ڤیان صلاح
طالما كانت العلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان تُعدّ من أكثر الملفات السياسية تعقيداً على المستوى الإقليمي والمحلي في العراق، حيث أثرت مواقف الشخصيات السياسية بشكل مباشر على مسار الأحداث والتطورات. وفي هذا الإطار السياسي، يبرز اسم علي زيدي كإحدى الشخصيات الفاعلة في بغداد والتي تتعاطى مع الملفات الاقتصادية والسيادية بجدية، إذ كانت مواقفه تجاه إقليم كردستان محط توقف واستقراءات متعددة. إن مستقبل علاقة هذه الشخصية بحكومة إقليم كردستان لا يمكن اختزاله في إطار ضيق، بل يعتمد على مجموعة من الفاعلات الاستراتيجية والاقتصادية والقانونية التي ستحدد شكل التعاون بين الطرفين في المرحلة المقبلة.
من الناحية السياسية، سيتوقف مستقبل هذه العلاقة بشكل كبير على كيفية قراءة علي زيدي لموازين القوى في بغداد. لقد جُرّبت السياسات المتصلبة أو المرنة تجاه إقليم كردستان لسنوات طويلة، وأثبتت التجارب أن خلق أزمات جديدة لا يخدم استقرار بغداد ولا يعزز الأمان في دهوك وأربيل والسليمانية. ينتهج الزيدي مساراً سياسياً يقوم على أساس حماية السلطة الاتحادية، غير أن الواقع السياسي في القادم من الأيام سيفترض على جميع الأطراف أن الحوار المباشر مع المؤسسات الرسمية في الإقليم هو الخيار الوحيد للوصول إلى اتفاقات مستدامة، وهو ما قد يدفع علاقته بحكومة الإقليم نحو مرحلة جديدة من الحوار الجاد.
ويُعتبر الملف الاقتصادي والنفطي أحد أكبر التحديات بين الأطراف، حيث ترتبط المصالح المالية للعراق بهذا الملف ارتباطاً وثيقاً. لقد كانت مواقف علي زيدي بشأن الإيرادات النفطية وحصة الإقليم من الموازنة حادة في كثير من الأحيان، لكن المستقبل سيكشف أن أسلوب الاعتراض لن يحقق نتائج ملموسة ما لم يستند إلى التعاون الفني والاقتصادي. وقد أبدت حكومة إقليم كردستان مرونة تجاه العديد من الآليات الاقتصادية لحل المشكلات المالية وفق أطر قانونية، وإذا ما تبنى علي زيدي في المستقبل اتجاهاً براغماتياً وبنّاءً، فإنه يستطيع لعب دور فاعل في ضمان الحقوق المالية لجميع أبناء الشعب العراقي والإقليم دون الإضرار بالبنية التحتية الاقتصادية.
ومن الجوانب الجوهرية الأخرى المسألة الدستورية واحترام الكيان الدستوري للإقليم، والتي تُعدّ الأساس لأي علاقة وطنية. يدرك علي زيدي وغيره من السياسيين العراقيين أن إقليم كردستان يتمتع بكيان دستوري راسخ ومعترف به دولياً، ومن ثم فإن أي محاولة لتهميش هذا الكيان أو إضعافه ستنعكس سلباً على استقرار البلاد ككل. إن مستقبل علاقة الزيدي مع سلطات الإقليم يعتمد على كيفية تعاطيه مع الدستور؛ فإذا ما تم التعامل مع الدستور كعقد وطني جامع، فإن ذلك سيخلق بيئة ملائمة لبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتوازن بين حقوق الإقليم والسلطة الاتحادية.
أما من الناحية الأمنية وحماية الحدود، فإن حاجة بغداد لأربيل لا تقل عن حاجة الإقليم لبغداد، ولا سيما في مواجهة التحديات الإقليمية وقضايا الأمن القومي. ومن أجل الحفاظ على الاستقرار في مناطق سوران وبادينان وكافة الحدود العراقية، يجد علي زيدي وتياره السياسي أنفسهم أمام ضرورة التنسيق المستمر مع القوات الأمنية والسياسية في الإقليم. وهذه الضرورة الأمنية ستدفع بمستقبل العلاقات نحو التوافق الاستراتيجي، إذ أثبتت الوقائع أنه لا يمكن لأي طرف إحلال الاستقرار الشامل في العراق دون التعاون مع الطرف الآخر.
في النتيجة، يتوقف مستقبل علاقة علي زيدي بحكومة إقليم كردستان على قدرته على إجراء مراجعة حقيقية لمواقفه السياسية والاقتصادية. إن الاستمرار في نهج الرفض والمواجهة قد يؤدي إلى عزله عن دائرة صناعة القرار في الملفات الوطنية الكبرى، في حين إن بناء علاقة عقلانية مع الإقليم تقوم على أطر الدستور والمصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن يمهد الطريق لمرحلة جديدة ومثمرة تخدم استقرار وتقدم كافة أبناء الشعب العراقي وإقليم كردستان.