حسن لمين
تحليل السرد الروائي العربي بين أحمد اليبوريوسعيد يقطين: من دينامية التكوّن إلى بنية الخطاب
مقدمة
شهد النقد الأدبي العربي، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تحولات عميقة في طرائق مقاربة النص الروائي، انتقل بموجبها من هيمنة الأحكام الانطباعية والقراءات الموضوعاتية العامة إلى البحث عن أنظمة ومقولات إجرائية قادرة على تفكيك البنية الداخلية للخطاب الأدبي والكشف عن آليات إنتاج دلالته. وقد ارتبط هذا التحول، من جهة، بالتطور الذي عرفته المناهج البنيوية والشكلانية والسيميائية والسردية في النقد الغربي، ومن جهة أخرى، بالحاجة الملحة إلى بناء ممارسة نقدية عربية قادرة على استيعاب التحولات التي عرفها السرد العربي الحديث.
وفي هذا السياق يحتل النقد المغربي موقعًا متميزًا، بالنظر إلى ما راكمه من تجارب نقدية أسهمت في إعادة النظر في طبيعة النص الروائي وآليات تشكله. ويبرز في هذا المجال أحمد اليبوري وسعيد يقطين بوصفهما من الأسماء التي كان لها أثر واضح في بلورة خطاب نقدي عربي حول الرواية والسرد.
غير أن أهمية المقارنة بين المشروعين لا تكمن في مجرد رصد أوجه الاختلاف بين ناقدين مغربيين، وإنما في كونها تسمح بمتابعة تحول السؤال النقدي نفسه: من سؤال كيف تشكلت الرواية العربية؟ إلى سؤال كيف يشتغل الخطاب الروائي؟ ومن سؤال العلاقة بين النص والتحولات التاريخية والاجتماعية إلى سؤال البنية السردية وآليات تنظيم الزمن والحكي والرؤية.
لقد صدر كتاب أحمد اليبوري دينامية النص الروائي عن منشورات اتحاد كتاب المغرب سنة 1993، ثم جاء كتابه في الرواية العربية: التكون والاشتغال سنة 2000، وهو كتاب يتابع قضايا النشأة والتطور والاشتغال في الرواية العربية، المغربية والمشرقية على السواء. أما سعيد يقطين فقد جعل من تحليل الخطاب الروائي محورًا مركزيًا في مشروعه، خصوصًا في كتابه تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئيرالذي صدر سنة 1989، ثم توالت طبعاته، ومنها طبعة المركز الثقافي العربي سنة 2005. وتؤكد البيانات الببليوغرافية أن الكتاب يتكون من 391 صفحة، وأن موضوعه ينصرف إلى الخطاب الروائي من خلال مقولات الزمن والصيغة والرؤية السردية.
وعليه، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن سؤال مركزي: كيف يتشكل الاختلاف المنهجي بين أحمد اليبوري وسعيد يقطين في تحليل السرد الروائي العربي، وإلى أي حد يمكن النظر إلى المشروعين باعتبارهما مسارين متكاملين في بناء النقد الروائي العربي الحديث؟
أولا: أحمد اليبوري وسؤال التكوّن ودينامية النص الروائي
يمثل مفهوم الدينامية مدخلًا أساسيًا لفهم مشروع أحمد اليبوري النقدي. فالنص الروائي عنده لا يظهر بوصفه بنية مكتملة ومنعزلة عن تاريخ الأدب والمجتمع، وإنما يدخل في سيرورة من التكون والتحول والتفاعل مع الأشكال السابقة والأنساق الثقافية والاجتماعية المحيطة به.
ويكشف عنوان كتابه دينامية النص الروائي عن هذا الاختيار المنهجي؛ إذ يحيل مفهوم الدينامية إلى الحركة والتحول والتفاعل، بما يجعل النص الروائي جزءًا من تاريخ متطور للأشكال الأدبية، لا مجرد بنية ثابتة يمكن تفكيكها بعيدًا عن شروط إنتاجها. وتؤكد المعطيات المتصلة بالكتاب أنه ينفتح على مجموعة من القضايا المرتبطة بالنص والسرد والشخصية والواقع والتاريخ والتحول، بما يعكس طبيعة هذا المنظور الدينامي.
