د. هلكورد عزيزخان عقراوي
المقدمة
جريمة القتل العمد من أخطر الجرائم التي تهدد الأمن المجتمعي وسلامة
الأفراد، لما لها من آثار اجتماعية ونفسية وقانونية جسيمة، فهي لا تؤثر
فقط على الضحية وعائلتها المباشرة، بل تمتد تداعياتها لتطال المجتمع
بأسره، لما تثيره من حالة من الخوف والاضطراب وتشويه للقيم الأخلاقية
والقانونية التي يقوم عليها النظام الاجتماعي، وفي الآونة الأخيرة تشهد
تزايد مقلق في العراق وإقليم كوردستان لحوادث القتل والعنف المسلح، ولم
يعد التعامل معه بمجرد حوادث جنائية فردية أو نزاعات عابرة فهي اعتداء
مباشر على الحق في الحياة وإنما أصبحت ظاهرة اجتماعية وجنائية خطيرة
تستوجب الوقوف عند أسبابها وتشخيص مظاهرها ومراجعة الوسائل القانونية
والمؤسساتية الكفيلة بمواجهتها. إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في عدد
الجرائم فقط، وإنما في طبيعة الظروف التي تحيط بها وفي سهولة تحول
الخلافات اليومية البسيطة إلى جرائم عنف خطيرة، وذلك لسهولة الحصول على
الأسلحة واستخدامها في لحظات الغضب والانفعال. فإن التعامل مع جرائم
القتل لا ينبغي أن يقتصر على الجانب العقابي بعد وقوع الجريمة، بل يجب أن
ينتقل إلى مفهوم أوسع يتمثل في (السياسة الجنائية الوقائية)، التي تبحث
عن أسباب الجريمة قبل وقوعها وتحاول الحد من الظروف التي تساعد على
ارتكابها.
تبرز أهمية السياسة الجنائية اتخاذ مجموعة من الإجراءات للحد من هذه
الظاهرة الخطيرة من أهمها:
أولا: دراسة أسباب انتشار ظاهرة القتل: إن البحث عن أسباب ظاهرة القتل
يمثل الخطوة الأولى في بناء سياسة جنائية فعالة، لأن معالجة النتائج دون
معالجة الأسباب تؤدي في الغالب إلى استمرار المشكلة، ولا يمكن ارجاع
جرائم القتل إلى سبب واحد فهي ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل
الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والقانونية والثقافية، لذلك هناك مجموعة
من الأسباب:
1-انتشار الأسلحة النارية، في مقدمة الأسباب يأتي انتشار الأسلحة ولا
سيما غير المرخصة وسهولة الحصول عليها، فالسلاح ليس بالضرورة السبب
المباشر ولكنه قد يكون الوسيلة التي تحول النزاع من خلاف عابر إلى جريمة
القتل.
2-النزاعات العائلية والاجتماعية وثقافة الانتقام، كثير من الجرائم القتل
لا تبدأ بنية قتل مسبق وإنما تنشأ نتيجة تطور الخلافات بشكل تدريجي بسبب
الغضب أو الانتقام أو الثأر أو خلافات المالية والشخصية والأسرية، وتزداد
الخطورة في هذه النزاعات عندما يكون السلاح قريب من أحد أطرافها، ولا
يمكن إغفال العنف داخل الأسرة والمشكلات النفسية والانفعالية التي قد
تسهم في بعض الجرائم التي تبدأ بالتهديد قبل أن تتحول إلى جريمة.
ومن أخطر العوامل التي ينبغي مواجهتها الاعتقاد بأن القوة والسلاح يمكن
أن يكون وسيلة لاستعادة الحقوق أو فرض الإرادة، وهنا يجب التأكيد على أن
المجتمع الذي يحل خلافاته خارج إطار القانون يضعف سلطة الدولة ويزيد
احتمالات وقوع الجريمة.
3-ضعف الوعي والثقافة القانونية، قد يجهل بعض الأشخاص خطورة حمل السلاح
دون إجازة أو يستهينون بإطلاق العيارات النارية أو التهديد بالسلاح، فإما
يكون الاستخفاف بالقيم الاخلاقية والاجتماعية أو اللامبالاة تجاه
القوانين، وهذا ما يفرض ضرورة تعزيز الثقافة القانونية بحيث يعرف المواطن
أن حمل السلاح واستخدامه ليس مجرد تصرف شخصي وإنما جريمة تخضع للقانون
وتترتب عليها المسؤولية الجنائية والمعاقبة عليها.
