محمد الكعبي
لا يكفي أن نطالب الفرد بالاستقلال بينما تظل
الفرص محدودة، أو تبقى حقوقه رهينة الوساطة لذلك يتطلب التغيير مسارين متكاملين:
تنمية استقلال الفرد، وإصلاح المؤسسات التي تحد من قدرته على الاختيار لذا ينبغي:
1. بناء المسؤولية الشخصية: منح الفرد فرصا لاتخاذ
القرارات وتحمل نتائجها، وتشجيعه على المبادرة بدلا من انتظار الحلول الجاهزة.
2. تطوير أساليب التربية والتعليم: مساعدة الأبناء
على حل مشكلاتهم، وتعزيز التفكير النقدي، وتعليمهم أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن
مراجعة الرأي دليل نضج لا ضعف.
3. ضمان العدالة المؤسسية: اعتماد معايير شفافة
للتوظيف وتقديم الخدمات، وتسهيل الإجراءات، وتعزيز الرقابة والمساءلة، حتى لا يصبح
النفوذ الشخصي شرطا للحصول على الحقوق.
4. ترسيخ ثقافة الحقوق: التمييز بين المساعدة
التطوعية التي تستحق الشكر، وبين أداء الواجب العام الذي لا ينبغي تحويله إلى دين
سياسي.
5. اعتماد معيار واحد للمحاسبة: رفض الفساد والتجاوز
بصرف النظر عن هوية مرتكبه، وتقييم القرارات بحسب نتائجها لا بحسب الجهة التي
أصدرتها.
6. الفصل بين الانتماء والطاعة: يستطيع الفرد أن
ينتمي إلى حزب أو جماعة، وأن يدافع عن أفكاره، دون أن يتنازل عن حقه في نقدها أو
مراجعتها.
فالاستقلال لا يعني أن يعيش الإنسان منفردا أو أن
يرفض التعاون، بل أن يشارك المجتمع من موقع الكرامة، وأن يحتفظ بقدرته على التفكير
والاختيار دون أن يصبح أسيرا لحاجته أو انتمائه.
ان السلطة وظيفة عامة وليست ملكا لأحد، إن أخطر
ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول نفوذ المسؤول إلى جزء من وعي المواطن، فيدافع عنه كما
يدافع عن ذاته، ويبرر أخطاءه كما لو كانت أخطاءه الشخصية، ويتعامل مع حقوقه وكأنها
هبات لا استحقاقات.
لكن تجاوز هذه الحالة ليس مسؤولية المواطن وحده؛
فالدولة مسؤولة عن ضمان الحقوق، والمؤسسات مسؤولة عن توفير الفرص العادلة،
والأحزاب مسؤولة عن احترام قواعد المنافسة، والمجتمع مسؤول عن تعزيز ثقافة النقد
والمساءلة، فالمطلوب ليس مواطنا يعارض السلطة دائما أو يؤيدها دائما، بل مواطنا
يقيّم أداءها بموضوعية، ويمنحها ثقته بقدر ما تستحق، ويحتفظ بحقه في مساءلتها حين
تخالف القانون أو تضر بالمصلحة العامة فالسلطة وظيفة عامة وليست ملكا شخصيا،
والمنصب تكليف لا امتياز مطلق، وحقوق المواطنين ليست مكرمات توزعها القوى
السياسية، والمواطن الحر ليس من لا يحتاج إلى أحد، بل من لا يُضطر إلى التنازل عن
استقلاله كي يحصل على حقه وليس من يرفض الانتماء، بل من يحتفظ بعقله داخل الجماعة
التي ينتمي إليها، ويبدأ بناء الدولة حين يتوقف المواطن عن رؤية السلطة بوصفها
مصدرا لحقوقه، ويبدأ برؤيتها أداةً لتنفيذ تلك الحقوق عندها ينتقل المجتمع من
الوساطة إلى المؤسسة، ومن الولاء للأشخاص إلى الالتزام بالقانون، ومن التبعية إلى
المواطنة، فالدولة لا تُبنى برعايا ينتظرون المكرمات، بل بمواطنين يعرفون حقوقهم،
ويتحملون مسؤولياتهم، ويحاسبون من يتولى إدارة شؤونهم.