا عاصمة كندا كأول سفير عراقي مقيم هناك وتأسيس السفارة اذ كانت لدى العراق قنصلية عامة في مدينة (مونتريال) بمقاطعة (كيوبيك) الفرنسية في كندا، وكـذلك ترك براغ اصدقائي الكورد عزيز شيخ رضا وعبدالخالق معروف وطارق عقراوي.

 

قبل تركي بغداد والعودة الى مقر عملي التقيت بالأخوان سامي عـبدالرحمن وزير شؤون الشمال عضو المكتب السياسي، وصالح اليوسفي وزير الدولة وعـضو المكتب السياسي واحسان شيرزاد وزير البلديات، اما نوري صديق شاوه يس فكان خارج العراق بقصد العلاج فقد كان يعاني من مرض في القلب، أجمع الجميع على أن أقوم بتولي منصب وزير الزراعة خلفاً للمرحوم نافذ جلال، الا اني رفضت ذلك بشدة وذلك لمروراسابيع فقط عل ذلك الحادث بالرغم من اصرار ذوي نافذ جلال على قبولي للمنصب المذكور، ولأنني كنت متيقناً من أن البعث بعد مرور تلك المدة على بيان آذار سوف ينكث وعوده ويتراجع عنها.

 

كان الناس يبدون تذمرهم من النظام في جيكسلوفاكيا وخاصة امام الاجانب ،واستطيع أن أقول بأن الأكثرية العظمى من افراد الشعب، كانوا من معارضي النظام الشيوعي. ولا انكر بأن كان للنظام محاسن ايضاً الى جانب سلبياته، كعدم وجود البطالة والتأمين الصحي وتأمين السكن للمواطنين، وتكاليف الحياة الزهيدة -بالرغم من بساطة مستواها- كل ذلك كان من محاسن النظام، الا ان عدم الشعور بالحرية والكبت الموجود وكذلك كره الاتحاد السوفياتي الذي كان مسيطراً على البلد ،جعل من ابناء الشعب معارضين لذلك النظام

 

بعد تسلم قرار نقلي من براغ باشرت بالتهيـؤ للسفر، وكان ذلك يستغرق زهاء شهرين عادة من تأريخ صدور قرار النقل، وذلك بزيارة جميع المسؤولين في الحزب والدولة وخاصة الذين لهم علاقات جيدة أو مباشرة مع السفارة ،وكذلك المباشرة بأداء الزيارات الوداعية لجميع السفراء المعتمدين. انتهيت من كل ذلك في ظرف شهرين وكان من المقرر اقامة حفل الوداع من قبلي قي أوائل شهر كانون الاول الا انني قد أجلت ذلك اسبوعين عن الموعد لأسباب سأبحثها في السطور القادمة.

 

صفقة الاسلحة بين العراق وجيكوسوفاكيا

كان من الممكن ترك مقر عملي وانهـاء أعمالي ومغادرة جيكوسلوفاكيا في الاسبوع الاول من كانون الاول سنة 1972، الا انني علمت بأن وفداً عسكرياً عراقياً كبيراً سيصل براغ ويرأسه وزير الدفاع الفريق حماد شهاب، لأجراء اتفاق حول تزويد العراق بكمية كبيرة من الاسلحة، لم ابلغ أنا شخصياً بموعد وصـول الوفد ولا بنوايا تلك الزيارة، ولكنني علمت ذلك من اصدقائي الجيكوسلوفاك، ثم تمكنت من الحصول على تلك المعلومات من الملحقية العسكرية، لذا اجلت مغادرتي بالرغم من أن هيئات السلك الدبلوماسي العربي قد أقامت لي حفلة الوداع، وقدمت لي الهدية الرمزية بتلك المناسبة من قبل نائب عميد السلك العربي السفير محمد علي ابراهيم سفير اليمن الذي اصبح عميداً للسلك بعد مغادرتي.

 

استنتجت من كل ذلك بأن الحكومة العراقية ارادتني بعيداً عن تلك الصفقة، ولم ترغب في اطلاعي عليها وذلك لأن تلك الاسلحة كانت تهيأ لأستعمالها ضد الشعب الكوردي، عند استئناف الجولة الجديدة من القتال، لذلك تقرر نقلي من براغ وكانت توقعات االحكومة بأنني سوف اغادر مقر عملي قبل وصول الوفد.

وصل الوفد في الاسبوع الثاني من الشهر وكان يضم عدداً كبيراً جداً من العسكريين والفنيين برئاسة وزير الدفاع الفريق حماد شهـاب، على متن طائرة نقل عسكرية خاصة، استقبلت الوفد في المطار مع منتسبي السفارة، وكذلك وزير الدفاع الجيكوسلوفاكي وكـبار مندوبي الوزارات ذات الشـأن، أوضحت للوفد سبب استمراري في عملي وعدم رغبتي في ترك السفارة خالية من السفير اثناء وجوده ،وأقمت في نفس اليوم حفلة عشاء كـبرى تكريماً للوفد حضرها وزير الدفاع الجيكوسلوفاكي ووزير التجارة الخارجية ووكيل وزارة الخارجية صديقنا (هروزا) ،الذي كان سفيراً في بغداد وجميع السفراء العرب وبعض افراد الجالية العراقية.

