شيركو حبيب
ليست وظيفة المدرسة، ولا من صلاحيات المعلمة، أن تفرض على التلميذة ما ينبغي أن تعتقده أو تختاره في حياتها الشخصية. فالمدرسة مؤسسة للتعليم والتربية وبناء الوعي، ومهمتها أن تزرع في نفوس الأجيال احترام الدين والقيم والأخلاق، إلى جانب احترام الحقوق والحريات وقبول الاختلاف، لا أن تحوّل القناعات الشخصية إلى أوامر تُنفّذ بالإجبار.
إن ما يُتداول من أخبار عن إجبار بعض المعلمات تلميذات في المرحلة الابتدائية على ارتداء الحجاب يطرح سؤالًا يستحق النقاش: هل يجوز أن تتحول المدرسة من مكان للتعلم والتربية إلى مساحة لفرض اختيارات شخصية على الأطفال، في مرحلة عمرية ينبغي أن تكون الأولوية فيها للتعليم وبناء الشخصية وتنمية الوعي؟
إن الحجاب، بالنسبة إلى من تختار ارتداءه، قد يكون تعبيرًا عن الإيمان والقناعة الدينية والالتزام الشخصي، وهذه قناعة تستحق الاحترام. لكن احترام الحجاب لا يعني فرضه على من لا ترتديه، كما أن الدفاع عن الحرية الشخصية لا يعني الانتقاص ممن تختاره. فالمبدأ الذي ينبغي أن يحكم هذه المسألة واضح: لا يجوز أن يكون اللباس الديني سببًا للإهانة أو التمييز أو الإكراه، سواء تعلق الأمر بفرض ارتدائه أو بمنع ارتدائه.
الدين قناعة، والقناعة لا تُبنى بالإجبار.
إن إجبار طفلة في المرحلة الابتدائية على ارتداء الحجاب، إذا ثبت وقوعه، ليس مجرد تفصيل يتعلق بالزي المدرسي، بل مسألة تمس كرامتها وحقها في التعلم ضمن بيئة آمنة تحترم شخصيتها. فالطفلة في هذه المرحلة تحتاج إلى من يعلّمها ويفتح أمامها أبواب المعرفة، لا إلى من يجعلها تشعر بالخوف أو الحرج أو بأنها أقل قبولًا من زميلاتها بسبب لباسها.
وإذا كان الهدف من ارتداء الحجاب هو تعزيز القيم الدينية، فإن تحقيق هذا الهدف يبدأ بالتوعية والحوار والقدوة الحسنة، لا بالضغط والعقاب. فالقيم التي يتعلمها الإنسان عن اقتناع تكون أرسخ من تلك التي يُدفع إليها خوفًا من المعلمة أو الإدارة أو المجتمع. والإيمان الذي يقوم على الفهم والقناعة لا يحتاج إلى الإكراه كي يثبت حضوره في حياة الإنسان.
ولا يعني ذلك التقليل من دور الأسرة أو حقها في تربية أبنائها وفق معتقداتها، بل يؤكد أهمية التعاون بين الأسرة والمدرسة، واحترام مسؤولية كل منهما. فالمدرسة ليست بديلًا عن الأسرة في تشكيل قناعات الأطفال، كما أن دور المعلمة التربوي لا يمنحها الحق في تجاوز صلاحياتها أو تحويل اختلاف القناعات إلى صراع داخل الصف الدراسي.
ماذا يقول الدستور العراقي؟
إن المسألة لا تتعلق بالرأي الشخصي وحده، بل ترتبط أيضًا بالمبادئ الدستورية التي تكفل كرامة الإنسان وحريته. فالمادة 37 من الدستور العراقي تؤكد حماية حرية الإنسان وكرامته، وتحظر الإكراه الفكري والسياسي والديني، فيما تنص المادة 42 على أن لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة. كما تكفل المادة 34 الحق في التعليم.
وتؤكد هذه المبادئ أهمية حماية التلميذات من الإكراه، وضمان أن تكون المدرسة بيئة للتعلم والتربية، لا مكانًا لفرض القناعات الشخصية. غير أن تطبيق هذه المبادئ على الوقائع المدرسية المحددة يتطلب أيضًا الرجوع إلى التعليمات والأنظمة التربوية النافذة، والتحقق من طبيعة الممارسات التي يُشتكى منها.
