نيجيرفان بارزاني.. سياسة استدراك الممكن وصناعة النفوذ في عالم الأزمات على هامش حواره في منتدى ميري بأربيل 2026
د. فیصل صادق توفيق / دكتورا في القانون الدستوري _ الدولي
ليست كل التحولات السياسية تُصنع بالقوة، وليست كل الأزمات تُحل بالتمسك بالمواقف القصوى. ففي منطقة تتغير فيها موازين القوى باستمرار، وتتشابك فيها المصالح الوطنية والإقليمية والدولية، تبرز أهمية نمط من القيادة السياسية لا يكتفي بقراءة الواقع كما هو، بل يسعى إلى اكتشاف ما يتيحه هذا الواقع من فرص، واستدراك الممكن قبل أن تضيع فرصته.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الدور الذي يؤديه رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، في المشهد العراقي والإقليمي والدولي؛ بوصفه نموذجاً لسياسة تقوم على المرونة، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، والتعامل مع الوقائع القائمة باعتبارها نقطة انطلاق نحو الممكن، لا مبرراً للاستسلام لها أو البقاء أسيراً للمواقف النظرية.
وقد أعاد حواره في منتدى ميري بأربيل، في 12 تشرين الأول 2026، طرح سؤال جوهري يتجاوز حدود الإقليم: كيف تستطيع قيادة سياسية أن تحافظ على مصالح شعبها وحقوقه، وفي الوقت نفسه تتعامل مع أطراف تختلف معها في المصالح والتوجهات، بل قد تتعارض حساباتها في بعض الملفات تعارضاً واضحاً؟
إن الإجابة لا تكمن في الدبلوماسية وحدها، ولا في المرونة بمعناها المجرد، وإنما في القدرة على الجمع بين فهم موازين القوى، وتحديد الأولويات، واستثمار الفرص، وتحويل العلاقات السياسية إلى مسارات عملية يمكن البناء عليها. ففي السياسة ثمة فرق بين من يبني خطابه على ما ينبغي أن يكون، ومن ينطلق من فهم ما هو قائم ليعمل على تغييره تدريجياً. الأول قد يمتلك تصوراً مثالياً للنتائج التي يريدها، أما الثاني فيواجه السؤال الأكثر صعوبة: كيف يمكن الوصول إلى تلك النتائج في ظل الظروف والقيود القائمة؟ وهذا لا يعني أن التمسك بالمبادئ خطأ، أو أن التنازل هو الطريق الوحيد إلى الحلول. إنما تكمن المسألة في التمييز بين ثبات الغاية ومرونة الوسيلة. فقد تكون الغاية مشروعة وثابتة، لكن الطريق إليها يتطلب مراحل وتفاهمات ومقاربات مختلفة باختلاف الظروف. وهنا تبرز أهمية مفهوم استدراك الممكن السياسي؛ أي إدراك الفرصة المتاحة قبل انغلاقها، وتقدير المكاسب التي يمكن تحقيقها الآن، وعدم التضحية بها انتظاراً لظروف مثالية قد لا تأتي. ففي بيئة سياسية معقدة، قد لا يستطيع طرف واحد فرض جميع شروطه، وقد لا تتوافر الظروف لتحقيق كامل تطلعاته في مرحلة واحدة. لكن ذلك لا يمنع من تثبيت حقوق أساسية، أو منع خسائر أكبر، أو فتح مسار تفاوضي يتيح تحقيق مكاسب إضافية مستقبلاً. بهذا المعنى، لا تكون الواقعية استسلاماً للواقع، بل محاولة لتغيير الواقع من داخله، عبر خطوات محسوبة، وتفاهمات ممكنة، وتراكم تدريجي للنتائج.
