نجاح مسرور بارزاني في مواجهة التحديات: بين صعوبات الحكم وإنجازات التنمية

شيركو حبيب

لم تكن مهمة رئيس مجلس وزراء إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، سهلة، فقد تولى المسؤولية في مرحلة معقدة تداخلت فيها الأزمات المالية والخلافات مع الحكومة الاتحادية في بغداد، والتحديات الأمنية والاقتصادية، وتهديدات تنظيم داعش الإرهابي، وتداعيات جائحة كورونا، فضلًا عن تقلبات أسواق النفط والانقسامات السياسية داخل البيت الكوردستاني.
ورغم هذه الظروف، لم يقتصر العمل الحكومي على إدارة الأزمات، بل امتد إلى إطلاق مشروعات تنموية وإصلاحية، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، وتحديث الخدمات، والسعي إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بما يخدم مصالح إقليم كوردستان وشعبه، ومن هنا، فإن تقييم تجربة مسرور بارزاني ينبغي أن يستند إلى طبيعة التحديات التي واجهتها حكومته، والمشروعات التي أطلقتها، والنتائج التي حققتها، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.
إدارة الأزمات ومواصلة العمل الحكومي
واجهت حكومة مسرور بارزاني أزمات مالية متكررة وخلافات مع بغداد بشأن الموازنة ورواتب الموظفين والملف النفطي، ومواد دستورية، إلى جانب تحديات أمنية وإقليمية أثرت في إمكانات الحكومة وقدرتها على تنفيذ برامجها، وفي مثل هذه الظروف، لا تُختبر القيادة السياسية بقدرتها على اتخاذ القرارات في الأوقات الطبيعية وحدها، بل بمدى قدرتها على ترتيب الأولويات، والحفاظ على استمرارية المؤسسات، والبحث عن حلول عملية، ومواصلة العمل رغم الضغوط.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الحكومة في تنفيذ برامجها وإطلاق مشروعات جديدة يمثل جانبًا مهمًا في تقييم التجربة، مع ضرورة قياس النتائج الفعلية ومدى استفادة المواطنين منها. فإدارة الحكم مسؤولية تتطلب الجمع بين التعامل مع الأزمات والتخطيط للمستقبل.
روناكي وحسابي: خطوات نحو تحديث الخدمات
يأتي مشروع روناكي لتوفير الكهرباء على مدار 24 ساعة في مقدمة المشروعات الخدمية التي أطلقتها حكومة مسرور بارزاني، بهدف تحسين تجهيز الطاقة والتقليل التدريجي من الاعتماد على المولدات الأهلية، وبحسب البيانات الحكومية المشار إليها في هذا المقال، أُعلن في أكتوبر 2025 وصول خدمة الكهرباء المستمرة إلى نحو 4.3 مليون مواطن، وإيقاف ما يقارب 3,700 مولد أهلي ضمن المشروع.
ولا تقتصر أهمية روناكي على تحسين الخدمات اليومية، بل تمتد إلى دعم النشاط الصناعي والتجاري، وتشجيع الاستثمار، وتقليل الأعباء المرتبطة بتوفير الكهرباء. ويبقى نجاح المشروع مرتبطًا باستدامة التجهيز، وجودة الخدمة، وعدالة التعرفة، وقدرة المواطنين على تحمل تكاليفها.
وفي الجانب المالي والإداري، يأتي مشروع حسابي ضمن جهود تحديث منظومة دفع الرواتب وتوسيع الخدمات المصرفية. وقد أشارت البيانات الحكومية الواردة في المقال إلى تجاوز عدد المستفيدين الذين تسلموا بطاقاتهم المصرفية مليون شخص وفق بيانات لاحقة لمايو 2026.
ويمثل هذا التحول خطوة نحو توسيع التعاملات المصرفية والرقمية وتطوير الإدارة المالية. غير أن نجاحه يتطلب تسهيل الوصول إلى الخدمات، والحد من الأعباء والرسوم، وضمان حماية البيانات ومعالجة المشكلات التي قد تواجه الموظفين والمتقاعدين.
وتعكس هذه المشروعات توجهًا نحو تطوير الخدمات وتحديث الإدارة، على أن تظل نتائجها المستدامة وأثرها المباشر في حياة المواطنين المعيار الأساسي للحكم على نجاحها.
الاستثمار وتنويع الاقتصاد
يمثل تنويع الاقتصاد تحديًا أساسيًا أمام إقليم كوردستان، نظرًا إلى أهمية الإيرادات النفطية وتأثرها بتقلبات الأسواق والخلافات المالية والسياسية، ولهذا، تبرز أهمية جهود حكومة الإقليم في تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، ودعم قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة، بهدف توسيع القاعدة الإنتاجية وخلق فرص عمل أكثر استقرارًا للشباب.
ومن الأمثلة التي تعكس هذا التوجه مشروع زراعي في أربيل، أُعلن افتتاحه في أكتوبر 2025 باستثمار خاص تبلغ قيمته نحو 100 مليون دولار، مع توقع توفير أكثر من ألف فرصة عمل. ويستهدف المشروع تطوير الأنشطة الزراعية والحيوانية والصناعات الغذائية، بما يدعم الإنتاج المحلي ويسهم في تنويع الاقتصاد.
