ثروات العراق بين الوفرة المالية وضعف الإنتاج

د. نوري جاسم

يمتلك العراق ثروات طبيعية وموارد مالية كبيرة، ويُعدّ النفط من أهم مصادر دخله الوطني، لكن هذه الوفرة لم تتحول حتى الآن إلى اقتصاد متنوع يمتلك قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية احتياجات المجتمع وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن لبلد يمتلك هذه الإمكانات أن يستمر في استيراد نسبة واسعة من احتياجاته الغذائية والصناعية، بدل إنتاجها محليًا؟ وإن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص الموارد، بل في طبيعة إدارة الاقتصاد وأولويات الاستثمار. فعندما تعتمد الموازنة العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، يصبح النشاط الاقتصادي مرتبطًا بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتتعرض الخطط التنموية لضغوط كلما تراجعت الإيرادات. كما أن توجيه جانب كبير من الإنفاق نحو الاستهلاك، من دون التوسع المدروس في المشاريع الإنتاجية، لا يوفر الأساس الكافي لاقتصاد قادر على النمو المستدام.
وفي المقابل، يمتلك العراق مقومات مهمة للنهوض بقطاعيه الزراعي والصناعي، من أراضٍ زراعية وموارد مائية وثروات طبيعية وموقع جغرافي استراتيجي وسوق محلية واسعة. ويمكن لهذه المقومات أن تشكل قاعدة لتطوير الصناعات الغذائية والدوائية والإنشائية والتحويلية، فضلًا عن تحديث الزراعة ورفع كفاءتها، بما يسهم في توفير فرص العمل وتحريك الأسواق وتعزيز القيمة المضافة للموارد الوطنية.
ولا يعني بناء الإنتاج الوطني إغلاق الأسواق أمام السلع الأجنبية، أو الاستغناء عن الاستيراد بصورة مطلقة، بل يعني تحقيق توازن اقتصادي يجعل العراق قادرًا على إنتاج ما يستطيع إنتاجه بكفاءة وجودة وتكلفة منافسة، مع الاستفادة من التجارة الخارجية في توفير التقنيات والمواد التي يحتاج إليها تطوره الاقتصادي. فحماية المنتج الوطني ينبغي أن تقترن بتحسين جودته، وتطوير وسائل الإنتاج، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، ومكافحة الفساد والبيروقراطية، وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين والمنتجين.
ومن الضروري أن تتحول الإيرادات النفطية من مورد لتمويل الإنفاق الجاري وحده إلى أداة لبناء الثروة المستدامة، من خلال الاستثمار في البنية التحتية، والطاقة، والنقل، والتعليم المهني، والتكنولوجيا، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفق ضوابط واضحة ورقابة فعالة، يمكن أن تسهم في توسيع النشاط الإنتاجي وتخفيف العبء عن الدولة.
إن نجاح السياسة الاقتصادية لا يُقاس بحجم الإيرادات التي تدخل خزينة الدولة فحسب، بل بما تحققه هذه الإيرادات من تغيير ملموس في حياة المواطنين، من فرص عمل منتجة، وخدمات أفضل، وأسواق مستقرة، وقدرة أكبر على مواجهة الأزمات الاقتصادية.
إن العراق لا يحتاج إلى ثروات جديدة بقدر ما يحتاج إلى رؤية تنموية تحسن استثمار ثرواته القائمة. فالنفط، مهما بلغت أهميته، مورد قابل للنضوب والتقلب، أما الصناعة والزراعة والمعرفة والمهارات البشرية، فهي أسس يمكن أن تبني اقتصادًا أكثر تنوعًا واستقرارًا.
إن الانتقال من اقتصاد يعتمد على بيع الثروة إلى اقتصاد يصنع الثروة هو التحدي الحقيقي أمام العراق؛ فالثروات تمنحنا الإمكانات، لكن الإنتاج والتخطيط وحسن الإدارة هي التي تصنع المستقبل. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا
∧