وتتضح هذه الرؤية أكثر في كتابه في الرواية العربية: التكون والاشتغال، الذي يقارب مجموعة من الظواهر السردية كما تحققت في نصوص روائية عربية مغربية ومشرقية، ويخصص جانبًا مهمًا لمسائل النشأة والتطور.
ولا يعني ذلك أن اليبوري يتعامل مع الرواية بوصفها مجرد وثيقة اجتماعية أو تاريخية؛ فالاهتمام بالتكون لا يلغي الاهتمام بالاشتغال. ومن هنا يأتي الجمع الدال في عنوان الكتاب بين التكوّن والاشتغال. فالرواية تتشكل داخل شروط تاريخية وثقافية معينة، لكنها، بعد تشكلها، تمتلك منطقها الفني الخاص، وتعيد بناء تلك الشروط بواسطة التخييل واللغة والسرد.
وهذا التصور يقرب مشروع اليبوري من بعض منجزات البنيوية التكوينية، من حيث الاهتمام بالعلاقة بين البنية الأدبية والبنيات الاجتماعية والثقافية، لكنه لا يستنفد فيه؛ لأن مشروعه يحتفظ بحس واضح تجاه خصوصية النص الأدبي وآليات تحوله.
ومن هنا يمكن القول إن اليبوري ينظر إلى الرواية باعتبارها كائنًا تاريخيًا وجماليًا في الوقت نفسه. فهي تتأثر بالتحولات الاجتماعية والفكرية، لكنها لا تعكسها انعكاسًا آليًا؛ إذ تعيد إنتاجها داخل بنية تخييليةخاصة.
ثانيا: من دينامية النص إلى تحليل الخطاب
إذا كان اليبوري يبدأ من تاريخ تشكل النص وحركته داخل المجال الأدبي والثقافي، فإن سعيد يقطين ينقل السؤال إلى مستوى آخر: مستوى الخطاب الذي تتحول من خلاله الحكاية إلى رواية.
وهنا يمثل كتاب تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير منعطفًا أساسيًا في النقد السردي العربي؛ فقد جعل يقطين موضوع البحث هو الخطاب، أي الطريقة التي تقدم بها مادة الحكي، واشتغل على مقولات مركزية هي الزمن والصيغة والرؤية السردية. وتؤكد الفهارس الببليوغرافية أن الكتاب يندرج ضمن السرديات البنيوية، مع سعيه إلى توسيع مجالها والانتقال من المظهر النحوي إلى المظهر الدلالي.
وهذا التحول في موضوع الدراسة بالغ الدلالة. فالرواية لا تُدرس هنا باعتبارها مجموعة أحداث وشخصيات وموضوعات، وإنما باعتبارها طريقة مخصوصة في تنظيم المادة الحكائية. ومن ثم يصبح السؤال النقدي متعلقًا بالكيفية التي ينتظم بها الزمن، وبالصيغة التي يقدم بها الراوي الأحداث، وبالرؤية التي تتحكم في توزيع المعرفة بين الراوي والشخصيات والقارئ.
وقد استفاد يقطين في هذا المجال من منجز السرديات البنيوية الغربية، ولا سيما من جيرار جنيت الذي جعل من الزمن والمود والصوت مقولات مركزية لتحليل الخطاب السردي. ففي Figures III، الصادر سنة 1972، يتضمن كتاب جنيت دراسته الشهيرة“Discours du récit“، التي أصبحت من الأعمال المؤسسة في دراسة بنية الخطاب السردي.
كما يستفيد هذا المسار من الأسئلة التي أثارها تودوروف في Poétique de la prose الصادر سنة 1971، حيث انتقل البحث في السرد من التعامل مع النصوص بوصفها وحدات فردية إلى محاولة اكتشاف القوانين والبنى التي تنتظم وراء تعددها.