كوردستان أمام اختبار المستقبل: نريد الأفعال لا الأقوال

شيركو حبيب

كوردستان أمام اختبار المستقبل: نريد الأفعال لا الأقوالكوردستان أمام اختبار المستقبل: نريد الأفعال لا الأقوال
كلما تأملت واقع كوردستان اليوم، شعرت بأننا أمام مرحلة تتطلب رؤية واضحة وعملاً جاداً، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات وانتظار التسويات المؤقتة. فالمنطقة تتغير، والعراق يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، فيما تحتاج كوردستان إلى مراجعة أولوياتها، وتعزيز مؤسساتها، وحماية ما تحقق، والعمل من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة، إن قلقي على مستقبل كوردستان لا ينبع من التشاؤم، بل من الحرص على مكتسباتها والإيمان بإمكاناتها. فالسؤال ليس فقط كيف نتجاوز أزمات اليوم، بل كيف نبني إقليماً أكثر استقراراً وإنتاجاً وعدالة خلال السنوات المقبلة؟
التحديات الخارجية تبدأ من الداخل
لا يمكن تجاهل تأثير التنافس الإقليمي والدولي على كوردستان، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع بغداد ودول الجوار والقوى الدولية. لكن قدرتنا على مواجهة هذه التحديات تبدأ من الداخل، عبر توحيد المواقف في القضايا المصيرية، وتقوية المؤسسات، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية.
فالاختلاف السياسي حق مشروع، لكن أمن الإقليم وحقوق مواطنيه واستقرار اقتصاده يجب أن تبقى فوق الخلافات. والقوة الحقيقية لا تأتي من الموقع الجغرافي وحده، بل من وحدة الموقف وكفاءة الإدارة والقدرة على اتخاذ قرارات تخدم المجتمع وتحمي مصالحه.
أربيل وبغداد: نريد حلولاً لا تصريحات متبادلة
تظل العلاقة بين أربيل وبغداد من أهم الملفات التي تحدد مستقبل كوردستان، خصوصاً في قضايا الرواتب والموازنة والنفط والصلاحيات الدستورية، وفي كل أزمة، تتكرر التصريحات والمواقف المتبادلة، بينما يبقى المواطن في انتظار حلول تنهي حالة عدم الاستقرار. وليس الخلاف في أن يدافع كل طرف عن موقفه وحقوقه، بل في أن تتحول التصريحات إلى بديل عن الاتفاقات القابلة للتنفيذ.
نحتاج إلى تفاهمات واضحة تحترم الدستور، وتحدد الالتزامات المالية والإدارية، وتضع آليات دائمة لمعالجة الخلافات. فالموظف يريد راتباً منتظماً، والمواطن يريد خدمات مستقرة، والاقتصاد يحتاج إلى بيئة لا تبقى رهينة التجاذبات السياسية، إن نجاح المفاوضات لا يُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرتها على إنتاج حلول مستدامة يشعر المواطن بنتائجها. فحقوق كوردستان واستقرار العراق ليسا هدفين متعارضين، واحترام الدستور والالتزام بالاتفاقات يمكن أن يشكّلا أساساً لشراكة أكثر استقراراً وعدالة.
اقتصاد منتج وفرص حقيقية للشباب
لا يمكن بناء مستقبل مستقر بالاعتماد على النفط وحده. فتقلبات أسواق الطاقة والأزمات السياسية والاقتصادية تؤكد أهمية تنويع مصادر الدخل، ودعم الزراعة والصناعة والسياحة والتكنولوجيا والاستثمار الخاص، ويتطلب ذلك مكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات، وضمان المنافسة العادلة، وتطوير التعليم المهني، وربط الجامعات باحتياجات سوق العمل، كما يتطلب توفير بيئة تشجع المستثمرين وأصحاب المشاريع، وتمنح الكفاءات فرصاً حقيقية بعيداً عن المحسوبية والعقبات الإدارية، أما الشباب، فهم الاختبار الحقيقي لنجاح السياسات الحكومية. فلا يكفي الإعلان عن برامج لدعمهم، بل يجب أن تتحول هذه البرامج إلى فرص عمل حقيقية ومشاريع مستدامة تساعدهم على بناء مستقبلهم داخل مجتمعهم، إن نجاح أي حكومة لا يُقاس بعدد المبادرات التي تعلنها فقط، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتوسيع فرص العمل، وتحويل الموارد المتاحة إلى تنمية يشعر الجميع بثمارها.