 

وفي الايام التالية بدأت المفاوضات بين العسكريين من الطرفين وزيارة المؤسسات

العسكرية واقامة الحفلات، وكنت اطلع عل بعض الاوراق الخاصة بالمفاوضات احياناً، وبعد أن اقام وزير الدفاع العراقي حفلة عشاء تكريماً لنظيره الجيكوسلوفاكي والتي قد هيئت لوازمها جميعاً في دار السفير من قبل عـوائل منتسبي السفارة، وأقيمت في مقر اقامة الوزير جرت في اليوم التـالي مراسيم التوقيع على الاتفاقيات وكنت حاضراً تلك المراسيم.

وكانت الصفقة عبارة عن طائرات حربية تتمكن من الطيران والمناورة في المناطق الجبلية، ومدافع الميدان والاسلحة الثقيلة والدبابات ذات الاجهزة الخاصة بعبور الخنادق والموانع، وكمية هائلة من الاسلحة الخفيفة والعتاد.

 

بعد تلك الاجراءات غـادر اعضاء الوفد عائدين الى بغداد، اما وزير الدفاع فقد سافر الى أحد المصحات للأستراحة. أعلنت عن حفلة الوداع بعد ذلك واعتقد بأنها كانت في السادس عشر من شهر كانون الاول، وحضرها عدد كبير من المسؤولين ورؤساء الهيـئات الدبلوماسية الاجنبية والعربية، وعـدد من افراد الجالية العراقية واصدقائي الشخصيين من جيكوسلوفاكيا، وقد قدمت لي الهدايا التذكارية في تلك الحفلة من قبل وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي ومن منتسـبي سفارتنا ومن الأصدقاء الآخرين. قررت المغادرة يوم 20/12/1972 فحضر رئيس التشريفات في وزارة الخارجية صـديقي الدكتـور روشكوت وودعني رسمياً في داري، ثم تابعت السفر بسيارة السفارة الى ڤينا مع ابن عمي كاكه عبدالقادر دزه يي ومن هناك استقليت سيارتي الشخصية عائدين الى بغداد بطريق البر.

 

في بغداد قبل الالتحاق بعملي في كندا

ذكرت بأنني قد تركت براغ منقولاً منها في 20/12/1972 وقد قضيت فيها زهاء السنتين والنصف، وكانت بلاداً جميلة حقاً يمتاز شعبها بالطيبة والوداعة، وكانت جيكوسلوفاكيا شأنها شأن الدول الاشتراكية الاخرى تعاني من الفقر، وقد حرم السفر منها الى الدول الغربية وكانت البضائع الغربية والكماليات ممنوعة التداول في الاسواق المحلية، وتجدها فقط في السوق الخاصة بالدبلوماسيين أو فى بعض الاسواق الحرة التي تتعامل بالعملة الصعبة. لذا كان تقديم أية هدية من انتاج غربي من دواعي فرح وأعجاب المواطنين. كما كان بعض الدبلوماسيين يحصلون على التحف القديمة بأسعار زهيدة ويجري تهريبها الى الدول الغربية. وكان الدبلوماسي يستطيع الحصول على أجود انواع الكريستال، بعد تقديم هدية بسيطة الى الشخص المسؤول أو البضائع، كما كان بالأمكان الحصول على العدد الذي تحتاجه من الغرف في أي فندق من الدرجة الاولى بعد تقديم تلك الهدية البسيطة، وبخلاف ذلك لم يكن بالأمكان الحصول على أي شيء دون تقديم الهدايا أو نستطيع ان نسميها رشوة بسيطة. كان الناس يبدون تذمرهم من النظام وخاصة امام الاجانب واستطيع أن أقول بأن الأكثرية العظمى من افراد الشعب، كانوا من معارضي النظام الشيوعي. ولا انكر بأن كان للنظام محاسن ايضاً الى جانب سلبياته، كعدم وجود البطالة والتأمين الصحي وتأمين السكن للمواطنين، وتكاليف الحياة الزهيدة -بالرغم من بساطة مستواها- كل ذلك كان من محاسن النظام، الا ان عدم الشعور بالحرية والكبت الموجود وكذلك كره الاتحاد السوفياتي الذي كان مسيطراً على البلد ،جعل من ابناء الشعب معارضين لذلك النظام. وقد سألت أحد المسؤولين مرة عن سبب منع المواطنين من السفر اذ ان كل من يسافر الى الدول الغربية يواجه التكاليف الغالية للحياة والبطالة الموجودة، فلابد أن يعود الى بلده ليتمتع بتلك الامتيازات. فأورد عند الاجابة حججاً واهية لم تقنعني، فلا عجب في أن ينهار النظام الاشتراكي بعد زهاء عقد ونصف من وجودي بتلك السهولة في الاتحاد السوفياتي وجميع البلدان الاشتراكية وبتلك السرعة غير المتوقعة.

قد يعجبك ايضا
∧