المقالة التي غيرت حياتي

أنس الشيخ مظهر

قصة واقعية ليست من نسج الخيال، حدثت معي وعشتُ تفاصيلها، وما زال معظم أبطالها على قيد الحياة. ارويها كما هي وكما بقيت في ذاكرتي , لا بوصفها مجرد حكاية من الماضي بل شهادة على مرحلة قاسية تركت اثارها في حياة ناس ومصائر عائلات.

لم يكن الخامس من تموز/يوليو عام 1985 مجرد تاريخ عابر في تقويمي الشخصي، بل كان نقطة فاصلة أعادت تشكيل مجرى حياتي بالكامل.
كنا حينها نقضي العطلة الصيفية في منزل أعمامي في إحدى القرى القريبة من «سرسنك»، في فترة من أشد المراحل حرجاً وقسوة في تاريخ كردستان. كان النظام العراقي وقتها يصعّد من وطأة ضغوطه على العائلات التي التحق أبناؤها بالثورة الكردية، متخذاً من سياسة التهجير القسري والتهديد بالإخلاء وسيلة ضغط مباشرة لإخضاع القوات الكردية (البيشمركة) عبر ذويهم.
ففي تلك الأيام، كانت السلطة قد قررت تهجير العوائل التي كان لها أبناء في صفوف البيشمركة من مناطقها وبيوتها، في محاولة لاقتلاعها من بيئتها. وعلى هذا الأساس، دعت المنظمة الحزبية في سرسنك تلك العوائل إلى اجتماع لإبلاغها بقرار النظام والإجراءات التي ستُتخذ بحقها.
ذهب عمي مع عدد من أبناء القرية إلى المنظمة لمعرفة تفاصيل القرار ومصير عوائلهم، فيما بقيتُ في بيت عمي، أحاول أن أستوعب ما يجري وأفهم أبعاد ما ينتظرنا. لم يكن الأمر مجرد قرار إداري؛ فقد كان يعني أن نفقد بيوتنا ومناطقنا، وأن نُجبر على مغادرة المكان الذي ارتبطت به حياتنا وذكرياتنا للمرة الثانية دون أن نعرف إلى أين سنذهب أو ماذا ينتظرنا.

يومها كنت طالباً في المرحلة الخامسة “الإعدادية”، شغوفاً بالكتابة لا أكتفي بمتابعة الأحداث، وأحاول ربط ما يجري أمامي وما قد يترتب عليه. كان لعمي مكتبة كبيرة تضم مئات الكتب، من بينها كتاب «مذكرات جيفارا» الذي كنت منهمكاً في قراءته تلك الفترة. جئتُ بأوراق وبدأت أكتب مقالاً بقلم رصاص عن الإجراءات التي كان النظام يتخذها بحق تلك العوائل، وعن الغايات التي قد تكون وراءها.

كان السؤال الذي يشغلني هو فيما إذا كانت غاية النظام فقط الضغط على هذه العوائل وإجبارها على مغادرة قراها، أم أنه يحاول جمع عوائل البيشمركة في منطقة واحدة ثم استهدافهم لاحقاً بأسلحة دمار شامل. وكان ذلك قبل جريمة حلبجة بثلاثة أعوام، التي كشفت للعالم مدى استعداد النظام لاستخدام الأسلحة الكيميائية ضد الكرد.

لم تكن لديّ معلومات سرية، ولم أكن أنقل ما سمعته من جهة أمنية أو سياسية. كانت تلك استنتاجات ومخاوف شخص في مقتبل العمر يدرك مدى إجرام ذلك النظام، ويحاول فهم ما يجري ويعبّر عما يدور في ذهنه بالكتابة. وبينما كنت لا أزال منهمكاً في كتابة المقال، عاد عمي ومن معه من سرسنك، حاملين معهم ما أُبلغوا به خلال اجتماع المنظمة الحزبية.

أخبرنا عمي أنهم أبلغوه بضرورة إرجاع ابنه عبدالقادر “الذي التحق بالثورة الكردية منذ عام 1970”، أو أن عليه مغادرة القرية إلى حيث مناطق الثورة. لم يكن ذلك تهديداً يخص عمي فقط، بل جاء في سياق الضغط على جميع عوائل البيشمركة، وأصبح الآن تهديداً مباشراً يواجهونه.