وبما ان إقليم كوردستان يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح العراق وتركيا وإيران وسوريا، فضلاً عن مصالح الولايات المتحدة والدول الأوروبية والقوى الدولية الأخرى. وهذه الجغرافيا تمنحه فرصا للتواصل والتأثير، لكنها تضعه أيضا أمام مخاطر كبيرة، لأن أي تصعيد إقليمي قد ينعكس مباشرة على أمنه واستقراره واقتصاده. ومن هنا، لا تتمثل المعضلة في كيفية اتخاذ موقف من كل أزمة فحسب، بل في كيفية تجنب التحول إلى طرف يدفع ثمن صراعات الآخرين، مع الحفاظ على القدرة على التأثير في مساراتها. إن السياسة المرنة في هذه البيئة تتطلب مخاطبة أطراف متعددة، وفهم مخاوفها ومصالحها، والبحث عن نقاط التقاء لا تستلزم تطابقا كاملا في المواقف. كما تتطلب عدم الخلط بين التواصل السياسي والتبعية، أو بين الحوار والتنازل عن الحقوق.
وفي هذا السياق، يمكن فهم نهج نيجيرفان بارزاني بوصفه سعيا إلى توظيف موقع الإقليم وعلاقاته المتعددة في خدمة الاستقرار، وتعزيز قدرة كوردستان على التعامل مع بغداد ودول الجوار والشركاء الدوليين. ولا يعني ذلك أن كل مبادرة دبلوماسية تحقق أهدافها بالضرورة، أو أن جميع الأطراف تستجيب دائما لجهود الوساطة. لكنه يعني أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة يمنح الإقليم خيارات أوسع مما يمنحه الانكفاء أو التصعيد الدائم. فالقوة السياسية لا تقاس فقط بالقدرة على الرفض أو المواجهة، بل أيضا بالقدرة على الوصول إلى الأطراف المختلفة، وفهم حساباتها، وإقناعها بأن التسوية قد تخدم مصالحها بدرجة أفضل من استمرار الأزمة.
اما فيما يخص العلاقة بين أربيل وبغداد، فأهمية الواقعية السياسية تتجاوز مجرد التفاهم على الملفات الخلافية فالمطلوب هو بناء علاقة اتحادية أكثر استقراراً، تستند إلى الدستور، وتحد من تكرار الأزمات المالية والإدارية والسياسية. ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال الخطاب التصعيدي وحده، كما لا يمكن تحقيقه بتفاهمات مؤقتة لا تعالج أسباب الخلاف، فالحل المستدام يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى معالجة جذورها، ومن الاتفاقات المرتبطة بالظروف السياسية الآنية إلى قواعد واضحة تحكم العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم. وهنا تتضح أهمية المرونة، فهي لا تعني التخلي عن الحقوق الدستورية، وإنما تعني البحث عن الوسائل الأكثر فاعلية لتثبيتها وتطبيقها. فالتفاوض ليس بديلاً عن الدستور، بل يمكن أن يكون أداة لتنفيذه والحوار لا ينتقص من الحقوق، إذا كان هدفه إزالة العقبات أمام ممارستها. كما أن التسوية لا تكون ناجحة لمجرد إعلانها، بل بمدى قدرتها على معالجة المشكلة وضمان استمرار الحل. وتكمن المصلحة الاستراتيجية للإقليم في أن يكون عراقا مستقرا، تحكمه مؤسسات دستورية واضحة، وتكون فيه العلاقة بين المركز والإقليم قائمة على الحقوق والالتزامات المتبادلة، لا على التوتر المستمر.
ومن هذا المنطلق، فإن الدور السياسي الذي يستطيع نيجيرفان بارزاني أداءه لا يقتصر على الدفاع عن موقف الإقليم في المفاوضات، بل يمتد إلى المساهمة في بناء مساحات تفاهم تساعد على استقرار العراق، لأن استقرار الدولة العراقية يرتبط أيضا باستقرار إقليم كوردستان. ومن أكثر الأمثلة دلالة على أهمية استدراك الممكن ملف السلام في تركيا، وما يرتبط به من علاقة مع حزب العمال الكوردستاني وتداعيات أمنية وسياسية على إقليم كوردستان. في هذا الملف، لا يمكن تجاهل تعقيدات التاريخ، وتباين المواقف، والمخاوف الأمنية، والآثار التي تركها الصراع على السكان والمناطق الحدودية. لكن استمرار هذه التعقيدات لا يعني أن المواجهة هي الخيار الوحيد، ولا أن انتظار الحل الكامل منذ البداية هو الطريق الأكثر واقعية.
