متابعة التآخي
لماذا يبكي طفلي على أشياء تبدو لي صغيرة؟ لماذايضرب أحياناً من دون أن أجد سبباً واضحاً؟ لماذايرمي نعله في الشارع كلما خرجنا، ثم يطلب شراءكل شيء يراه أمامه؟ ولماذا يستطيع في اللحظةنفسها أن يكون حنوناً ومحباً وذكياً ومرحاً، ثم يتحولفجأة إلى طفل غاضب يصعب التعامل معه؟ …
لماذا يبكي طفلي على أشياء تبدو لي صغيرة؟ لماذايضرب أحياناً من دون أن أجد سبباً واضحاً؟ لماذايرمي نعله في الشارع كلما خرجنا، ثم يطلب شراءكل شيء يراه أمامه؟ ولماذا يستطيع في اللحظةنفسها أن يكون حنوناً ومحباً وذكياً ومرحاً، ثم يتحولفجأة إلى طفل غاضب يصعب التعامل معه؟ هل نحنأمام طفل مشاغب، أم أمام طفل صغير يحاول أنيقول أشياء كثيرة من خلال سلوكيات لم يتعلم بعدكيف يعبّر عنها بالكلمات؟
هذه الأسئلة تبدو مألوفة في كثير من البيوت،خصوصاً خلال السنوات الثالثة والرابعة من عمرالطفل. في هذه المرحلة يبدأ الطفل باكتشاف فكرةجديدة ومهمة بالنسبة إليه: أنا شخص مستقل، لديرغباتي، وأستطيع أن أختار. لكنه لم يمتلك بعدالأدوات النفسية واللغوية التي تساعده على إدارةهذه الاستقلالية. يريد شيئاً ولا يحصل عليه، فيبكي. يغضب، فيضرب. يرفض قاعدة، فيرمي شيئاً. يرىلعبة، فيريدها فوراً. يسمع لا، فيتعامل معها وكأنهانهاية العالم.
المشكلة تبدأ عندما ينظر الكبار إلى هذه التصرفاتباعتبارها صفات ثابتة في شخصية الطفل: «عنيد»،«مدلل»، «قليل أدب»، «عدواني»، «لا يسمعالكلام». بهذه الكلمات ننتقل من فهم السلوك إلىالحكم على الطفل، ومن محاولة معرفة ما الذي يحدثداخله إلى محاولة إسكات ما يزعجنا منه.
طفل الثالثة لا يملك قدرة البالغ على تنظيم مشاعره. قد يشعر بالغضب الشديد من موقف يحتاج منادقائق قليلة لتجاوزه، فيما يعيش هو اللحظة بكلثقلها. الشيء الذي نراه بسيطاً قد يكون بالنسبة إليهخسارة حقيقية: لعبة لم يحصل عليها، نشاطاً توقف،أمّاً ابتعدت، أو قراراً لم يكن هو صاحبه. لذلك لايكون البكاء دائماً دليلاً على التدليل، كما لا يكون كلرفض عناداً مقصوداً. لكن فهم مشاعر الطفل لايعني تركه يفعل ما يريد.
وهنا تظهر المهمة التربوية الأصعب: أن أحتويالشعور وأضع حداً للسلوك في الوقت نفسه. يمكننيأن أقول للطفل: «أعرف أنك غاضب لأنني لم أشتراللعبة، ومن حقك أن تزعل، لكننا لن نشتريها». ويمكنني أن أقول له عندما يضرب: «أفهم أنكغاضب، لكن لا نضرب». هذه الجمل البسيطة تعلّمالطفل شيئاً بالغ الأهمية: مشاعري مقبولة، لكن ليسكل تصرف أفعله بسبب هذه المشاعر مقبولاً.
فالطفل يحتاج إلى أن يعرف أن الغضب ليسجريمة، والبكاء ليس عيباً، والخلاف مع الوالدين ليستمرداً. ما يحتاج إلى التعلم هو كيف يحول هذهالمشاعر إلى كلمات وسلوكيات أكثر أماناً.
حتى الضرب الذي يبدو أحياناً «من دون سبب»غالباً ما يكون وراءه سبب، وإن لم نتمكن من رؤيتهفوراً. قد يكون الطفل غاضباً، أو متعباً، أو غيوراً، أوعاجزاً عن التعبير، أو يحاول جذب الانتباه، أو يقلدسلوكاً شاهده. وفي بعض الحالات يكون الضربمجرد اندفاع لحظي يسبق قدرة الطفل على التفكيرفي النتيجة.
