محمود الحفيد البرزنجي ومشروع الدولة الكوردية المبكر

د. نزار الربيعي

لا تُختزل تجربة محمود الحفيد البرزنجي في سلسلة من الوقائع العسكرية أو في سيرة زعيم محلي واجه السلطة البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى؛ فهي تجربة سياسية مبكرة كشفت، في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب، عن انتقال قسم مهم من المجتمع الكوردي من منطق الدفاع عن النفوذ المحلي إلى التفكير في كيان سياسي يحمل اسماً وحدوداً وإدارةً ورمزاً جامعاً. وفي السليمانية وما حولها، حيث تداخلت المكانة الدينية للعائلة البرزنجية مع مكانتها الاجتماعية، برز محمود الحفيد بوصفه شخصية قادرة على تحويل الرصيد التقليدي إلى خطاب عام عن كوردستان وحق أهلها في إدارة شؤونهم. ولهذا فإن الحديث عن مشروع الدولة الكوردية في تجربته لا يعني افتراض دولة مكتملة الأركان بالمعنى القانوني الحديث، بل يعني قراءة محاولة تاريخية لوضع أساس سياسي لمعنى الحكم الكوردي في زمن كانت فيه خرائط المنطقة تُرسم من جديد.

جاءت هذه المحاولة في أعقاب انهيار الدولة العثمانية، حين لم تكن الحدود الجديدة قد استقرت ولا السلطة في العراق قد أخذت صورتها النهائية. كان الفراغ السياسي واسعاً، وكانت القوى المحلية تبحث عن موقعها بين الإدارة البريطانية الصاعدة، والمطامح التركية، والتكوين العراقي الجديد، وتنافس الزعامات والقبائل. في هذا المناخ لم يكن السؤال الكوردي سؤالاً ثقافياً مجرداً، بل أصبح سؤالاً عملياً: من يحكم المدن والقرى الكوردية؟ وبأي لغة تُدار شؤونها؟ وأين تقع مصالح سكانها في أي تسوية دولية قادمة؟ استثمر محمود الحفيد هذه الأسئلة، فربط بين السليمانية بوصفها مركزاً حضرياً وبين المجال الكوردي الأوسع، وجعل من القيادة المحلية منصةً لطرح رؤية تتجاوز حدود اللواء والإدارة اليومية.

لم يكن الطريق مستقيماً ولا خالياً من التناقضات. فقد تعامل محمود الحفيد في البداية مع البريطانيين بوصفهم قوة قادرة على إنهاء آثار الحرب وتوفير شكل من أشكال الاستقرار، كما تعاملت شخصيات محلية كثيرة مع القوة المنتصرة. غير أن العلاقة سرعان ما كشفت عن اختلاف جوهري في التصور: كانت بريطانيا تميل إلى إدارة المناطق الكوردية داخل ترتيبات تخدم مشروعها في العراق، فيما كان محمود الحفيد وأنصاره يرون أن المكانة الكوردية لا يمكن أن تبقى مجرد وظيفة إدارية أو امتياز مؤقت يمنحه الحاكم العسكري. من هنا بدأ التحول من التعاون المشروط إلى الاعتراض، ومن الاعتراض إلى السعي لبناء سلطة مستقلة في القرار والرمز والولاء.

تكمن أهمية محمود الحفيد في أنه لم يرفع مطلباً منعزلاً عن الواقع، بل حاول أن يمنحه أدوات محسوسة. ففكرة الحكومة الكوردية عنده ارتبطت بإدارة السليمانية، وتنظيم الأنصار، والتواصل مع المناطق المجاورة، واستخدام اللغة السياسية التي تشير إلى كوردستان لا إلى مدينة واحدة. وهذه العناصر، على بساطتها قياساً إلى مؤسسات الدولة الحديثة، كانت تعني أن المشروع تجاوز الاحتجاج إلى محاولة ممارسة الحكم. فالسيادة ليست إعلاناً فقط؛ إنها القدرة على تنظيم الموارد، واستمالة الجماعات، وتأمين طرق الاتصال، وإقناع الناس بأن السلطة الجديدة تمثلهم أو تحمي مصالحهم. وقد واجه هذا المسعى صعوبات كبيرة بسبب محدودية الموارد، وتباين الولاءات، وضعف الاعتراف الخارجي، إلا أن قيمته التاريخية تتأتى من كونه جعل مفهوم الإدارة الكوردية تجربةً واقعية لا مجرد أمنية مؤجلة.