وفي حواره بمنتدى ميري، تحدث نيجيرفان بارزاني عن جدية مسار الحل في تركيا، رغم بطء خطواته، وأشار إلى أهمية استمرار الجهود الرامية إلى الوصول إلى نتيجة إيجابية. وقد عكست تصريحاته توجها إلى التعامل مع المسار القائم وتقييمه وفق ما يمكن أن يحققه، بدلا من الحكم عليه بالفشل لمجرد أنه لم يصل بعد إلى النتيجة النهائية. إن جوهر هذه المقاربة هو أن الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. فقد تكون هناك لحظة تتوافر فيها إرادة سياسية لدى أطراف مؤثرة، وتظهر فيها إمكانية الانتقال من الصراع إلى التفاوض. وإذا لم تستثمر هذه اللحظة، فقد تعود الأطراف إلى مربع المواجهة، وتصبح تكلفة الحل أكبر. ولا يعني ذلك القبول بأي تسوية كيفما كانت، بل إخضاعها لمعيار واضح، هل تفتح الطريق أمام إنهاء الصراع؟ وهل توفر ضمانات للاستقرار؟ وهل تتيح معالجة الأسباب السياسية والأمنية التي أدت إلى استمراره؟ إن الواقعية هنا هي إدراك قيمة الفرصة، والعمل على تطويرها، مع الاحتفاظ بالقدرة على تقييم نتائجها وتصحيح مسارها.
اما في سوريا، تبرز معضلة مختلفة، تتعلق بمستقبل الدولة، وطبيعة نظامها السياسي، وموقع الكورد فيها، والضمانات اللازمة لحماية حقوقهم في مرحلة إعادة بناء المؤسسات والعلاقات الداخلية. وفي هذا الملف، يكتسب التمييز بين المطالب النهائية والفرص السياسية المتاحة أهمية خاصة. فقد لا تسمح الظروف بتحقيق جميع المطالب في لحظة واحدة، لكن ذلك لا يلغي أهمية تثبيت الحقوق الأساسية ضمن اتفاقات قابلة للتنفيذ، والعمل على تطويرها من خلال المؤسسات والقواعد الدستورية. وفي مواقفه المعلنة خلال مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط 2026، وصف نيجيرفان بارزاني التفاهم القائم بين القوى الكوردية والحكومة السورية بأنه معقول بالنظر إلى الظروف وما يمكن تحقيقه واقعيا، وشدد على أهمية إدراج حقوق الكورد والمكونات الأخرى في الدستور السوري المستقبلي. كما دعا إلى العمل على تنفيذ الاتفاق بما يعزز السلام والاستقرار.
وتستحق هذه المقاربة القراءة من زاوية أوسع، فالسياسة لا تتعلق فقط بتحديد ما نريده، بل أيضا بتحديد ما يمكن تثبيته الآن، وما يحتاج إلى ضمانات إضافية، وما يمكن تطويره في مراحل لاحقة. ومع ذلك، فإن الاتفاق لا يكتسب قيمته بمجرد وصفه بأنه ممكن أو معقول؛ بل بقدر ما يضمن الحقوق، ويحترم الالتزامات، ويمنع عودة الإقصاء، ويوفر شروطا حقيقية للاستقرار. فالواقعية التي لا تنتهي إلى حماية الحقوق تصبح مجرد تكيف مع موازين القوى، بينما الواقعية السياسية الفاعلة تستخدم موازين القوى المتاحة للوصول إلى ضمانات قابلة للحياة. ومن هنا يمكن أن يؤدي إقليم كوردستان دورا في تشجيع الحوار بين الأطراف الكوردية ودمشق، وتسهيل التواصل مع القوى الإقليمية والدولية المعنية، من دون أن يحل محل أصحاب القضية في اتخاذ قراراتهم أو تحديد مستقبلهم.