لذلك لا يحتاج الطفل في تلك اللحظة إلى محاضرةطويلة. يحتاج أولاً إلى إيقاف السلوك بهدوء وحزم،ثم مساعدته بعد أن يهدأ على تسمية ما حدث: «كنت غاضباً»، «أردت اللعبة»، «لم يعجبك أنأخبرتك أن تتوقف». بهذه الطريقة نبدأ بتحويلالضرب من وسيلة تعبير إلى فرصة لتعلم التعبير.
والأمر نفسه ينطبق على النعل الذي يرميه الطفل فيالشارع مرة بعد أخرى. قد يبدو الأمر تافهاً، لكنهيكشف شيئاً مهماً في التربية: هل القاعدة ثابتة أمقابلة للتفاوض تحت الضغط؟ إذا قلنا في كل مرة «لاترمِ النعل»، ثم ضحكنا مرة، وغضبنا مرة، وتركناهمرة، وحملناه نحن في المرة الرابعة، فلن يتعلم الطفلالقاعدة؛ سيتعلم مراقبة رد فعلنا حتى يعرف إلى أيحد يستطيع دفعها.
الطفل يحتاج إلى حدود واضحة أكثر من حاجته إلىصراخ مرتفع. يمكن أن تكون القاعدة بسيطة: «النعل يبقى في القدم. إذا رميته سنتوقف ونرتبه منجديد». ثم يأتي التنفيذ الهادئ في كل مرة. لا حاجةإلى إهانته ولا إلى تحويل النعل إلى معركة عائلية.
وتصبح المسألة أكثر وضوحاً عندما يدخل الطفل إلىمتجر الألعاب. يرى لعبة، ثم أخرى، ثم سيارة، ثمحلوى، ثم شيئاً ملوناً لم يعرف حتى ما هو، لكنهيريده أيضاً. يقول «أريد»، ثم «أريد هذا»، ثم يبدأالبكاء عندما يسمع الرفض. هنا أيضاً نحتاج إلىفهم مرحلة النمو. الطفل الصغير لا يزال يتعلم الفرقبين الرغبة والحاجة، وبين الحصول الفوريوالانتظار. لا يمكن أن نتوقع منه وحده أن يمتلكالقدرة التي يحتاجها البالغ حتى يضبط رغباته.
لكن هذه القدرة تُبنى بالتدريب. يمكن للأسرة أنتضع قاعدة واضحة قبل دخول المتجر: «سنشتريشيئاً واحداً اليوم، وأنت تختار». وإذا اختار شيئاً،انتهى الاختيار. وإذا بكى، نحتوي البكاء من دونتغيير القاعدة. لأن الطفل يتعلم من التجربة أكثر ممايتعلم من الكلمات؛ فإذا اكتشف أن البكاء الطويليغيّر القرار، فقد يتحول البكاء من تعبير عن الإحباطإلى وسيلة ناجحة للحصول على المطلوب.
وهنا لا يكون الطفل «ذكياً في التلاعب» بالمعنىالذي يضعه الكبار أحياناً؛ إنه يتعلم العلاقات بينالسلوك والنتيجة. إذا بكى فحصل على اللعبة،سيتعلم أن البكاء وسيلة فعالة. وإذا عرف أن القرارثابت مع وجود الاحتواء، فسيتعلم شيئاً آخر: يمكننيأن أحزن، لكنني أستطيع أيضاً أن أتقبل حدودالواقع.
أما تجاوز الطفل في الكلام، ورفع صوته، ومقاطعتهللكبار، أو استخدام كلمات غير مناسبة، فيحتاج إلىقراءة متوازنة. لا نريد طفلاً خائفاً من الكلام حتىيصبح «مؤدباً»، كما لا نريد طفلاً يعتقد أن التعبيرعن نفسه يمنحه الحق في إهانة الآخرين.
يمكن أن نقول له: «من حقك أن تقول لا، لكن قلهابطريقة محترمة». هذه الجملة تحمل درساً أكبر منمجرد تهذيب الكلام؛ إنها تعلم الطفل أن الاستقلاللا يعني إلغاء الآخرين.
