ماهين شيخاني
حين يتحول «الرفض السياسي» إلى احتجاج على احتكار القضية والمتاجرة بالتضحيات
تمهيد: جيلٌ يحب أرضه ولا يثق بقياداته
في كل صباح، يستيقظ شاب كوردي في كوردستان سوريا، ويطرح على نفسه سؤالاً لم يكن يتخيّل يوماً أن يطرحه: لماذا أبقى؟
ليس لأنه فقد محبته لأرضه، ولا لأنه تنكّر للغته وهويته، ولا لأنه لم يعد يؤمن بحق شعبه في الحرية والكرامة؛ بل لأنه بات يتساءل عن جدوى البقاء في مكان لا يرى فيه مستقبله واضحاً، ولا يجد في الخطاب السياسي المحيط به ما يكفي لاستعادة ثقته.
بين أحزاب رفعت شعارات الديمقراطية واللامركزية وحقوق الشعوب، ثم دخلت مرحلة الاندماج في مؤسسات الدولة بعد حل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في آب/أغسطس 2026؛ وبين مجلس وطني كوردي رفع شعار الشراكة والتمثيل القومي، لكنه لم ينجح في إقناع قطاعات من الشباب بأنه قادر على تجاوز الانقسامات الحزبية وصراعات المواقع، تتسع الفجوة بين السياسة التي تُمارَس باسم الشعب، والحياة التي يريد هذا الشعب أن يعيشها.
ليس من الإنصاف اختزال التجارب في صورة واحدة، لكن من حق الناس أن يسألوا عن النتائج، وأن يقيسوا الوعود بما تحقق منها. لقد دفع الشعب الكوردي أثماناً باهظة، ولا يجوز أن تصبح تضحياته مبرراً لإعفاء أي قيادة من المساءلة.
هنا يبدأ ما يمكن تسميته بـ «الرفض السياسي»: ليس رفضاً للهوية، ولا تنكراً للقضية، بل رفضاً للولاء الحزبي الأعمى، واحتجاجاً على احتكار التمثيل، وامتناعاً عن منح الثقة لمن لا يقدم دليلاً على استحقاقها.
أولاً: من «الإدارة الذاتية» إلى «الأحزاب»… حين تتغير العناوين ويبقى السؤال
لم تعد «الإدارة الذاتية» قائمة ككيان سياسي وإداري. فقد أُعلن حلّها مع حلّ قوات سوريا الديمقراطية، ودُمجت مؤسساتها المدنية والعسكرية في الدولة السورية. وقد بدأت عملية الدمج العسكري فعلياً قبل الإعلان، إذ انتقل آلاف العناصر إلى ألوية وزارة الدفاع، وباتت الموارد الاستراتيجية والمعابر تحت تصرف الدولة.
هذا التحول يطرح سؤالاً جديداً على الشباب الكوردي: إذا كانت الإدارة الذاتية قد انتهت، فمن يمثلهم الآن؟
الإجابة الواقعية هي: الأحزاب. الأحزاب التي كانت جزءاً من تجربة الإدارة الذاتية، والأحزاب التي كانت في المعارضة، والأحزاب التي دخلت البرلمان، والأحزاب التي قاطعت. كلها تتنافس على تمثيل الشعب الكوردي في المرحلة الجديدة.
لكن الشباب لا يسألون عن الأسماء، بل عن الجوهر: هل تغيّرت آليات العمل الحزبي؟ هل انتهى احتكار القرار؟ هل أصبح للمواطن العادي صوت مسموع؟
التجنيد الإجباري، الذي كان أحد أبرز أسباب العزوف، تراجع مع حل قوات سوريا الديمقراطية ودمج مقاتليها في مؤسسات الدولة. لكنه ترك جرحاً عميقاً في ذاكرة عائلات كثيرة، خاصة بعد تقارير موثقة عن تجنيد القاصرين حتى أشهر قليلة قبل الحل. وزوال الممارسة لا يمحو الأثر تلقائياً؛ فالثقة تُبنى بالاعتراف بالأخطاء، لا بتجاهلها.
ثانياً: المجلس الوطني الكوردي… أزمة التمثيل أم أزمة الثقة؟
في المقابل، لا يستطيع المجلس الوطني الكوردي أن يكتفي بتقديم نفسه بديلاً سياسياً، أو أن يستمد شرعيته من انتقاد أخطاء خصومه. فالبديل لا يُبنى على أخطاء الآخرين، بل على مشروع مختلف، وبرنامج واضح، وآليات شفافة، ونتائج يمكن تقييمها.
لقد رفع المجلس شعار تمثيل الشعب الكوردي والدفاع عن حقوقه، لكن السؤال هو: إلى أي مدى استطاع تحويل هذه الشعارات إلى قوة سياسية فاعلة، ومشاركة شعبية حقيقية، وحضور ملموس في حياة المواطنين؟
إن استمرار الانقسامات الحزبية، وضعف تجديد القيادات، ومحدودية مشاركة الشباب والنساء في مواقع القرار، قضايا تستحق نقاشاً جدياً. والتمثيل ليس صفة تُمنح إلى الأبد، ولا امتيازاً تحتكره مجموعة أحزاب؛ إنه مسؤولية تتجدد بقدر ما تستجيب للمجتمع وتخضع للمحاسبة.
ثالثاً: لماذا يبتعد الشباب؟
لا يمكن تفسير عزوف الشباب بسبب واحد. هناك من تدفعه الظروف الأمنية، ومن يهرب من الفقر والبطالة، ومن يبحث عن التعليم والعمل، ومن فقد الثقة بالقيادات، ومن يرفض الاستقطاب الحزبي.