تجمع أفراد العائلة وعدد من الأقارب في بيت عمي لمناقشة ما ينبغي فعله. كنت قد انتهيت من كتابة المقال، فوضعت الورقة بين صفحات كتاب «مذكرات جيفارا»، وتركت الكتاب فوق جهاز التلفزيون. لم أكن أتوقع أن تكون تلك اللحظات بداية حكاية ستظل عالقة في ذاكرتي طوال سنوات، وأن ما كتبته حينها سيصبح سبباً في استدعائي إلى دائرة الأمن، ثم خسارة فرصة كنت أستعد لها وأبني عليها أملاً كبيراً.

في ذلك الوقت كان الناس في القرى يضعون أجهزة التلفاز فوق دواليب خشبية تحوي أدراجاً يضعون فيها الأوراق والمستمسكات المتعلقة بهم. لم يخطر ببالي أن المكان الذي تركت فيه الكتاب سيكون هو نفسه المكان الذي ستبدأ منه الحكاية.

فجأة، اقتحمت مجموعة من رجال الأمن البيت. كان بينهم ضابط عربي اسمه إياد، دخل مسرعاً وتوجه بالحديث إلى عمي، مبلّغاً إياه بأن أمامه حتى اليوم التالي لتنفيذ ما يريده النظام، ثم قال له بلهجة تهديد واضحة:

«موعدك لحد باجر، إمّا تجيب ابنك من عند المخربين، لو راح نجيّبلكم جرّارات تخلّون بيها غراضكم وتروحون وين ما تروحون».

لم يكن كلامه يحتمل تفسيراً آخر. كان المطلوب أن تتخذ العائلة قرارها في نفس اليوم، وإلا فعليها الخروج من بيتها وقريتها، دون أن يكون لها رأي في المكان الذي ستذهب إليه أو الظروف التي ستواجهها.

طلب الضابط من عمي إحضار مستمسكات العائلة، وما إن دخل عمي إلى الغرفة لجمعها من الأدراج، تبعه إياد واقفاً على رأسه ينتظر استلام المستمسكات منه. وقعت عيناه على كتاب «مذكرات جيفارا» فوق التلفزيون. تناوله وبدأ يتصفحه، حتى عثر على الورقة التي كتبتها، فاستخرجها من بين صفحاته.

خرج الضابط إلينا وهو يحمل الكتاب والورقة، وسأل عن صاحب الكتاب. كان ابن عمي الأصغر موجوداً في البيت، فقال إن الكتاب له، فبدأ الضابط بقراءة ما في الورقة، ويتساءل: وهذه الورقة لمن؟

في تلك اللحظة، كنت جالساً بالقرب من أحد أبناء عمي، وهو من جهة عم آخر. همست له بأنني أنا الذي كتبت الورقة. لم يلتفت إليّ، بل قال بصوت منخفض وحازم: «اسكت، لا تتكلم».

لم يكن يقصد أن لا أتحمل المسؤولية، بل كان يدرك أن النظام في كل الأحوال سيُخرج عائلة عمي، وأن الاعتراف بكتابة الورقة لن يغيّر قرار إخراجها، لكنه قد يفتح باباً لمشكلة جديدة ويورطني أنا أيضاً في قضية أمنية. لذلك طلب مني الصمت، فقد رأى أنه لا داعي لأن نضيف مشكلة أخرى للمشاكل التي نواجهها.

طلب الضابط إياد من عمي وابنه الأصغر أن يصعدا معه إلى دائرة الأمن، فالموضوع تحول إلى موضوع أمني. ساد الاضطراب في البيت، وبدأ الأقارب يتساءلون عما سيحدث لهما. وبعد خروج عمي وابنه مع الضابط، لم أحتمل الصمت. أخبرت أبي وأقاربي بأنني صاحب الورقة، وأنني سأعترف بذلك لإنقاذهما. كنت أعتقد أن الاعتراف بالحقيقة قد يكون أفضل من أن تتعرض العائلة لمزيد من المتاعب بسبب شيء كتبته بيدي.