وفي هذا السياق اكتسب إعلان محمود الحفيد نفسه ملكاً على كوردستان معنى رمزياً واسعاً. فالتسمية لم تكن زينة سياسية أو لقباً شخصياً فحسب، بل كانت محاولة لإنتاج مركز شرعي يقابل المراكز التي كانت تتشكل في بغداد وأنقرة ولندن. لقد أراد الإعلان أن يقول إن كوردستان ليست هامشاً جغرافياً تُلحق نتائجه بقرارات الآخرين، بل فضاء سياسي له أصحاب قادرون على التعبير عن إرادتهم. ومع أن هذا الكيان لم يحصل على اعتراف دولي ولم يعش زمناً طويلاً، فإنه أسهم في تثبيت مفردات الدولة والتمثيل والحدود في الوعي الكوردي الحديث. وبذلك صار الاسم السياسي لكوردستان جزءاً من لغة المطالبة، بعد أن كان غالباً وصفاً جغرافياً وثقافياً.

كان البعد الديني في شخصية محمود الحفيد عنصراً مؤثراً في تكوين هذه الشرعية. فالطريقة القادرية والشبكات الاجتماعية المتصلة بها منحت الأسرة البرزنجية حضوراً يتجاوز العلاقات القبلية الضيقة. غير أن اختزال التجربة في البعد الديني وحده يفوّت جوهرها السياسي؛ إذ إن محمود الحفيد استخدم المكانة الروحية لبناء الثقة والتعبئة، لكنه واجه أيضاً قضايا شديدة الحداثة: علاقة الإقليم بالمركز، شكل التمثيل، حدود السلطة المحلية، وموقع الجماعة الكوردية في النظام الدولي بعد الحرب. لذلك يمكن النظر إليه بوصفه جسراً بين مصادر الشرعية التقليدية وبدايات التفكير القومي السياسي، لا بوصفه ممثلاً خالصاً لأحدهما دون الآخر.

لقد أدركت الإدارة البريطانية خطورة هذا التحول، لأنها كانت تريد ضبط الشمال العراقي من خلال ترتيبات يمكن التحكم بها، لا من خلال سلطة كوردية مستقلة القرار. ولهذا اتسمت العلاقة بين الطرفين بالتذبذب: مرةً بالاحتواء عبر المناصب والوعود، ومرةً بالضغط العسكري، ومرةً بإعادة ترتيب الإدارة المحلية على نحو يقلل من نفوذ محمود الحفيد. تكشف هذه السياسة أن المسألة لم تكن خلافاً شخصياً بين زعيم محلي وضباط بريطانيين، بل تنازعاً حول من يملك حق تعريف مستقبل المنطقة. وكلما اتسع خطاب محمود الحفيد واقترب من فكرة الحكم الكوردي المستقل، ضاقت مساحة التسوية مع السلطة البريطانية وحكومة بغداد الناشئة.

ومع ذلك، ينبغي ألا يُقدَّم المشروع بوصفه حركةً متجانسة لا خلاف فيها. فقد عرفت الساحة الكوردية اختلافاً بين الزعامات، وتبايناً في تقدير العلاقة مع بريطانيا والعراق وتركيا، كما اختلفت المناطق في قدرتها على الالتحاق بالمشروع أو الاستفادة منه. وهذه حقيقة لا تُضعف قيمة التجربة، بل تفسر حدودها. فقيام الدولة يحتاج إلى توافق اجتماعي واسع، وإدارة ثابتة، وموارد مستقرة، واعتراف خارجي أو على الأقل توازن قوى يسمح بالبقاء. ولم تكن هذه الشروط متاحة بصورة كافية في عشرينيات القرن الماضي، خصوصاً في منطقة تعاد صياغتها بعد حرب عالمية وانهيار إمبراطورية كبرى. لذلك فإن نجاح التجربة التاريخي لا يقاس فقط بما حققته من بقاء، بل بما فتحته من أفق سياسي.

لقد وضعت تجربة محمود الحفيد موضوع تقرير المصير في صلب الجدل الكوردي قبل أن يصبح مصطلحاً متداولاً على نطاق واسع في الخطاب العام. كانت الفكرة آنذاك عملية ومباشرة: أن يكون للكورد نصيب مؤثر في تقرير من يدير بلادهم، وأن لا تتحول المناطق الكوردية إلى أوراق تفاوض بين القوى الدولية. ولعل المفارقة أن الوعود والمبادئ التي ظهرت في مرحلة ما بعد الحرب لم تتحول إلى ضمانات حقيقية في الواقع، الأمر الذي جعل مشروع محمود الحفيد يتخذ طابعاً مزدوجاً: فهو حركة مقاومة ضد إدارة مفروضة، وهو في الوقت نفسه محاولة لتجسيد بديل سياسي محلي.

ولا يمكن فهم هذه التجربة من دون النظر إلى السليمانية. فالمدينة لم تكن مسرحاً للحدث فقط، بل كانت حاضنةً ثقافية وتجارية وسياسية ساعدت على تداول الأفكار وتكوين شبكات الولاء والتأثير. فيها التقت النخبة الدينية والوجهاء والتجار والمقاتلون والكتّاب، ومنها انتقل معنى المشروع إلى محيط أوسع. ولذلك بقيت السليمانية في الذاكرة الكوردية مرتبطةً بمرحلة مبكرة من اختبار القدرة على إنتاج سلطة محلية ذات خطاب قومي. إن المكان هنا ليس خلفيةً محايدة، بل أحد عناصر الفعل السياسي: فالمدينة منحت المشروع لغةً ومجالاً اجتماعياً ورموزاً يمكن التعرف إليها.

