نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست الدولة القوية تلك التي تمنع الاحتجاج، ولا تلك التي تتعامل مع مطالب المواطنين بمنطق الأوامر والعقوبات، بل هي الدولة التي تمتلك القدرة على الاستماع إلى مواطنيها، ومعالجة مشكلاتهم، وحماية حقوقهم، من دون أن تسمح بتحويل الخلافات الإدارية والخدمية إلى أزمات تهدد وحدة البلاد وهيبة مؤسساتها.
على خلفية إغلاق منفذ الشيب الحدودي مع إيران، وما أثاره القرار من احتجاجات في محافظة ميسان، وجه السيد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بإجراء تحقيق مع رئيس مجلس المحافظة مصطفى دعير عبد الحسن، إثر تصريحات تضمنت التهديد بإعلان العصيان المدني وقطع الطرق في حال عدم الاستجابة لمطلب إعادة فتح المنفذ، فضلاً عن استخدام ألفاظ وصفت بأنها غير لائقة. وأكد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء ضرورة الالتزام بالقانون والسياقات الدستورية والإدارية، مع ترك تقدير المسؤولية القانونية للجهات المختصة.
لكن المسألة، في تقديري، تتجاوز حدود تصريح متوتر أو إجراء تحقيقي بحق مسؤول محلي؛ فهي تفتح الباب أمام أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، وحدود صلاحيات المسؤولين، وكيفية إدارة الأزمات الاقتصادية والخدمية في دولة يفترض أن يحكمها الدستور، لا منطق التهديد وفرض الإرادات.
لا يمكن التقليل من أهمية منفذ الشيب بالنسبة إلى النشاط التجاري وحركة المسافرين ومصالح العاملين في النقل والتجارة، كما لا يجوز تجاهل ما قد يترتب على إغلاقه من أضرار اقتصادية ومعيشية. وقد نقلت تقارير صحفية مطالبات محلية بإعادة فتح المنفذ، في ظل مخاوف من ارتفاع أسعار بعض السلع وتضرر مصادر رزق المواطنين. ومن واجب الحكومة الاتحادية أن توضح للرأي العام الأسباب التي دفعتها إلى اتخاذ قرار الإغلاق، وأن تكشف، بالقدر الذي لا يتعارض مع مقتضيات الأمن، طبيعة تلك الأسباب ومدى استمرارها، فضلاً عن تحديد الشروط اللازمة لإعادة فتح المنفذ والمدة المتوقعة لمعالجة المشكلة.
فالغموض في القرارات العامة يفتح المجال أمام الشائعات والتأويلات، ويزيد من شعور المواطنين بأن مصالحهم لا تحظى بالاهتمام الكافي. وإذا كانت هناك أسباب أمنية أو فنية أو سيادية تستدعي الإغلاق، فإن من حق الناس معرفة ما يمكن إعلانه منها، ومن واجب الحكومة البحث عن حلول تقلل الأضرار الواقعة عليهم. إن حماية الأمن لا تعني تجاهل الاقتصاد، كما أن حماية الاقتصاد لا تعني إهمال مقتضيات الأمن والسيادة. والمسؤولية الحقيقية تكمن في إيجاد التوازن بينهما.
حين يتحدث رئيس مجلس محافظة، فإنه لا يتحدث بصفته الشخصية وحدها، بل بصفته ممثلاً لمؤسسة عامة ومسؤولاً عن مصالح مواطني المحافظة. ولذلك فإن كلماته تكتسب وزناً يتجاوز حدود الانفعال الفردي، وتترتب عليها مسؤولية سياسية وأخلاقية تتناسب مع موقعه.
من حق المسؤول المحلي أن يعترض على قرار اتحادي، وأن يطالب بمراجعته، وأن يستخدم الوسائل القانونية والإدارية المتاحة للدفاع عن مصالح محافظته. ومن حقه أيضاً أن يعلن موقفاً واضحاً من القرارات التي يرى أنها تضر بالمواطنين. لكن التهديد بقطع الطرق أو عزل المحافظة عن بقية العراق ينقل القضية من مساحة المطالبة المشروعة إلى خطاب تصعيدي قد يضر بالمواطنين أنفسهم، ويعطل مصالحهم، ويضعف فرص الوصول إلى حل.
فالعصيان المدني، بوصفه شكلاً من أشكال الاحتجاج السياسي، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد أداة للضغط الشخصي أو وسيلة لفرض قرار على الدولة. كما أن قطع الطرق الحيوية لا يعاقب الحكومة وحدها؛ إذ قد يعرقل حركة المرضى والعمال والسلع، ويؤثر في أرزاق المواطنين الذين يفترض أن المسؤول يدافع عن مصالحهم. وليس المطلوب من المسؤول أن يصمت، بل أن يختار الوسيلة التي تحقق المطالب من دون أن تفتح الباب أمام أضرار أوسع من المشكلة الأصلية.