لا يقتصر دور القيادة السياسية على إدارة الملفات الداخلية أو العلاقات مع دول الجوار، بل يمتد إلى بناء شبكة من العلاقات الدولية تسمح لها بالمشاركة في النقاشات المتعلقة بأمن المنطقة ومستقبلها. وتشير اللقاءات التي أجراها نيجيرفان بارزاني خلال مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط 2026 مع مسؤولين وقادة دوليين إلى اتساع نطاق الاتصالات التي يجريها الإقليم مع أطراف أوروبية وإقليمية ودولية، وإلى طرح قضايا العراق وكوردستان وسوريا . لكن الأهمية السياسية لهذه العلاقات لا تكمن في عدد اللقاءات وحده، بل في قدرتها على بناء الثقة، وتوضيح المواقف، وتسهيل التواصل بين أطراف يصعب عليها أحياناً التفاهم بصورة مباشرة. وتظهر دلالة هذا الدور بوضوح في حديث بارزاني خلال منتدى ميري عن الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ أكد أنه شارك في جهود الوساطة بين الطرفين. إن الوساطة في مثل هذه الملفات لا تعني امتلاك القدرة على فرض الحل، بل القدرة على إيجاد قناة اتصال، ونقل الرسائل، وتقريب وجهات النظر، وتهيئة ظروف تسمح بالتقدم. وهي مهمة تحتاج إلى علاقات مع أطراف مختلفة، وإلى قدر من الثقة، وإلى فهم لحسابات كل طرف وحدود ما يمكنه قبوله. وهنا يتحول الموقع الجغرافي للإقليم من مجرد عامل يضعه وسط صراعات المنطقة إلى فرصة يمكن توظيفها في بناء التواصل. وتصبح أربيل، من خلال علاقاتها ومؤسساتها واتصالاتها، مساحة يمكن أن تسهم في الحوار الإقليمي، شرط أن تقترن الدبلوماسية بمواقف واضحة ومصالح محددة وقدرة على متابعة النتائج.
ويشهد الشرق الأوسط تغيرات متسارعة، ولا تستطيع أي قيادة أن تبني سياستها على افتراض أن موازين القوى ستظل ثابتة، أو أن الأزمات ستنتهي تلقائيا، أو أن الحلفاء والخصوم سيبقون على المواقف نفسها. في مثل هذه البيئة، تصبح القدرة على قراءة التحولات شرطا أساسيا لحماية المصالح. فالفرص قد تظهر في لحظات الاضطراب، لكنها قد تحمل مخاطر أيضا. والمطلوب ليس استغلال كل فرصة بلا تمييز، بل تقديرها، ومعرفة ما يمكن أن تحققه، وما قد تترتب عليها من تكاليف. وقد تناول نيجيرفان بارزاني في منتدى ميري التحولات الإقليمية من زاوية تجمع بين المخاطر والفرص، وربط الحديث عن مستقبل العراق بضرورة تعزيز سيادة الدولة وقدرتها على تحمل مسؤولياتها الأمنية، إلى جانب التنبيه إلى المخاطر الاقتصادية التي تواجه البلاد.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن الواقعية السياسية لا تتوقف عند حدود الأمن والعلاقات الدبلوماسية. إنها تشمل أيضا فهم الاقتصاد، ومصادر الاستقرار، وأهمية المؤسسات، ومدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها من انعكاسات الأزمات الخارجية. فالسياسة التي تنجح في احتواء أزمة أمنية، لكنها تتجاهل هشاشة الاقتصاد، قد تؤجل المشكلة ولا تعالج أسبابها. والسياسة التي تبني علاقات دولية واسعة، لكنها لا تعزز المؤسسات الداخلية، قد تجد أن تأثيرها الخارجي محدود الاستدامة. لذلك، فإن استدراك الممكن يحتاج إلى رؤية متكاملة: دبلوماسية مرنة، ومؤسسات قوية، واقتصاد قادر على الصمود، وعلاقات داخلية