كركوك تتمسك بتاريخها.. الأسماء القديمة أقوى من القرارات السياسية

ياسين الحديدي – كركوك

رغم لوحات التغيير، بقيت «تسعين تسعين» و«رحيم آوه» و«الشورجة» و«سوق القورية» تنبض في ذاكرة أهل كركوك.. وفشلت محاولات طمس الهوية أمام تمسّك المواطنين بأسماء أحيائهم ومناطقهم.

في زمن النظام البائد، أقدمت السلطات على تغيير أسماء عدد من الأحياء والمناطق في مدينة كركوك، وأصدرت محافظة كركوك قرارات باستبدال أسمائها القديمة بأسماء جديدة. ولم يقتصر الأمر على إصدار القرارات، بل نُصبت لوحات تحمل التسميات الجديدة، وعُدّلت أختام المختارين، وأُلزمت الدوائر الرسمية باستخدام الأسماء المستحدثة في المخاطبات والمعاملات الرسمية.

ورغم المتابعة الصارمة والضغوط الإدارية، ظلت الأسماء القديمة حاضرة بقوة في ذاكرة المواطنين، على اختلاف قومياتهم وانتماءاتهم. فقد واصل أهل كركوك تداولها في حياتهم اليومية بعفوية وإصرار، لأنها لم تكن مجرد كلمات مكتوبة على لوحات الشوارع، بل كانت جزءاً من تاريخهم وذاكرتهم الجماعية، ومرتبطة بتفاصيل حياتهم منذ الطفولة.

فلا يمكن لقرار سياسي، مهما بلغت صرامته، أن يمحو ذاكرة إنسان نشأ وهو يسمع أسماء الأماكن ويرددها، أو أن يقتلع من وجدانه ما ارتبط بطفولته وشبابه وذكرياته.

أسماء لا تموت

بقيت أسماء مثل «تسعين تسعين»، و«سوق القورية»، و«رحيم آوه»، و«الشورجة»، و«أحمد آغا»، و«فلكة العمال»، و«طريق بغداد»، وغيرها من المناطق التي شملتها قرارات التغيير، حاضرة على ألسنة أهل كركوك، محتفظة برنينها المألوف ومكانتها في وجدانهم.

وعلى الرغم من بساطة بعض هذه التسميات، فإنها تختزن تاريخ المدينة وتفاصيل الحياة فيها، وتحمل دلالات اجتماعية وإنسانية لا يمكن محوها بقرارات إدارية أو تسميات مفروضة. فالأسماء التي ارتبطت بذاكرة الناس ومشاعرهم لا تفقد مكانتها لمجرد استبدال لوحة بأخرى.

الهوية لا تُصادَر بلوحة

لقد أثبت أهل كركوك، بمختلف مكوناتهم القومية والدينية، من كرد وتركمان وعرب ومسيحيين، أن الارتباط بتاريخ المدينة وذاكرتها يمثل قاسماً مشتركاً بينهم، وأن الحفاظ على هويتها مسؤولية تتجاوز الاختلافات والانتماءات.

سقطت اللوحات أو تبدّلت، لكن الأسماء القديمة بقيت حية في أحاديث الناس وذاكرتهم، لأن الاسم الذي يستقر في القلب لا يُمحى بمجرد تغييره على الجدران.

فتاريخ كركوك ليس ملكاً لمكوّن واحد، ولا يمكن اختزاله في رواية قومية واحدة؛ إنه تاريخ مدينة تشكّلت ملامحها عبر قرون من التعايش والتفاعل بين مكوناتها المختلفة. ولذلك، فإن صون هذا التاريخ يقتضي الحفاظ على ذاكرة المدينة بكل أبعادها، بعيداً عن محاولات الطمس أو التزييف أو توظيف التسميات لأغراض سياسية.

فالتاريخ لا ينبغي أن يُختزل أو يُعاد تشكيله وفق الانتماءات القومية، بل يجب أن يُحفظ بأمانة، بكل ما يحمله من تنوع وخصوصية وذكريات مشتركة.

وهكذا، بقيت أسماء كركوك القديمة شاهدة على أن ذاكرة المدن أعمق من القرارات، وأن هوية المكان لا تصنعها اللوحات وحدها، بل يصونها الناس بما يحملونه من تاريخ ووجدان وانتماء.
ويبقى سائق الأجرة هو الفصل.

قد يعجبك ايضا
∧