والأهم أن الطفل ليس مجموع هذه السلوكيات. قديكون الطفل كثير البكاء، سريع الغضب، مندفعاً فيبعض المواقف، وفي الوقت نفسه حنوناً، محباً،فضولياً، ذكياً، مرحاً، شجاعاً، سريع التعلم، شديدالتعلق بأسرته، أو قادراً على إظهار تعاطف جميلمع الآخرين. وإذا ركز الوالدان على الجانب المزعجفقط، فقد يبدأ الطفل نفسه في بناء صورة سلبية عنذاته.
لذلك لا نقول أمامه: «أنت دائماً تضرب»، أو «أنتمزعج»، أو «أنت عنيد». الأفضل أن نصف السلوك: «أنت غاضب، لكن الضرب غير مقبول»، أو «أعرفأنك تريدها، لكننا لن نشتريها اليوم». الفرق كبيربين أن نقول للطفل أنت سيئ وبين أن نقول له هذاالتصرف غير مناسب. الأولى تضرب صورته عننفسه، والثانية تساعده على تعديل سلوكه.
وهنا تظهر مسؤولية الوالدين بطريقة مختلفة. الطفللا يتعلم تنظيم غضبه إذا كان يرى الكبار يصرخونعند كل خلاف، ولا يتعلم احترام الآخرين إذا كانتالإهانة وسيلة معتادة في البيت، ولا يتعلم الصبر إذاكانت كل رغبة تُلبى فوراً. التقليد في هذه المرحلةأقوى من كثير من النصائح.
لذلك قد تكون التربية الحقيقية أحياناً في الطريقةالتي يتحدث بها الأب عندما يغضب، وفي الطريقةالتي تعتذر بها الأم عندما تخطئ، وفي كيفية تعاملالوالدين مع اختلافهما أمام الطفل، وفي قدرتهماعلى قول «لا» من دون إذلال، وقول «نعم» من دونإفراط.
نحن لا نحتاج إلى طفل مطيع طوال الوقت. الطفلالذي لا يعترض ولا يرفض ولا يسأل ولا يعبر عنغضبه قد يبدو مريحاً للكبار، لكن التربية الأعمق هيأن نساعد الطفل على امتلاك شخصية واضحة معالقدرة على احترام الحدود.
فالطفل في الثالثة والرابعة لا يحتاج فقط إلى منيقول له ماذا يفعل؛ يحتاج إلى من يساعده على فهمما يحدث داخله. أن يتعلم أن يقول «أنا غاضب»بدلاً من الضرب، وأن يقول «أنا أريدها» بدلاً منالصراخ، وأن يحتمل سماع «ليس الآن»، وأن يتعلمالانتظار، وأن يعرف أن الحب لا يعني الحصول علىكل شيء.
ومع ذلك، تبقى هناك حدود تستحق الانتباه.
إذا كان الضرب شديداً ومتكرراً، أو يؤدي إلىإصابات، أو يظهر بصورة واسعة في مختلفالبيئات، أو ترافقه صعوبات واضحة في التواصل أواللعب أو الاستجابة للآخرين، فإن الاستشارة معطبيب أطفال أو اختصاصي نمو وسلوك تكون خطوةمفيدة. الهدف هنا ليس وضع تسمية على الطفل،وإنما التأكد من أن نموه يسير في المسار المناسبوأن الأسرة تحصل على الدعم الذي تحتاجه.
في النهاية، ربما يكون السؤال التربوي الأهم ليس: كيف أجعل طفلي يتوقف عن البكاء والضرب والرمي؟
وإنما: كيف أعلّمه أن يفهم ما يشعر به، ويعبّر عنه،ويتحمل الحدود، ويحافظ في الوقت نفسه علىشخصيته الجميلة؟
فالطفل لا يأتي إلى الحياة ومعه دليل استخداملمشاعره. نحن الذين نساعده على كتابة هذا الدليل،كلمة بعد كلمة، وموقفاً بعد موقف. وما يبدو اليوم بكاءًعلى لعبة، أو ضربة في لحظة غضب، أو نعلًا مرمياًفي الشارع، قد يكون في حقيقته درساً مبكراً فيشيء أكبر: كيف يعيش الإنسان رغباته من دون أنيصبح أسيراً لها، وكيف يكون حراً من دون أن يؤذيالآخرين.