أمّا الصدامات العسكرية التي رافقت هذه المرحلة، فليست دليلاً على أن المشروع كان عسكرياً محضاً. فالقوة المسلحة كانت، في كثير من الأحيان، وسيلة للدفاع عن سلطة ناشئة أو للرد على تدخلات خارجية، لكنها لم تكن بديلاً عن السياسة. والدليل أن محمود الحفيد سعى في مراحل مختلفة إلى تنظيم الإدارة وطلب الاعتراف وإقامة صلات مع القوى المؤثرة، وهي أفعال تكشف إدراكاً بأن البندقية وحدها لا تصنع دولة. غير أن غياب الدعم الدولي وتفوق القوة البريطانية عسكرياً، ثم ميل الترتيبات الإقليمية إلى إدماج المنطقة في الدولة العراقية، جعل المشروع يواجه ميزان قوى لا يستطيع تجاوزه.

من هنا فإن تراجع المشروع لا ينبغي تفسيره بوصفه هزيمة شخصية أو انطفاءً نهائياً للفكرة الكوردية. فقد بقيت التجربة حاضرةً في الذاكرة السياسية، وأصبحت مرجعاً للحركات الكوردية اللاحقة حين أرادت أن تثبت أن المطالبة بالحكم الذاتي أو الاستقلال ليست وليدة لحظة عابرة. ترك محمود الحفيد إرثاً من الأسئلة أكثر مما ترك من المؤسسات: كيف يمكن توحيد الإرادات الكوردية؟ ما حدود التحالف مع القوى الكبرى؟ كيف يمكن الجمع بين الخصوصية المحلية والفكرة القومية؟ وما الشروط التي تجعل الإدارة الذاتية قابلة للاستمرار؟ وهذه الأسئلة ظلت تتكرر، بصيغ مختلفة، في تاريخ كوردستان العراق خلال العقود اللاحقة.

إن القراءة المنصفة لمحمود الحفيد تقتضي الابتعاد عن صورتين مبسّطتين: صورة البطل المعصوم الذي امتلك كل أجوبة عصره، وصورة الزعيم التقليدي الذي لم يتجاوز حدود بيئته. فهو كان ابن زمانه، يحمل فرص ذلك الزمن وحدوده، ويعمل داخل بنية اجتماعية لم تكن قد اكتملت فيها مؤسسات الدولة الحديثة. لكنه في الوقت ذاته امتلك شجاعة سياسية جعلته يطرح فكرة أكبر من الإمكانات المتاحة، وأن يربط بين قيادة السليمانية وبين معنى كوردستان. وهذه النقلة هي التي تمنحه موقعه الخاص في تاريخ الحركة الوطنية الكوردية.

لقد علّمت تجربة محمود الحفيد أن الاعتراف الخارجي مهم، لكنه لا يغني عن بناء قاعدة اجتماعية واسعة؛ وأن الرمز السياسي ضروري، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حمايته؛ وأن التحالف مع القوى الدولية لا يكون آمناً ما لم يستند إلى مصالح واضحة وضمانات حقيقية. كما علّمت أن بناء الدولة يبدأ أحياناً من فكرة تبدو أكبر من الواقع، ثم تتحول مع الزمن إلى ذاكرة مشتركة ومطلب سياسي وبرنامج عمل. وعلى الرغم من أن مملكة كوردستان التي أعلنها محمود الحفيد لم تستمر طويلاً، فإنها أسهمت في نقل الفكرة الكوردية من نطاق التطلع إلى نطاق التجربة، وهذا هو سبب بقائها في الوجدان التاريخي.

إن مشروع الدولة الكوردية المبكر في تجربة محمود الحفيد البرزنجي هو، في جوهره، درس في إرادة الحضور السياسي. فقد ظهر في مرحلة كان فيها الآخرون يكتبون خرائط المنطقة، فحاول أن يجعل للكورد صوتاً في كتابة خريطتهم. لم ينجح المشروع في فرض دولته الدائمة، لكنه نجح في جعل فكرة الدولة الكوردية موضوعاً قابلاً للتخيل والتنظيم والنقاش. لذلك يبقى محمود الحفيد شخصيةً لا تُقرأ في الماضي وحده، بل تُقرأ أيضاً بوصفها أحد الجذور التي تفسر استمرار السؤال الكوردي الحديث: كيف يتحول الشعب من موضوع في سياسات الآخرين إلى شريك في تقرير مصيره؟

قد يعجبك ايضا
∧