تزرين يعقوب سولا
حين نتحدث عن تقدم الأمم، تتجه أنظارنا غالبًا إلى التكنولوجيا والاقتصاد والجامعات المتطورة، لكننا قد نغفل عن جانب أساسي يقف خلف هذا التقدم، وهو فهم الإنسان نفسيًا وتربويًا، والاستثمار في صحته النفسية.
لم يعد علم النفس في المجتمعات الحديثة مجرد تخصص أكاديمي يُدرّس في الجامعات، بل أصبح مصدرًا مهمًا لتطوير التعليم، وفهم سلوك الأطفال والمراهقين، فالمجتمع الذي يفهم أفراده لا يكتفي بتعليمهم كيف ينجحون، بل يساعدهم أيضًا على فهم أنفسهم، والتعامل مع مشاعرهم، ومواجهة إخفاقاتهم.
لكن ماذا عن مدارسنا؟ في مدارسنا، ومنها مدارس إقليم كوردستان، ما زال الاهتمام منصبًّا بدرجة كبيرة على المناهج الدراسية، وإكمال المقررات، والامتحانات، والدرجات. أما الجانب النفسي للطالب، الذي يؤثر في دافعيته للتعلم وسلوكه وعلاقاته وتحصيله الدراسي، فلا يحظى دائمًا بالاهتمام الذي يستحقه.
صحيح أن درس علم النفس أُضيف في بعض المراحل الدراسية وبعض المدارس في الإقليم، وهذه خطوة يمكن البناء عليها، لكنها لا تكفي ما لم تتحول إلى توجه تربوي واضح، يُنفَّذ بصورة شاملة ومدروسة، بدل أن يبقى مادة محدودة أو موضوعًا لا يُؤخذ بالجدية المطلوبة.
فالمشكلة ليست في غياب اسم المادة من الجدول الدراسي فحسب، بل في غياب ثقافة نفسية وتربوية تجعل فهم الطالب جزءًا أساسيًا من عمل المدرسة. ما الفائدة من تدريس مفاهيم علم النفس إذا ظل الطالب عاجزًا عن التعبير عن خوفه أو قلقه وكيف نطالب الطالب بالتركيز والتحصيل، من دون أن نلتفت إلى الضغوط الأسرية أو التنمر أو الخوف من الامتحانات أو حاجته إلى الشعور بالأمان والانتماء؟
إن الطالب ليس عقلًا يستقبل المعلومات فحسب، بل إنسان له مشاعر واحتياجات وظروف تختلف من شخص إلى آخر. وقد يكون وراء ضعف التحصيل مشكلة نفسية أو أسرية، وقد يكون وراء السلوك العدواني ألم لا يعرف صاحبه كيف يعبّر عنه، كما قد يخفي الصمت أو الانطواء حاجةً إلى من يصغي ويفهم، لا إلى من يسرع في إصدار الأحكام.
وهنا تظهر أهمية علم النفس في المدرسة؛ فهو لا يلغي الانضباط، ولا يبرر السلوك الخاطئ، بل يساعدنا على فهم أسبابه، واختيار الأسلوب التربوي المناسب لمعالجته. فهناك فرق كبير بين معلم يسعى إلى معاقبة الطالب لأنه أخطأ، ومعلم يحاول أن يفهم سبب الخطأ، ثم يضع حدودًا واضحة تساعد الطالب على التعلم من تجربته. إن إصلاح التعليم يبدأ من إعادة النظر في علاقتنا بالطالب.
ومن هنا، فإن المطلوب في مدارس إقليم كوردستان ليس مجرد توسيع تدريس مادة علم النفس، بل وضع رؤية متكاملة تتضمن تدريب المعلمين على فهم الخصائص النفسية والنمائية للطلبة، وإدخال مهارات التعامل مع المشاعر وحل النزاعات ومواجهة التنمر في الأنشطة المدرسية، وتفعيل دور المرشدين التربويين والنفسيين، وتوفير آليات واضحة للتعامل مع المشكلات التي تؤثر في تعلم الطلبة وسلامتهم النفسية.
كما ينبغي ألا تبقى هذه الجهود رهينة اجتهادات بعض المدارس أو المبادرات الفردية، بل أن تكون جزءًا من سياسة تربوية واضحة، تتضمن خطة تنفيذية وتدريبًا مستمرًا ومتابعةً وتقييمًا للنتائج، لأن بناء الإنسان لا يبدأ حين نطالبه بالنجاح، بل حين نفهم ما يحتاج إليه كي يستطيع أن ينجح.