عاد عمي وابنه بعد عشر دقائق، وأخبرونا أن الضابط قال لهم إنهم منشغلون بتبليغ بقية عوائل القرية، وبأنهم سيعودون لأخذهم بعد إتمامهم للمهمة، محذراً إياهم من محاولة الهرب، حيث إن القرية كلها محاصرة، وأن التفكير في الهرب لن يكون مجدياً.

أمام هذا الوضع، قرر عمي أن تغادر النساء البيت وتتوزع على بيوت أخرى في القرية، تفادياً لأن يجدهن رجال الأمن جميعاً في مكان واحد إذا عادوا. أما هو وابنه الأصغر، فقررا المخاطرة بمغادرة القرية والتوجه ليلاً إلى المناطق المحررة التي تسيطر عليها البيشمركة. وهكذا بدأت العائلة تتفرق تحت ضغط التهديد، فيما عدت أنا إلى بيتنا في دهوك، وأنا أحمل في ذهني الورقة التي عُثر عليها، وما قد يترتب على العثور عليها.

كان ابن عمي الأصغر طالباً في المرحلة الثالثة بقسم علوم الأحياء في جامعة الموصل. ترك دراسته وغادر مع العائلة في تلك الظروف، لتنقطع مسيرته الجامعية التي كان قد قطع فيها شوطاً مهماً. لم يكن ذلك قراراً سهلاً لطالب جامعي كان قد أمضى سنوات في الدراسة وبنى آمالاً على إكمالها، لكن ظروف تلك المرحلة وضعت العائلة أمام واقع لم يكن من السهل تجنبه.

أما أنا، فكنت مقبلاً على سنتي الأخيرة في الإعدادية. كان حلمي أن أحصل على معدل يؤهلني لدخول كلية الطب. وكنت أستعد للامتحانات وأفكر في مستقبلي، لكنني وجدت نفسي فجأة منشغلاً باحتمال أن تكون الورقة التي كتبتها قد أصبحت سبباً في فتح ملف أمني باسمي.

كنت أعرف أنني ذكرت أمام عدد من أهالي القرية بأنني أنا من كتب الورقة، وأنهم قد ينقلونه دون قصد إلى غيرهم، وتصل المعلومة إلى أجهزة الأمن، وأن يُنظر إلى ما كتبته بأنه تقرير أو معلومات صادرة عن شخص له صلة بالتنظيمات الداخلية للثورة الكردية. لم تكن لديّ وسيلة لمعرفة ما إذا كانت أجهزة الأمن قد وصلت إلى اسمي فعلاً، لكن احتمال ذلك كان ممكناً.

عندها اتخذت قراراً غريباً، لكنه في ذلك الوقت كان وسيلة احتياط ضرورية. كنت قد كتبت الورقة بيدي اليمنى مثلما تعودت طوال حياتي وبقلم رصاص، فقررت أن أكتب بيدي اليسرى طوال سنتي الأخيرة في الإعدادية، حتى لا يتطابق خطي مع الخط الموجود في الورقة إذا حاولت أجهزة النظام الأمنية اختبار الخط.

لم يكن الأمر سهلاً. فالكتابة باليد اليسرى، بالنسبة إلى شخص اعتاد الكتابة باليمنى، تحتاج إلى وقت وصبر، ولا يمكن أن تصبح طبيعية بين ليلة وضحاها. ومع ذلك، واصلت المحاولة، وكنت أحاول أن أجعل الخط مختلفاً بقدر ما أستطيع. لم أكن أعرف إن كان هذا الاحتياط سيحميني فعلاً، لكنني كنت أبحث عن أي وسيلة تقلل احتمال أن يُربط اسمي بالورقة.

مرت الأيام، ولم يحدث شيء مباشر. لم يُستدعَ أحد من أفراد عائلتي بخصوصها، ولم يصلني ما يؤكد أن رجال الأمن ما زالوا يبحثون عن صاحبها. بدأت أركز مجدداً على الدراسة، وإن بقي القلق في الخلفية، ينتظر اللحظة التي قد يعود فيها إلى الواجهة.

مع اقتراب الامتحانات النهائية، قررت تأجيل امتحاني اللغة العربية واللغة الإنجليزية إلى وقت لاحق، حتى أتمكن من مراجعة بقية المواد بصورة أفضل. وكان أول امتحان قررت حضوره هو امتحان الأحياء، وهي مادة مهمة بالنسبة إليّ، ليس فقط لأنها مادة علمية أساسية، بل لأنها كانت مرتبطة بدخول كلية الطب.