متماسكة، ووضوح في تحديد الأولويات الوطنية. قد تتحول المرونة، إذا لم تستند إلى أهداف واضحة، إلى تردد أو تنازلات متتابعة. وقد يتحول التمسك بالمواقف، إذا انفصل عن تقدير الظروف، إلى جمود يعطل فرص الحل. ولهذا فإن القيمة الحقيقية للواقعية السياسية تكمن في قدرتها على التمييز بين ما يمكن التفاوض عليه وما ينبغي الحفاظ عليه، وبين ما يمكن إنجازه الآن وما يحتاج إلى مسار أطول. ومن المهم كذلك ألا تتحول سياسة استدراك الممكن إلى مجرد البحث عن المكاسب الآنية. فبعض الاتفاقات قد تبدو مفيدة في المدى القصير، لكنها تخلق مشكلات أكبر على المدى البعيد إذا افتقرت إلى الضمانات أو لم تعالج جذور الخلاف. إن الاختبار الحقيقي لأي مقاربة سياسية هو نتائجها، هل تقلل احتمالات الصراع؟ هل تحمي الحقوق؟ هل تعزز الاستقرار؟ هل تفتح مسارات جديدة للتعاون؟ وهل تمنح المؤسسات والمجتمعات قدرة أكبر على مواجهة المستقبل؟
بهذه المعايير يمكن تقييم نهج نيجيرفان بارزاني، بعيدا عن الاكتفاء بالانطباعات الشخصية أو الأحكام المطلقة. فالتواصل مع أطراف مختلفة، ودعم التسويات، والمشاركة في الوساطة، كلها أدوات سياسية؛ وتبقى قيمتها مرتبطة بما تستطيع إنتاجه من نتائج فعلية ومستدامة. إن الدلالة الأوسع لحوار نيجيرفان بارزاني في منتدى ميري لا تتعلق بملف منفرد، بل بطريقة التفكير في السياسة ذاتها، هل ننتظر أن تتوافر الظروف المثالية حتى نتحرك، أم نبدأ من الإمكانات القائمة، ونحاول توسيعها خطوة بعد أخرى؟
في العلاقات بين أربيل وبغداد، وفي مسار السلام مع تركيا، وفي مستقبل روژآفا وعلاقاتها مع دمشق، وفي اتصالات الإقليم مع القوى الدولية، تتكرر المسألة نفسها بصور مختلفة، كيف يمكن تحويل التعقيد إلى مساحة للعمل، والخلاف إلى فرصة للتفاوض، والظروف المحدودة إلى بداية لمسار أوسع؟ لا توجد ضمانات بأن تنجح كل مبادرة، ولا أن تستجيب جميع الأطراف لمساعي الحوار. كما أن الواقعية لا تعفي أي قيادة من مسؤولية حماية الحقوق وتقييم النتائج ومصارحة المجتمع بالتحديات. لكنها تمنح السياسة فرصة للخروج من أسر الشعارات والمواقف المغلقة، وتعيد توجيهها نحو ما يمكن إنجازه فعليا. ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذا النهج هو أن قوة القيادة لا تتجسد فقط في قدرتها على إعلان ما ترفضه، بل في قدرتها على اكتشاف ما تستطيع تحقيقه، وفي شجاعتها في استثمار الفرص قبل أن تتحول إلى فرص ضائعة. فالسياسة ليست انتظار اللحظة المثالية، ولا قبول الواقع كما هو؛ إنها فن استدراك الممكن، وتوسيع حدوده، وتحويل المكسب المتاح اليوم إلى أساس لمكسب أكبر غدا. وبهذا المعنى، فإن الدور الذي يسعى إقليم كوردستان إلى أدائه في العراق والمنطقة والعالم لا يتوقف على موقعه الجغرافي أو علاقاته السياسية وحدها، بل يتوقف أيضا على قدرته على تحويل هذه المقومات إلى تأثير ملموس، وعلى الموازنة بين المرونة والمصلحة، وبين الحوار والحقوق، وبين الواقعية والطموح.
فالمستقبل لا يُصنع بالمواقف التي تبدو مثالية فحسب، بل بالقرارات التي تعرف كيف تتعامل مع الواقع من دون أن تستسلم له، وكيف تستثمر الممكن من دون أن تتخلى عن السعي إلى الأفضل.