هورين حسن
لم تكن تصريحات رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني في منتدى ميري 2026 مجرد قراءة عابرة لحدث طارئ، بل مثّلت في جوهرها إعلاناً صريحاً عن ولادة مرحلة سياسية جديدة وجذرية في المنطقة.
وتنبثق هذه المرحلة، اليوم من تحت أنقاض الشعارات الأيديولوجية الحالمة، وحسابات الصدام الصِفري التي دفعت المنطقة أثماناً باهظة لسنوات طويلة.
وحين يتحدث بارزاني بارتياح لافت وعميق عن العاصمة السورية، دمشق بقيادة أحمد الشرع، معلناً خلوّ القيادة الجديدة من “العُقد السياسية” التاريخية والمزمنة تجاه المكون الكوردي، فإننا لا نقف أمام مجاملة بروتوكولية عابرة، بل نشهد استدارة استراتيجية كبرى تصحح مسار عقود من التيه السياسي وتبدد الهواجس المتبادلة بين الطرفين.
واقعية الجغرافيا
تكمن القيمة الحقيقية والأكثر أهمية لخطاب بارزاني في ذلك النضج والواقعية التي ميزت طرحه، وفي قدرته العالية على مواجهة الشارع الكوردي والنخب السياسية بالحقائق الجغرافية والديموغرافية الصلبة دون رتوش.
إذ يمثل إعلانه الصريح بأن “نموذج إقليم كوردستان الفيدرالي في العراق لا يمكن تطبيقه بحذافيره في سوريا” ذروة الواقعية السياسية التي افتقدتها المنطقة لسنوات.
فقد أثبتت الجغرافيا السياسية والتاريخ القريب، بما لا يدع مجالاً للشك، أن محاولات إسقاط القوالب الجاهزة العابرة للحدود، دون مراعاة دقيقة لاختلاف الطبيعة الاجتماعية، والمخاوف الإقليمية، والتركيبة الديموغرافية لكل بلد، لا ينتج عنها سوى العزلة الميدانية واستدامة الأزمات.
معادلة الدمج العسكري
ويتجسد الملمح الأكثر إثارة وتحولاً في هذا الخطاب، حتماً، في ملف الاندماج العسكري والأمني.
وتُشكل الأرقام الصادمة والدقيقة التي كشف عنها رئيس الإقليم علناً بإعلانه أن” 13 ألف مقاتل كوردي باتوا الآن ضمن صفوف الجيش السوري، إلى جانب آلاف آخرين انضموا للأجهزة الأمنية”، دليلاً دامغاً على أن “الاندماج الوطني” لم يعد مجرد حبر على ورق في أروقة المفاوضات المغلقة، بل بات حقيقة واقعية وميدانية تُعاش على الأرض.
وتضع هذه الخطوة التكاملية غير المسبوقة، حداً لسنوات طويلة من التوجس والهواجس الأمنية المتبادلة، وتحول عناصر القوة العسكرية الميدانية من كونها أداة قلق وإثارة للمخاوف، إلى ركيزة أساسية متكاملة تصب في خانة حماية السيادة الوطنية السورية وبناء مؤسساتها.
تعددية الهوية الوطنية
تتجاوز الرسالة الأعمق والأبعد أثراً لملتقى ميري هذا العام التفاصيل العسكرية الميدانية، لتلامس البُعد الهوياتي والدستوري الحرج للبلاد، وحيث جاء تشديد بارزاني القاطع على أن “سوريا ليست بلداً عربياً خالصاً، بل هناك عرب وكورد ودروز وعلويون”، ليضع الإصبع مباشرة على الجرح السوري القديم.
ولا يكمن الحل المستدام في سوريا الجديدة في إنكار الهويات الفرعية أو محاولة إذابتها قسراً، بل يرتكز على الانتقال الشجاع والواعي نحو مفهوم “المواطنة الجامعة” التي تغذي الاستقرار؛ تلك المواطنة التي يُنظر فيها لخطوات مثل “وجود دراسة جادة حالياً لتعليم اللغة الكوردية في سوريا” كحق ثقافي أصيل يعزز الانتماء، وتُصان فيها الخصوصيات المحلية تحت سقف دستور دائم، موحد، وعادل يحمي الجميع.
عِبر الماضي
وفي هذا السياق، تكتسب النصائح الاستراتيجية التي قدمها بارزاني في أربيل لمستشار الرئاسة السورية، مظلوم عبدي، أهمية بالغة ووزناً ثقيلاً ، فقد تضمنت نقاشاته توجيهاً واضحاً بضرورة الحفاظ على وحدة الخطاب السياسي، مشيراً إلى أنه نصحه شخصياً بـ “تجنب الأخطاء السياسية السابقة التي وقع فيها إقليم كوردستان العراق”، والاستفادة من تجارب الماضي الجمرية لقراءة التحديات الإقليمية بشكل أفضل.
وتُبرز هذه المواقف دور إقليم كوردستان العراق ليس فقط كطرف مراقب، بل كموجّه تاريخي لبوصلة الحوار الكوردي نحو العاصمة دمشق كمرجعية وطنية جامعة للحل.
تأسيس الشراكة
وفي نهاية المطاف، يثبت حديث رئيس الإقليم التقييمي لتجربته الدبلوماسية عندما صرّح بـ “أننا باركنا ما تحقق لـ روج آفا نتيجة القراءة الواقعية للظروف السياسية”، أن جدران الجمود والإنكار قد تكسرت بالفعل في دمشق.
ويوضح الخطاب أن الشراكة الحقيقية القائمة على ثلاثة أركان، الاندماج العسكري المؤسساتي، والواقعية السياسية الميدانية، والمواطنة الدستورية الجامعة؛ هي بوابة العبور التاريخية والوحيدة نحو بناء سوريا مستقرة وآمنة تتسع لجميع مكوناتها وأبنائها دون تهميش أو إقصاء.