في صباح الامتحان، توجهت إلى مركز الامتحانات، ووقفت مع عدد من زملائي ننتظر فتح الباب والبدء بالامتحان. كنت أفكر في الأسئلة التي قد تأتي، وفي الوقت الذي أمضيته في الاستعداد، ولم يكن في ذهني أن ذلك اليوم سيصبح نقطة فاصلة في مستقبلي الدراسي.

توقفت بالقرب منا سيارة دفع رباعي، نزل منها شخصان. اقتربا من بعض زملائي وتحدثا معهم، وعرفت فيما بعد أنهما قالا لأصدقائي إنهما من أهلي، وقد جاءا ببطاقة الامتحان التي نسيتها في البيت. بالطبع لم أكن أعرفهما، ولم أفهم في البداية لماذا يقتربان نحوي بهذه الطريقة. وبعد قليل، توجها إليّ وسألاني: هل أنت فلان؟ فقلت لهما: نعم، فقالا إنهما من جهاز الأمن، ويريدان اصطحابي معهما لأمر ضروري.

أخبرتهما أن لديّ امتحاناً وأن موعد الدخول قد اقترب، فقالا إن الموضوع بسيط لن يتعدى الخمس دقائق وأرجع للامتحان. لم يكن أمامي مجال حقيقي للاعتراض، فصعدت إلى السيارة، وغادرت معهما باتجاه دائرة الأمن، بينما بقي زملائي يراقبون ما يحدث من دون أن يعرفوا ما يجري.

في دائرة الأمن مضى أكثر من نصف ساعة قبل أن أُدخل إلى غرفة فيها منضدة ورجل ينتظرني. لم يبدأ الرجل باستجواب طويل، ولم يسألني مباشرة عن السياسة أو عن علاقتي بالثورة الكردية. نظر إليّ وسألني سؤالاً بدا بسيطاً في ظاهره:

«شايل قلم رصاص؟»

أجبته بأنني جئت لأداء الامتحان، ومن الطبيعي أن أحمل معي قلماً رصاصاً. عندها قال إنه سيملي عليّ بعض الكلمات لأكتبها.

في تلك اللحظة، فهمت على الأرجح سبب استدعائي. تذكرت الورقة التي كتبتها قبل أشهر، فقد كتبتها بقلم رصاص. بدا لي أن الرجل يريد مقارنة خطي بخط الورقة التي عثر عليها الضابط إياد في بيت عمي. لم يكن لديّ دليل قاطع على ذلك، لكن تسلسل الأحداث جعل هذا الاحتمال واضحاً في ذهني.

حاولت أن أحافظ على أعصابي وألا أُظهر ما يدور في رأسي. أخذت القلم، وبدأت أكتب الكلمات التي أملاها عليّ، مستخدماً يدي اليسرى، كما اعتدت خلال الأشهر الماضية. كانت كلمات متفرقة، وأتذكر أن بعض الكلمات التي أملاها عليّ كانت موجودة في المقال الذي كتبته قبل ذلك، وهو ما عزز لديّ الاعتقاد بأن المقارنة لم تكن مصادفة.

أخذ الرجل ينظر إلى ما كتبته، ثم يقارنه بورقة كانت لديه. لم أعرف تفاصيل ما كان يفكر فيه، لكن اختلاف الخطين بدا واضحاً، أو هكذا فهمت من تصرفه في نهاية الأمر. وبعد أن انتهى من المقارنة، قال لي إنني أستطيع المغادرة.

سألته عن سبب استدعائي وإحضاري إلى دائرة الأمن في يوم امتحاني، فأجاب بأن لديهم اشتباهاً، وأنهم أرادوا القيام ببعض الإجراءات. لم يقدم لي تفسيراً أكثر تفصيلاً، ولم يقل صراحة إن الأمر يتعلق بالورقة، لكنني خرجت من الغرفة وأنا أكثر اقتناعاً بأن ما حدث كان مرتبطاً بما كتبته قبل أشهر.