ثانيا: دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي: الإعلام لم يعد مجرد وسيلة
لنقل الأخبار وإنما أصبح مؤسسة مؤثرة في تشكيل الوعي والسلوك الاجتماعي،
وبالتحديد في جرائم القتل فإن الإعلام يتحمل مسؤولية مزدوجة: نقل الحقيقة
من جهة، والمساهمة في الوقاية من الجريمة من جهة أخرى. فالطريقة التي
يعرض بها الإعلام جريمة القتل يمكن أن تؤثر على المجتمع، في إذا اقتصر
الإعلام على عرض تفاصيل الجريمة وصورها ومشاهدها الصادمة فيتحول الخبر
إلى وسيلة للإثارة، أما إذا رافق الخبر تحليل قانوني واجتماعي وتوعية
بمخاطر السلاح والعنف فإنها يصبح أداة للوقاية والتوعية، كما ينبغي أن
تتعامل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مع جرائم القتل بمهنية،
من خلال احترام الضحايا وذويهم ولا تتحول الجريمة إلى مادة للإثارة أو
التشهير، فالإعلام يستطيع أن يكون أداة للوقاية الجنائية إذا استخدم
بصورة مهنية ولكنه قد يتحول إلى عامل سلبي إذا اكتفى بعرض جرائم القتل
بطرقة مثيرة دون تقديم وعي قانوني والاجتماعي اللازم، فليس المطلوب نشر
خبر (مقتل شخص بأطلاق النار) وإنما ينبغي أن يتبع ذلك توضيح للمجتمع بأن
حمل السلاح دون إجازة جريمة يعاقب عليه القانون لأنها تعتبر من جرائم
الخطر على المجتمع، ويجب الاهتمام في منصات التواصل الاجتماعي بأن
الترويج للسلاح أو التحريض على العنف يعتبر جريمة ويعاقب عليها القانون،
فإن السياسة الجنائية الحديثة تستوعب التطورات التكنولوجية وتجمع بين
حماية حرية التعبير ومكافحة المحتوى الذي يشكل التحريض الإجرامي وفق
القانون.
ثالثا: دور القانون في مواجهة جريمة القتل: يمثل القانون الوسيلة
الأساسية التي تستخدمها الدولة لحماية المجتمع، وفي إقليم كوردستان يوجد
إطار تشريعي خاص لتنظيم الأسلحة وهو قانون الأسلحة رقم (2) لسنة 2022،
الذي ينظم حيازة الأسلحة النارية وحملها وبيعها وإصلاحها وتداولها، وهذا
القانون يمثل الجانب الوقائي من السياسة الجنائية، لأنه يتدخل قبل ارتكاب
جريمة القتل من خلال تنظيم وجود السلاح داخل المجتمع ولكن عندما تتحول
السلاح إلى أداة للقتل فإن المسؤولية تنتقل إلى أحكام قانون العقوبات
العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل النافذ، وقد ميز المشرع العراقي بين
صور جريمة القتل العمد وشدد العقوبة إلى الإعدام في الحالات التي تتوافر
فيها ظروف المشددة المنصوص عليها في المادة (406).
قانون الأسلحة في إقليم كوردستان يعتبر تكامل للقانون العقوبات العراقي
والقانونين يعتبر جزء من منظومة واحدة أي وجهين لعملة واحدة، فقانون
الأسلحة يمنع الخطر قبل وقوع الجريمة وقانون العقوبات يعاقب على الجريمة
بعد وقوعها لتحقيق الردع العام والخاص، فإن تطبيق قانون الأسلحة بصورة
فعالة يمكن أن يسهم في منع جرائم القتل قبل وقوعها.
