أخطر الأيديولوجيات: أيديولوجيا الدين

حكيم زغير الساعدي

في الفكر السياسي الحديث، وبما أن السياسة “فن الممكن”، يحق لك اتخاذ جميع الأساليب الشرعية وغير الشرعية لتحقيق الغايات التي ترمي إلى الوصول إليها. ففي السياسة الحديثة، كل شيء جائز فعله ما دام يضمن المصلحة، حيث لا وجود للجانب الأخلاقي ولا للفضيلة؛ فالعمدة هي: “أينما تكون المصلحة فثمّ الحق”. ربما أنا اليوم عدو لك، لكن غدًا صديقك!
وإذا كان كل شيء جائزًا في السياسة، فالدين هو أفضل وسيلة لكسب الأكثرية من الناس، وتصوير القائد أو الرئيس على أنه الحامي الأوحد للدين، والمؤمن الذي هو ولي الله!
إن هذه المسألة استخدمت كثيرًا في التاريخ لإضفاء الشرعية على جميع الغزوات من أجل المال، وإعطائها صبغة شرعية؛ وكانت هذه وظيفة “وعّاظ السلاطين”، وقد أجادوا في هذه الوظيفة بجعل الحاكم بمظهر المؤمن الزاهد العابد من أجل تبرير كل الجرائم باسم الدين لتكون شرعية للناس، إذ يدافع واعظ السلطان عن هذه الكيفية بكل ما أُوتي من مقدرة وقدرة على النفاق وتسويق الدين كسلعة خادمة للحاكم.
وما العقائد الفاسدة التي صُبغت بصبغة دينية وسُوّقت على أنها دين إلهي إلا نتاج وعّاظ السلاطين؛ كـ “الجبرية”، و”المفوضة” وهي عقيدة فاسدة مفادها أن الله خلق الخلق وفوضهم إلى أنفسهم ولم يتدخل سبحانه وتعالى، و”المرجئة” وهي عقيدة فاسدة تذهب إلى تأخير العمل عن الإيمان وفصل الأخلاق والعمل الصالح عنه بحجة أن المعصية لا تضر مع الإيمان، فضلاً عن بدعة حرمة الخروج على الحاكم. وإلى الآن يوجد الكثير من هذه العقائد – للأسف – معمول به، وتُعتبر دينًا لا يجوز نقدُه أو مجرد السؤال عنه.
ليس الدين مدافعًا عن الظلمة ومجانين السلطة اليوم، ولم يكن يومًا ملاكًا لهم؛ لكن السياسة، ومن عمل ويعمل بها، تجعل من الدين وسيلة لإقناع الناس بأنهم حق محض وغيرهم باطل واضح.
وقد حذر القرآن الكريم من الميل إلى الظالمين أو نصرتهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].
كما حذّر النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من وعّاظ السلاطين بقوله: «إن أخوف ما أخاف على أمتي بعدي: كل منافق عليم اللسان»، وفي رواية أخرى: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون».
خَاتِمَةٌ وَتَلْخِيصٌ
إنَّ جَوْهَرَ الدِّينِ قَامَ لِتَحْرِيرِ الإِنْسَانِ، وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ، وَمُوَاجَهَةِ الظُّلْمِ؛ لَكِنَّ حِينَمَا تُهَيْمِنُ السِّيَاسَةُ عَلَى النَّصِّ الدِّينِيِّ، يَتَحَوَّلُ الدِّينُ مِنْ رِسَالَةٍ إِلهِيَّةٍ إِصْلَاحِيَّةٍ إِلَى “أَيْدِيُولُوجِيَا” تُشَرِّعُ الِاسْتِبْدَادَ وَتُبَرِّرُ الْجَرَائِمَ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ خَطَرَ أَيْدِيُولُوجِيَا الدِّينِ لَا يَنْتَجُ عَنِ الدِّينِ ذَاتِهِ، بَلْ مِنْ تَوْظِيفِهِ كَسِلْعَةٍ بَيْنَ أَيْدِي “وُعَّاظِ السَّلَاطِينِ” لِتَغْيِيبِ الْوَعْيِ وَاسْتِعْبَادِ الشُّعُوبِ بِاسْمِ الْمُقَدَّسِ.
الهوامش والمصادر:
• سورة هود، الآية 113.
• «إن أخوف ما أخاف…»: أخرجه أحمد في المسند، والطبراني في المعجم الكبير (برقم 593).
• «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون»: تحف العقول لابن شعبة الحراني، ص 410؛ وبحار الأنوار للمجلسي، ج 31، ص 146.

قد يعجبك ايضا
∧