نظرت إلى الساعة، فأدركت أن وقتاً طويلاً قد مضى منذ بداية الامتحان. عدت مسرعاً إلى مركز الامتحانات، آملاً أن أتمكن من الدخول وأداء ما تبقى من الوقت، أو أن يتفهم المسؤول عن المركز الامتحاني ما حدث لي. شرحت له أنني أُخذت إلى دائرة الأمن، وأن زملائي كانوا شهوداً على ما جرى أمام المركز، وأنني لم أتغيب بإرادتي، بل كنت محتجزاً لديهم طوال ذلك الوقت.

لكن المدير أخبرني بأن القوانين لا تسمح له بإدخالي إلى الامتحان بعد مرور تلك المدة. لم يكن في وسعه، كما قال، أن يتجاوز التعليمات المعمول بها، مهما كان السبب الذي منعني من الحضور في الموعد المحدد. حاولت أن أشرح له أن الأمر خارج عن إرادتي، وأنني لم أذهب إلى دائرة الأمن باختياري، لكن النتيجة لم تتغير.

وهكذا خسرت امتحان الأحياء أيضاً، بعد أن كنت قد قررت تأجيل امتحاني العربية والإنجليزية. وجدت نفسي أمام ثلاثة امتحانات لم أتمكن من أدائها في موعدها، فيما كان حلم دخول كلية الطب يتراجع أمامي. لم تكن المشكلة أنني لم أدرس، أو أنني لم أستعد، أو أنني لم أكن قادراً على تحقيق المعدل الذي أطمح إليه؛ فقد كنت أستعد للامتحانات وأبني عليها آمالاً كبيرة. لكن سلسلة من الأحداث التي لم أكن أملك السيطرة عليها وضعتني في طريق مختلف تماماً عما خططت له.

عندما أستعيد تلك الحادثة اليوم، بعد مرور كل هذه السنوات، لا أتذكرها بوصفها مجرد قصة ورقة عثر عليها رجل أمن داخل كتاب. أتذكرها باعتبارها صورة مكثفة عن حياة الناس في ظل نظام كان يتدخل في أدق تفاصيل حياتهم، ويجعل القرارات السياسية والأمنية تتجاوز أصحابها لتصل إلى بيوتهم وأبنائهم ودراستهم ومستقبلهم.

كنت طالباً في المرحلة الإعدادية، كتبت أفكاراً ومخاوف على ورقة بقلم رصاص. لم أكن أحمل سلاحاً، ولم أكن أمارس عملاً أمنياً، ولم أكن أعرف أن تلك الورقة ستقودني إلى دائرة الأمن في يوم امتحاني. ومع ذلك، وجدت نفسي مضطراً إلى تغيير طريقة كتابتي، ومراقبة تصرفاتي، والتفكير في كيفية تجنب الاشتباه، ثم خسرت فرصة امتحان كان يمكن أن يكون خطوة مهمة في الطريق إلى كلية الطب.

ولعل أكثر ما بقي في ذاكرتي من تلك الأيام هو المفارقة التي صنعتها التفاصيل الصغيرة: كتاب «مذكرات جيفارا» الذي كان واحداً من آلاف الكتب في مكتبة عمي، وورقة كتبتها بقلم رصاص، وقرار اتخذته بأن أكتب بيدي اليسرى، ثم سؤال قصير في غرفة داخل دائرة الأمن… «شايل قلم رصاص؟». كان هذا السؤال كافياً ليعيد إليّ كل ما حاولت نسيانه، ويجعلني أفهم أن ما جرى في بيت عمي لم ينتهِ يوم غادرت العائلة القرية، بل ظل يلاحقني حتى وصل إلى باب قاعة الامتحان.

لم أكتب تلك الورقة كي أختبر شجاعة أحد، ولم أكن أتوقع أن تتحول أفكاري إلى قضية أمنية. كنت شاباً يحاول أن يفهم ما يحدث في بلده، ويكتب ما يراه ويخشى أن يحدث. لكن في العراق آنذاك، لم يكن التفكير دائماً شأناً شخصياً، ولم تكن الكتابة بالقلم والورق فعلاً آمناً بالضرورة. أحياناً، كان يكفي أن تقع ورقة في يد الشخص الخطأ حتى يصبح مستقبل طالب، وحلم عائلة، ومسار حياة كاملة، رهناً بقرار لا يملكون الاعتراض عليه.

قد يعجبك ايضا
∧