لكن هذه الأسباب تلتقي عند سؤال: هل يستطيع الشاب أن يبني حياة كريمة في مجتمعه، ويحافظ على هويته، ويشارك في تقرير مستقبله، دون أن يُطلب منه التخلي عن حريته؟
1. حين يُطلب منهم التضحية دون أن يُسمح لهم بالقرار
لا يمكن بناء علاقة صحية بين أي مشروع سياسي وشبابه على أساس المطالبة بالتضحية وحدها. الشاب ليس رقماً في تعداد المقاتلين، ولا صوتاً يُستدعى عند الحاجة ثم يُستبعد من مواقع القرار. وحتى مع تراجع التجنيد، يبقى السؤال: هل يُستشار الشباب في القضايا التي تمس حياتهم ومستقبلهم؟
2. حين يصبح النقد سبباً للخوف
لا تنمو الثقة في بيئة يخشى فيها المواطن التعبير عن رأيه، أو يتردد الصحفي في أداء عمله، أو يشعر الناشط بأن انتقاده قد يعرّضه للملاحقة. حرية النقد ليست ترفاً، بل شرط لتصحيح الأخطاء ومنع تحوّل المؤسسات إلى دوائر مغلقة.
3. حين تتحول لقمة العيش إلى معركة يومية
لا يستطيع الشباب العيش على الخطابات. يحتاجون فرص عمل، وتعليماً جيداً، ورعاية صحية، وخدمات أساسية. وليس مطلوباً منهم الاختيار بين كرامتهم القومية وكرامتهم الإنسانية؛ فهما وجهان لقضية واحدة.
4. حين يصبح الانتماء الحزبي بوابة للفرص
إذا شعر الشباب بأن الوصول إلى الوظيفة أو المشاركة في المؤسسات يتأثر بالولاء الحزبي، فذلك يضعف ثقتهم بمبدأ تكافؤ الفرص. وضمان الشفافية في التوظيف وفصل الإدارة العامة عن المصالح الحزبية ليس ترفاً إدارياً، بل شرط لبناء علاقة سليمة بين المجتمع والسلطة.
رابعاً: من يستعيد ثقة الشباب؟
استعادة الثقة لا تتحقق بحملة إعلامية أو مؤتمر حزبي، بل بتغيير في بنية المؤسسات ومفهوم التمثيل نفسه.
أولاً: الاعتراف بالأخطاء
على كل قوة سياسية تقديم مراجعة واضحة لما أخفقت فيه، والتمييز بين الظروف الخارجة عن إرادتها والقرارات التي تتحمل مسؤوليتها. الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، بل بداية لاستعادة الثقة.
ثانياً: ضمان الحريات وحق الاعتراض
وضع ضمانات عملية لحرية التعبير والعمل الصحفي والتنظيم المدني، والتحقيق في الشكاوى، وإتاحة سبل مستقلة للتظلم.
ثالثاً: إنهاء احتكار المؤسسات
المؤسسات العامة يجب أن تكون في خدمة المجتمع، لا امتداداً للتنافس الحزبي. وهذا يتطلب شفافية في التوظيف والإنفاق، ومحاسبة المسؤولين.
رابعاً: فتح المجال للشباب والنساء
لا يكفي تخصيص مقاعد رمزية. المطلوب مساحة حقيقية في وضع البرامج وصياغة القرارات ومراقبة التنفيذ، وآليات شفافة لتجديد القيادات.
خامساً: الانتقال من الوعود إلى البرامج
تقديم برامج محددة بأهداف قابلة للقياس، وجداول زمنية، وتقارير دورية عن النتائج.
سادساً: فصل القضية عن الاحتكار الحزبي
القضية الكوردية أوسع من أي حزب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوار كوردي يحدد المشتركات، ويضع الخلافات في إطار سياسي قابل للإدارة، ويحترم التعددية.
خامساً: رسالة إلى الشباب
ليس مطلوباً منكم منح ثقتكم لأي حزب لمجرد أنه يرفع شعاراً قومياً، ولا التخلي عن أسئلتكم إرضاءً لقيادة، ولا اعتبار النقد خيانة.
من حقكم أن تسألوا، وأن تختلفوا، وأن تحاسبوا، وأن تبحثوا عن طرق جديدة للمشاركة. ومن حقكم أن ترفضوا أن تتحول تضحياتكم إلى وسيلة لإدامة الصراعات.
لكن الابتعاد عن الأحزاب لا يعني التخلي عن الشأن العام. تعلّموا، ونظّموا مبادراتكم، وادعموا العمل المدني المستقل، وطالبوا بالشفافية والمساءلة.
أنتم لستم جمهوراً ينتظر قراراً من فوق، ولا وقوداً لمعارك الآخرين؛ أنتم مواطنون وأصحاب حق، ومن حقكم أن تكونوا شركاء في صياغة المستقبل.
خاتمة: القضية ليست دكاناً… والشباب ليسوا وقوداً
حين يفقد الشباب ثقتهم بالأحزاب، لا يعني ذلك أنهم فقدوا إيمانهم بقضيتهم. قد يعني أنهم لم يعودوا يقبلون أن تكون الهوية وسيلة لإسكاتهم، أو أن تتحول التضحيات إلى رصيد سياسي تتداوله القيادات.
لا تحتاج القضية إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات تحترم عقول الناس، وفضاءات آمنة للتعبير، وفرص حقيقية للعمل والمشاركة.
فالقضية القومية ليست ملكاً لحزب، والشباب ليسوا ملكاً لقيادة، والتضحيات ليست شيكاً على بياض.
فحين يصبح البقاء في الوطن أصعب من مغادرته، لا يكفي أن نلوم الشباب لأنهم يرحلون؛ بل علينا أن نسأل: ماذا فعلنا كي يكون لهم سببٌ حقيقي للبقاء؟