محمد علي الحيدري
يحمل إخلاء معسكرات لحزب العمال الكردستاني في كردستان العراق دلالة تتجاوز المواقع التي يغادرها المقاتلون. فهو يضع الإقليم أمام احتمال تخفيف أحد أثقل الأعباء التي فرضتها عليه الجغرافيا: أن تتداخل مصالحه الأمنية والاقتصادية مع صراع لم يكن طرفاً في نشأته، لكنه تحمل جانباً من كلفته.
ومع بقاء الحاجة إلى التثبت من نطاق الانسحاب واستمراره، فإن السؤال السياسي الأهم يتعلق بما يمكن أن يؤسس له. هل يكون خطوة ضمن انتقال فعلي من المواجهة إلى التسوية، أم إعادة انتشار تبقي أسباب التوتر قائمة؟ الفارق بين الاحتمالين كبير بالنسبة إلى أربيل، كما هو بالنسبة إلى بغداد وأنقرة.
مصلحة الإقليم في نجاح التهدئة واضحة. فالاستقرار الحدودي يوسع قدرة مؤسساته على إدارة أراضيه، ويخفف الضغوط على قراره، ويتيح توجيه الموارد نحو التنمية. والأهم أنه يعيد الاعتبار إلى سكان القرى الذين دفعتهم المواجهات إلى حياة معلقة بين الخوف من البقاء وصعوبة المغادرة. هؤلاء هم المعيار الأكثر صدقاً لنجاح أي تسوية.
لكن الاستفادة من الفرصة تتطلب معالجة ما بعد الانسحاب. فالمناطق التي تخلو من المقاتلين تحتاج إلى إدارة أمنية واضحة، وطرق آمنة، وخدمات تساعد على استعادة الحياة. وإذا بقيت مهجورة أو عرضة لعودة النشاط المسلح، فإن التهدئة ستظل مؤقتة، وقد تتحول إلى استراحة بين جولتين من الصراع.
هنا تصبح العلاقة بين بغداد وأربيل عنصراً حاسماً. تستطيع الحكومة الاتحادية أن تمنح المسار غطاءً دبلوماسياً وتفاوضياً، فيما تمتلك حكومة الإقليم المعرفة الميدانية والقدرة على التواصل مع المجتمعات المحلية. والجمع بين الدورين يتيح بناء موقف عراقي أكثر تماسكاً، يقوم على المصالح المشتركة واحترام الصلاحيات الدستورية.
وقد تكون هذه القضية مناسبة لإثبات أن التعاون الأمني قادر على إنتاج نتائج حتى مع استمرار الخلافات السياسية والمالية. فأمن الحدود وحماية السكان يوفران مساحة عملية للتفاهم، يمكن أن تتسع إذا نجح الطرفان في تحديد المسؤوليات وتبادل المعلومات ومنع القرارات المتعارضة.
أما العلاقة مع تركيا، فتدخل بدورها اختباراً مهماً. كل تقدم موثوق في إنهاء النشاط المسلح عبر الحدود يفتح المجال لمراجعة الحاجة إلى الانتشار العسكري والعمليات داخل العراق. غير أن هذه المراجعة تحتاج إلى تفاوض متدرج يربط الخطوات الأمنية بضمانات واضحة، ويوازن بين السيادة العراقية والمخاوف التركية، مع إشراك أربيل في ترتيبات تمس أمن الإقليم مباشرة.
وتكمن حساسية المرحلة في اختلاف سرعة المسارات. فقد تتحرك إجراءات الانسحاب أسرع من التسوية السياسية، أو تتقدم التفاهمات بين الحكومات بينما تبقى الثقة ضعيفة على الأرض. ولذلك يحتاج السلام إلى متابعة طويلة، وإلى مكاسب ملموسة تمنح الأطراف والسكان سبباً للدفاع عنه.
بالنسبة إلى أربيل، تتيح هذه اللحظة فرصة لتعزيز موقعها بوصفها شريكاً في صناعة الاستقرار. ويتوقف اغتنامها على القدرة على تحويل التهدئة إلى مؤسسات تعمل، وقرى تستعيد أهلها، وحدود تقل فيها احتمالات المواجهة. عندها يمكن لكردستان أن تخفف وطأة الجغرافيا على حياتها السياسية، وأن تجعل استقرارها سنداً لاستقرار العراق وعلاقاته مع الجوار.