جمعه المالكي
عندما تنخفض قيمة العملة الوطنية لا يبقى أثر القرار حبيس الأرقام والمؤشرات الاقتصادية بل ينتقل سريعاً إلى الأسواق ويطرق أبواب البيوت العراقية ويصيب موائد الفقراء ومحدودي الدخل قبل غيرهم.
عندها يصبح السؤال الذي يشغل الشارع: من المسؤول عن ارتفاع الأسعار؟ وهل تكفي ملاحقة التجار لمعالجة أزمة ترتبط جذورها بالسياسة النقدية والاقتصادية للدولة؟
لقد شهدت الأسواق العراقية ارتفاعاً في أسعار عدد من السلع والمواد الغذائية والطبية بعد القرار الحكومي بخفض قيمة الدينار العراقي بتاريخ 6 / 10 / 2026 بل امتد الارتفاع إلى بعض المنتجات المصنعة محلياً الأمر الذي أثار موجة من الغضب والاتهامات الموجهة إلى التجار.
ولا يمكن إنكار وجود حالات من الاحتكار واستغلال الأزمات لتحقيق أرباح إضافية كما لا يمكن تبرئة كل التجار من مسؤولية استغلال حاجة المواطنين.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحصر المسؤولية في حلقة واحدة من سلسلة الأزمة ، فإذا كان بعض التجار يستغلون انخفاض قيمة الدينار لرفع الأسعار بأكثر مما تقتضيه كلفة الاستيراد فإن السؤال الأهم هو من اتخذ القرار الاقتصادي الذي انعكست آثاره على القدرة الشرائية للمواطن ؟ وأين الإجراءات الحكومية التي كان ينبغي أن تسبق القرار أو ترافقه لحماية ذوي الدخل المحدود؟
المسؤولية لا تتوقف عند اتخاذ القرار بل تبدأ من الاستعداد لنتائجه ، والحكومة التي تتخذ قراراً يؤثر في قيمة العملة مطالبة بأن تضع في حساباتها انعكاساته على الأسواق والأجور ومستوى المعيشة وأن تتحرك بإجراءات موازية تمنع تحوّل الأعباء الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية تثقل كاهل المواطنين.
وقد أكد رئيس مجلس الوزراء السيد الزيدي تحمله المسؤولية ، لكن المسؤولية الحقيقية لا تُقاس بالتصريحات وحدها وإنما بقدرة الحكومة على احتواء آثار القرارات الاقتصادية وضبط الأسواق وحماية الفئات الأكثر تضرراً.
إن تكثيف الجولات الرقابية وملاحقة المخالفين أمر ضروري لكنه لا يكفي وحده ما لم يُدعم بسياسة اقتصادية واجتماعية متكاملة ، ومن هنا يمكن طرح مجموعة من المعالجات العملية:
أولاً: حماية أصحاب الدخل المحدود
تحتاج الحكومة إلى مراجعة مستوى الرواتب التقاعدية ورواتب الموظفين ذوي الدخول المنخفضة ودراسة زيادة دخول الفئات الأشد تضرراً ولا سيما من تقل رواتبهم عن مليوني دينار وفق الإمكانات المالية للدولة ومعايير عادلة ومدروسة ، فارتفاع الأسعار من دون تحسن موازٍ في الدخل يعني تراجعاً فعلياً في مستوى المعيشة حتى لو بقي الراتب ثابتاً بالأرقام.
ثانياً: إصلاح البطاقة التموينية.
لا يعقل أن تبقى الحصة التموينية التي تمثل سنداً أساسياً لشرائح واسعة من العراقيين محدودة المواد والكمية وتعاني من تفاوت الجودة والتأخر في التوزيع ، المطلوب توفير مواد جيدة وتوزيعها شهرياً بانتظام ومراجعة مفرداتها بما ينسجم مع احتياجات الأسرة العراقية ، فالدعم الغذائي ليس منة من الحكومة بل أداة من أدوات الحماية الاجتماعية خصوصاً في أوقات ارتفاع الأسعار.
ثالثاً: تفعيل منافذ البيع الحكومية وتطوير الهايبر ماركت و توسيع منافذ البيع الحكومية ودعمها في بغداد والمحافظات والإعلان بوضوح عن مواقعها وأوقات عملها وأسعارها يمكن أن يوفر للمواطن بديلاً مناسباً عن الأسواق التي تشهد ارتفاعات غير مبررة.
رابعاً: مواجهة الفساد بلا استثناءات ، فلا يمكن بناء اقتصاد مستقر في ظل الفساد وهدر المال العام وتعطيل أدوات الرقابة والمحاسبة فكل دينار يُهدر أو يُسرق هو مورد يُحرم منه المواطن ومشروع يتأخر وخدمة تتراجع. والمطلوب تطبيق القانون على الفاسدين أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم وتسريع إجراءات التحقيق والمحاكمة وإعلان نتائج القضايا للرأي العام ضمن الأطر القانونية وترسيخ مبدأ أن الوظيفة العامة مسؤولية وأمانة وأن استغلالها لتحقيق المصالح الشخصية جريمة تستوجب العقاب الرادع.
خامساً: مراقبة الأسعار على أساس الكلفة الحقيقية ينبغي ألا تقتصر الرقابة على الجولات الميدانية أو الغرامات المؤقتة بل يجب أن تشمل متابعة فواتير الاستيراد وكلف النقل والخزن والإنتاج وهوامش الربح والتمييز بين الارتفاع الذي تفرضه زيادة الكلفة والارتفاع الناتج عن الاحتكار أو الاستغلال كما يجب عدم السماح برفع أسعار البضائع التي اشتراها التجار قبل انخفاض قيمة الدينار أو المنتجات المحلية التي لا تتأثر كلفتها مباشرة بسعر الصرف من دون مبرر اقتصادي حقيقي.
ختاماً إن المواطن العراقي لا يطالب بالمستحيل بل يريد أن يعيش بكرامة وأن يكون راتبه كافياً لتلبية احتياجات أسرته وألا تتحول كل أزمة اقتصادية إلى فرصة لزيادة أرباح البعض على حساب معاناة الآخرين.
وقد يمنح كثير من العراقيين حكومة السيد الزيدي الوقت الكافي لإثبات قدرتها على الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد لكن هذه الفرصة ينبغي أن تقابلها خطوات ملموسة ونتائج يلمسها المواطن في السوق وفي حياته اليومية لا وعود مؤجلة فنجاح الحكومة لا يُقاس بما تعلنه من خطط بل بما تحققه من استقرار في الأسعار وتحسن في القدرة الشرائية وعدالة في توزيع الأعباء الاقتصادية.
فإذا كان المواطن يتحمل نتائج القرارات الاقتصادية فمن حقه أن يرى نتائج الإصلاح أيضاً والدولة التي تريد ثقة شعبها لا تكتفي بتفسير الأزمة بل تتحمل مسؤولية معالجتها.