أبواق الفتنة

صلاح بكر

​تُعدّ الخلافات السياسية المتجددة بين بغداد وأربيل حول الموازنة والمستحقات المالية وحقوق مواطني إقليم كوردستان ظاهرةً طبيعية وضمن السياقات المألوفة في الأنظمة الديمقراطية الفيدرالية. فالأزمات الدستورية وتعارض المصالح يُفترض أن تُدار عبر أدوات الحوار المؤسساتي والتفاوض القانوني بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. غير أن الإشكال الأساسي لا يكمن في أصل الخلاف السياسي، بل في الأدوار المشبوهة التي تلعبها بعض القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية، والتي انحرفت عن وظيفتها الأخلاقية في التنوير وتقريب الرؤى، لتتحول إلى منصات لتأجيج الشارع وإعادة إنتاج الأزمات.

​لقد أثبتت التجربة الإعلامية الحالية أن سوق “الإثارة والصدام” هو الأعلى ربحية؛ حيث تخلت مؤسسات إعلامية فضائية عن المسار التحليلي المنهجي لصالح شحن الجماهير عرباً وكورداً، وخلق شرخ اجتماعي ونفسي يهدد النسيج الوطني والسلم الأهلي. وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في تصدر بعض النماذج التي تُقدّم بوصفها كوادر إعلامية للمشهد التلفزيوني؛ إذ افتقرن إلى الأدوات الصحافية والحيادية الأدبية، واعتمدن أسلوب الاستفزاز وإثارة الضغائن القومية والمذهبية.

​((يبدو أن المعيار الذهبي لبعض الشاشات اليوم لا يتطلب الموضوعية والمهنية، بل يكفي أن تعتلي المنبر ما تُسمّى بالمذيعات بصوت مرتفع وقدرة عالية على بث السموم، لحصد أعلى عدد من المشاهدين مقابل حفنة من الدولارات!))

​وفي الوقت الذي يُنتظر فيه من هيئة الإعلام والاتصالات أن تتدخل كجهة تنظيمية مستقلة لتطبيق لوائح البث الإعلامي وضع حد للأصوات التي تهدد الوحدة الوطنية، تُظهر الممارسة العملية تناقضاً صارخاً وبعكس ما نصبو إليه تماماً. فبدلاً من كبح جماح الخطاب المتطرف وتطبيق القانون على المنصات التلفزيونية التي تقتات على الفتنة، تتجه القرارات التنظيمية في أحيان كثيرة نحو التضييق على الأصوات الأكاديمية والإعلامية الملتزمة.

​إن المفارقة تكمن في منع إعلاميين ومحللين يدافعون بوضوح عن المبادئ الدستورية التي تنص على أن العراقيين متساوون أمام القانون وفي الحقوق والواجبات. وهكذا، بدلاً من حظر خطابات الكراهية، يُمارَس الإقصاء والتكميم ضد من يُذكّر باستحقاقات المواطنة والدستور، مما يعكس الخلل في فهم مفهوم “حماية الدولة” بين شعارات يُنادى بها وممارسات تُنفّذ عكسها تماماً.

​إن استمرار التغاضي عن الإعلام غير المهني ومحاربة الأصوات المعتدلة لا يقتصر ضرره على اتساع الهوة بين أبناء الوطن الواحد فحسب، بل يكرس حالة خطيرة من غياب الرؤية المؤسساتية السليمة. إن الإصلاح الحقيقي للمشهد الإعلامي في العراق لا يمكن أن يتحقق برفع الشعارات الرنانة أو إطلاق الوعود، بل يتطلب شجاعة حقيقية وإرادة صلبة من قِبل الجهات الرقابية لاعتماد معايير صارمة وواضحة للحياد المهني.

​وهذا يقتضي بالضرورة منح مساحة كافية للخطاب العقلاني الرصين الذي يجمع ولا يفرق، والتوقف الفوري عن سياسات المنع المزاجي التي تُكمم أفواه الحكمة وتفسح المجال واسعاً أمام تجار الأزمات وخطابات الكراهية لتحقيق مكاسب رخيصة على حساب مستقبل الدولة واستقرار مجتمعها بأسره.

قد يعجبك ايضا
∧