إن توجيه التحقيق مع رئيس مجلس محافظة ميسان يجب أن يفهم في إطار تطبيق القانون والتحقق من الوقائع، لا باعتباره حكماً مسبقاً بالإدانة. فالتحقيق ليس عقوبة، والتصريحات المنسوبة إلى أي مسؤول ينبغي أن تفحص وفق سياقها الكامل، مع ضمان حقه في الدفاع عن موقفه، وترك تقدير المسؤولية إلى الجهات المختصة.
لكن مبدأ سيادة القانون يفرض، في الوقت نفسه، ألا تكون المحاسبة انتقائية، وألا تختلف المعايير باختلاف موقع الشخص أو الجهة التي ينتمي إليها. فالدولة التي تحقق مع مسؤول محلي بسبب تصريحات تتضمن تهديداً بتعطيل المرافق العامة، ينبغي أن تكون مستعدة أيضاً لمراجعة القرارات الحكومية التي قد تفتقر إلى الشفافية أو تلحق أضراراً بمصالح المواطنين.
إن سيادة القانون ليست سيفاً مرفوعاً فوق رؤوس المسؤولين المحليين وحدهم، بل قاعدة تنطبق على جميع مؤسسات الدولة، كلٌّ ضمن صلاحياته ومسؤولياته. ولا يمكن بناء الثقة بين المركز والمحافظات إذا شعر المواطن بأن المحاسبة تتحرك بسرعة عند الاعتراض، بينما تتباطأ عند الإخفاق في تقديم التوضيحات أو معالجة المشكلات.
إن المنافذ الحدودية ليست مجرد بوابات تجارية، بل جزء من منظومة السيادة والأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية. ولذلك فإن قرارات فتحها وإغلاقها تحتاج إلى أسباب واضحة، وتنسيق مؤسسي، وتقدير دقيق للنتائج المترتبة عليها. وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول مصالح محافظة حدودية إلى مادة للمزايدات السياسية، أو أن يصبح سكانها رهائن للتجاذب بين السلطات المحلية والاتحادية. فالمواطن في ميسان، مثل المواطن في البصرة أو الديوانية أو الحلة أو الموصل، يريد دولة تحمي رزقه وحقوقه، وتقدم له تفسيراً مقنعاً لقراراتها، وتتعامل معه بوصفه صاحب حق لا مجرد متلقٍ للأوامر.
والحل لا يكون بتبادل التهديدات، بل بتشكيل مسار تفاوضي واضح بين الحكومة الاتحادية وإدارة المحافظة والجهات المعنية بالمنافذ الحدودية، يحدد أسباب الإغلاق، والمتطلبات الأمنية والفنية، والآثار الاقتصادية، والخيارات الممكنة لمعالجة الأزمة. وإذا تعذر فتح المنفذ فوراً، فمن الضروري بحث إجراءات تخفف الأضرار عن العاملين والتجار والمواطنين.
إن جوهر الأزمة ليس في اختلاف الحكومة الاتحادية مع مسؤول محلي، فمثل هذه الاختلافات أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية، بل في كيفية إدارتها. فالدولة لا تكتسب هيبتها من إسكات الأصوات المعترضة، والمسؤول المحلي لا يثبت شجاعته برفع سقف التهديد، وإنما بقدرته على تقديم الحجج والبيانات، وتحريك المؤسسات، والدفاع عن مصالح المواطنين ضمن الأطر القانونية. وإذا كانت الحكومة ترى أن التصريحات تجاوزت حدود المسؤولية العامة، فعليها أن تتيح تحقيقاً مهنياً وشفافاً، بعيداً عن الانتقام السياسي أو التوظيف الإعلامي. وإذا كان رئيس مجلس المحافظة يرى أن قرار إغلاق المنفذ ألحق ضرراً بأبناء ميسان، فعليه تقديم الأدلة والبدائل، ومواصلة المطالبة عبر الوسائل الدستورية، من دون التلويح بإجراءات تمس وحدة البلاد أو تعطل حياة المواطنين.
إن العراق ليس مجموعة جزر منفصلة، ولا المحافظات كيانات تتعامل مع الدولة بمنطق الانفصال عند الاختلاف. إنه وطن واحد، تتوزع فيه الصلاحيات والمسؤوليات، وتبقى فيه الحقوق والواجبات محكومة بالدستور والقانون. ومنفذ الشيب يحتاج إلى معالجة جادة وشفافة، لا إلى معركة تصريحات بين بغداد والعمارة. وميسان تستحق أن تصان مصالح أبنائها، كما تستحق الدولة أن تحترم مؤسساتها وقوانينها. وبين هذين الحقين لا توجد ضرورة للتناقض؛ فالمسؤولية الوطنية تقتضي الجمع بينهما.
فلا هيبة للدولة من دون عدالة وشفافية، ولا دفاع حقيقي عن مصالح المواطنين من دون مسؤولية وانضباط. وما يحتاج إليه العراق اليوم ليس مسؤولاً يهدد الدولة، ولا حكومة تكتفي بمحاسبة المنتقدين، بل مؤسسات قادرة على تفسير قراراتها، وتصحيح أخطائها، وإدارة خلافاتها بالقانون، ووضع مصلحة المواطن فوق حسابات النفوذ والاستعراض السياسي.