لكن نجاح الاستثمار لا يُقاس بحجم الأموال المعلنة وحده، بل بمدى دخول المشروعات حيز التشغيل، والوظائف التي توفرها فعليًا، وقدرتها على دعم الإنتاج المحلي وتحسين مستوى الدخل، ومن هنا، فإن مواصلة دعم القطاع الخاص، وتحسين البيئة القانونية للاستثمار، وتطوير الإنتاج الزراعي والصناعي، تمثل خطوات مهمة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة الأزمات.
العلاقات السياسية وحماية مصالح كوردستان
تتطلب إدارة إقليم كوردستان سياسة واقعية تراعي تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع مصالح العراق وتركيا وإيران والولايات المتحدة، وتؤثر تطورات المنطقة في الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة.
وتأتي العلاقة مع بغداد في مقدمة هذه الملفات، لارتباطها بالحقوق الدستورية للإقليم والموازنة ورواتب الموظفين والنفط وإدارة المناطق المتنازع عليها. ويظل التحدي أمام حكومة الإقليم هو التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، تحافظ على الحقوق الدستورية وتحد من انعكاسات الخلافات على المواطنين.
كما أن توسيع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع الشركاء الإقليميين والدوليين يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الإقليم، شريطة أن يستند إلى المصالح المشتركة والحفاظ على استقلالية القرار الكوردستاني ضمن الإطار الدستوري العراقي.
ولا تنفصل هذه السياسة عن ضرورة معالجة الخلافات الداخلية بين القوى الكوردستانية، وفي مقدمتها التنافس بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني. فتوحيد المواقف في القضايا المصيرية، وإدارة الاختلاف بالحوار، وتعزيز استقرار المؤسسات، عوامل مهمة لتقوية موقع الإقليم في المفاوضات وحماية مصالحه.
إن نجاح القيادة السياسية لا يتوقف على قدرتها على مواجهة المنافسين، بل يتجلى أيضًا في قدرتها على بناء التفاهمات، وتحويل الاختلافات إلى تنافس مؤسسي، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة.
ما المطلوب في المرحلة المقبلة؟
على الرغم من أهمية المشروعات التي أُطلقت، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة العمل على تنويع الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، وتطوير آليات الرقابة على المشروعات الحكومية، كما أن الاستماع إلى المواطنين والتعامل الجاد مع الانتقادات يمثلان جزءًا أساسيًا من نجاح أي تجربة حكم؛ فالتنمية لا تتحقق بمجرد إطلاق المشروعات، بل عندما يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية، إن الجمع بين الإنجاز والمساءلة، وبين التخطيط والاستجابة لاحتياجات المجتمع، هو ما يمنح السياسات الحكومية استدامتها، ويعزز الثقة بالمؤسسات.
مسرور بارزاني رجل الدولة
إن تجربة مسرور بارزاني في رئاسة حكومة إقليم كوردستان تستحق التقييم في ضوء الظروف الصعبة التي واجهتها، والجهود التي بذلتها حكومته في مجالات الخدمات والطاقة والاستثمار والإصلاح الإداري، فضلًا عن التحديات السياسية والاقتصادية التي لا تزال تتطلب حلولًا مستدامة، لقد أظهرت هذه المرحلة أن إدارة الحكم في بيئة معقدة تحتاج إلى إرادة سياسية، وحكمة في اتخاذ القرار، وقدرة على ترتيب الأولويات والتعامل مع الأزمات، من دون التخلي عن أهداف التنمية والاستقرار، ومن هذا المنطلق، فإن مسرور بارزاني يستحق الإشادة بما أظهره من إصرار على مواصلة العمل الحكومي وسط التحديات، وبما تبنته حكومته من مشروعات تنموية وإصلاحية. كما أن تجربته تتيح النظر إليه بوصفه قائدًا سياسيًا يسعى إلى إدارة الملفات الصعبة ومواصلة مسار التنمية، وهي جوانب ترتبط بمفهوم رجل الدولة ومسؤوليته تجاه شعبه.
فرجل الدولة لا يُقاس فقط بقدرته على مواجهة الأزمات أو تجاوز الخلافات السياسية، بل بحكمته في اتخاذ القرارات، وقدرته على حماية المصالح العامة، وبناء المؤسسات، وتحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة ومستدامة.
إن المواقف الصعبة هي التي تكشف طبيعة القيادة، والإنجازات المستدامة هي التي ترسخ مكانتها. وتبقى قدرة مسرور بارزاني على مواصلة الإصلاح، وتعزيز استقرار إقليم كوردستان، وتحسين حياة مواطنيه، المعيار الأهم لقيمة تجربته ومكانته بوصفه رجل دولة.

قد يعجبك ايضا
∧