ومن الضروري التمييز بين التعليمات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة وبين التصرفات الفردية التي قد تقع داخل بعض المدارس. فالأخبار المتداولة بشأن إجبار التلميذات على ارتداء الحجاب تحتاج إلى التحقق من تفاصيلها، والاستماع إلى الأسر والإدارات التربوية، وتحديد ما حدث فعلًا قبل إصدار أحكام على أشخاص أو مؤسسات. لكن ضرورة التحقق لا تعني تجاهل الشكاوى، بل تفرض التعامل معها بجدية ومسؤولية.
إن مسؤولية وزارة التربية لا تقتصر على وضع التعليمات المتعلقة بالزي المدرسي، بل تشمل ضمان تطبيقها بصورة عادلة، وحماية التلميذات من أي تمييز أو إذلال أو ضغط غير مشروع. وإذا ثبت أن معلمة أو إدارة مدرسية أجبرت طالبة على ارتداء الحجاب خارج إطار التعليمات النافذة، فإن المطلوب هو التحقيق في الواقعة واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق الأصول القانونية والتربوية، مع ضمان حقوق جميع الأطراف.
وفي المقابل، فإن احترام حرية الطالبة يقتضي أيضًا عدم منعها من ارتداء الحجاب إذا اختارته، وعدم تعريضها للعقاب أو التهميش بسبب هذا الاختيار. فالحرية لا تكون حقيقية إذا دافعنا عنها في اتجاه واحد، ثم تجاهلناها في الاتجاه الآخر. والمبدأ العادل هو أن تُحترم الطالبة، سواء ارتدت الحجاب عن قناعة أو لم تختر ارتداءه، وألا يتحول لباسها إلى معيار للحكم على أخلاقها أو مستوى التزامها أو استحقاقها للتعليم.
إن المدرسة التي تحترم التعدد والاختلاف هي المدرسة التي يتعلم فيها الطالب أن الإيمان لا يحتاج إلى الإهانة، وأن الأخلاق لا تُفرض بالعقوبة، وأن احترام الآخرين لا يتعارض مع الالتزام الديني، بل يعكس وعيًا بقيمة الإنسان وكرامته.
كما لا ينبغي أن تتحول قضايا اللباس والمعتقد إلى محور يصرف الأنظار عن التحديات الأساسية التي تواجه التعليم، من تطوير المناهج وتحسين البيئة المدرسية إلى تأهيل المعلمين وحماية الأطفال من التنمر والتمييز، وضمان حصولهم على تعليم جيد في أجواء آمنة.
إن مستقبل المجتمع يبدأ من المدرسة، ومن الطريقة التي نتعامل بها مع أطفالنا وهم يتعلمون أولى دروس الحياة. فإذا أردنا جيلًا يؤمن بالحوار ويحترم القانون ويتقبل الاختلاف، فعلينا أن نمارس هذه القيم أمامه، لا أن نكتفي بتلقينه إياها. فالتربية ليست أوامر تُفرض، بل عملية متكاملة لبناء الشخصية وتنمية الوعي وتعزيز القدرة على التفكير والاختيار المسؤول.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الحجاب وسيلة للإكراه، كما لا ينبغي أن يكون منعه سببًا للإكراه. فمن تختار ارتداءه تستحق الاحترام، ومن لا تختاره تستحق الاحترام نفسه. وبين هذين الموقفين تقع مسؤولية الأسرة والمدرسة والدولة في حماية كرامة الإنسان، وصون حقوق الطفل، وضمان أن تبقى المدرسة فضاءً للتعلم والمعرفة، بعيدًا عن الضغط والإهانة والتمييز.
فهل نريد مدرسة تُعلّم أبناءنا كيف يفكرون، أم مدرسة تقرر عنهم ما يجب أن يعتقدوه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست شأنًا تربويًا فحسب، بل تعكس مدى احترامنا للحرية والكرامة الإنسانية، وإيماننا بأن بناء الإنسان يبدأ باحترام عقله وضميره وحقه في الاختيار.