رابعا: دور المؤسسات الدينية والمجتمعية: لا يمكن معالجة ظاهرة القتل
بالقانون وحده، فالقانون يعاقب لكنه لا يستطيع وحده تغيير الثقافة
الاجتماعية، وهنا تظهر أهمية المؤسسات الدينية والاجتماعية في ترسيخ قيم
احترام الحياة الإنسانية ونبذ الانتقام والدعوة إلى التسامح وحل النزاعات
بالطرق القانونية، فإن الخطاب الديني المعتدل يستطيع أن يؤدي الدور المهم
في توعية المجتمع بأن قتل الإنسان جريمة دينية وقانونية وأخلاقية وهذا ما
نص عليه القرآن الكريم (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ
فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، إن هذه الآية الكريمة تختزل في
كلمات قليلة للقيمة العظيمة للحياة الإنسانية، وتؤكد أن الاعتداء على
حياة إنسان لا يمثل اعتداءً على فرد فحسب، وإنما يمثل اعتداءً على قيمة
الحياة ذاتها ، فإن مواجهة ظاهرة القتل في إقليم كوردستان لا ينبغي أن
تكون مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية وحدها، بل مسؤولية الدولة
والمجتمع والإعلام والمؤسسات الدينية والأكاديمية، في إطار سياسة جنائية
متكاملة هدفها الأول حماية الإنسان ومنع الجريمة قبل وقوعها.
كما يمكن للمؤسسات الدينية أن تشارك في حملات التوعية والندوات والخطب
والبرامج المجتمعية التي تحذر من مخاطر السلاح والعنف. أما المؤسسات
الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني فيمكنها أن تؤدي دور الوسيط في حل
النزاعات ونشر ثقافة الحوار ومساعدة الأسر التي تعاني من النزاعات
والعنف.
وفي الخاتمة، إن ظاهرة القتل في إقليم كوردستان والعراق تستحق أن تكون
موضوع للبحث والنقاش، لا أن تحظى بالاهتمام فقط عندما تقع جريمة مأساوية
جديدة، فالقتل ليس مجرد رقم في الإحصاءات الجنائية وإنما هو حياة إنسان
تنتهي وأسرة تتألم ومجتمع يفقد جزءاً من أمنه واستقراره، لقد وضع المشرع
في إقليم كوردستان قانون لتنظيم الأسلحة، هو قانون الأسلحة رقم (2) لسنة
2022، كما وضع المشرع العراقي في قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969
المعدل، حماية جنائية للحق في الحياة وعقوبات مشددة للصور الخطيرة من
القتل العمد. إن مواجهة جرائم القتل تحتاج إلى سياسة جنائية متكاملة تبدأ
من ضبط السلاح غير المرخص ولا تنتهي عند العقوبة وإنما تمتد إلى الإعلام
والتعليم والدين والأسرة والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني. فالإعلام
يستطيع أن يغيّر الوعي والقانون يستطيع أن يردع والمؤسسات الدينية تستطيع
أن تؤثر في السلوك والقيم والجامعة تستطيع أن تقدم التشخيص العلمي
والمؤسسات الأمنية تستطيع أن تمنع الخطر والقضاء يستطيع أن يحقق العدالة،
وهنا تكمن فلسفة السياسة الجنائية الحديثة، أن تتكامل هذه الأدوار قبل
وقوع الجريمة لا أن تتحرك جميعها بعد أن تسفك الدماء
وفي النهاية، فإن حماية الحق في الحياة ليست مسؤولية الشرطة والقضاء
وحدهما، وإنما هي مسؤولية الدولة والمجتمع بكل مؤسساته فحين يكون القانون
أقوى من السلاح والإعلام أقوى من خطاب العنف والوعي أقوى من ثقافة
الانتقام يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية الإنسان وحفظ حياته.
المصادر والمراجع:
1- الآية (32) سورة المائدة، من القرآن الكريم.
2-رنج باراوي ، رسالة مفتوحة للسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية،
معهد الإصلاح الجنائي في كوردستان، 31/8/2026.
3-د. هلكورد عزيزخان أحمد، الأساليب الحديثة في التحقيق الإجرامي وأثرها
على تحقيق العدالة الجنائية، دار هاتريك للطباعة والنشر، أربيل.
4-قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل النافذ.
5- قانون الأسلحة في إقليم كوردستان العراق رقم (2) لسنة 2022