ما تحقق يستحق التقدير، لكن النتائج هي المعيار
من الإنصاف الإشارة إلى المشاريع والمبادرات الخدمية والإدارية التي عملت عليها حكومة إقليم كوردستان برئاسة مسرور بارزاني منذ عام 2019. ومن أبرزها مشروع «روناكي»، الذي يستهدف توفير الكهرباء على مدار الساعة، ومشروع «حسابي» لتطوير النظام المصرفي وتنظيم دفع الرواتب إلكترونياً، إلى جانب التوسع في الخدمات الرقمية وتطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمار.
كما أن من المهم الاعتراف بدور القيادة السياسية في دعم المشاريع والمبادرات التي تستهدف تطوير الإقليم، مع ضرورة التمييز بين إعلان الخطط، وتنفيذها، وتحقيق نتائجها الفعلية. فالتقدير لا يعني إعفاء أي مسؤول من المساءلة، كما أن النقد لا يعني إنكار الإنجازات.
إن تقييم هذه المشاريع يجب أن يستند إلى أثرها على حياة المواطنين. فمشروع الكهرباء يُقيّم باستمرارية التجهيز وكلفته ومدى شموله للمناطق المختلفة، والإصلاح المصرفي بسهولة وصول المواطنين إلى أموالهم وجودة الخدمات، والمبادرات الاقتصادية بقدرتها على توفير فرص عمل مستدامة، ومن هنا، فإن المطلوب هو البناء على ما تحقق، ومعالجة ما واجه التنفيذ من عقبات، وتحديد أوجه القصور بوضوح، وضمان استفادة المواطنين من المشاريع بصورة عادلة.
إلى السادة المسؤولين: الناس تريد الأفعال لا التصريحات
رسالتي إلى السادة المسؤولين واضحة: لقد سئم الناس الوعود المتكررة والأحاديث المطاطة والتصريحات الإعلامية التي تتكرر في الملتقيات والمؤتمرات واللقاءات، بينما ينتظرون نتائج ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية.
فكسب ثقة المواطنين لا يكون باستدرار عواطفهم بالكلمات، ولا بإطلاق وعود تتصدر العناوين الإعلامية ثم تتراجع عن الاهتمام بها بانتهاء المناسبة، بل بقرارات جادة، وخطوات عملية، وإنجازات يشعر بها المواطن في بيته وعمله ومستقبله.
لقد أصبح الناس أكثر حاجة إلى رؤية ما تحقق فعلياً، وأقل استعداداً للاكتفاء بسماع ما يُقال. فهم يريدون رواتب مستقرة، وخدمات أفضل، وفرص عمل حقيقية لأبنائهم، وإدارة تحترم وقتهم وحقوقهم، ومسؤولاً يفي بالتزاماته بدلاً من أن يكرر الوعود في كل مناسبة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التواصل الإعلامي أو المشاركة في المؤتمرات والملتقيات، فهي وسائل ضرورية لشرح السياسات وإطلاع المواطنين على القرارات. لكن قيمتها الحقيقية ترتبط بما يليها من تنفيذ ونتائج؛ فالتصريح ليس إنجازاً، والإعلان عن المشروع ليس دليلاً على اكتماله، والوعد لا يصبح حقيقة إلا عندما يتحقق.
إلى السادة المسؤولين، من حق الناس أن يسمعوا منكم ما تنوون فعله، لكنهم ينتظرون اليوم أن يروا ما أنجزتموه بالفعل. فقد تعب المواطن من الوعود التي تتكرر، ومن الكلمات التي تحتمل تفسيرات كثيرة، بينما تبقى مشكلاته اليومية معلقة.
إن المسؤول الناجح ليس من يكثر من الحديث عن خططه، بل من يفي بالتزاماته، ويعترف بالمشكلات، ويصحح الأخطاء، ويقدم نتائج واضحة يستطيع المواطن أن يلمسها. فالمسؤولية لا تنتهي بإعلان المشروع، بل تبدأ فعلياً عند تنفيذه، ولا تكتمل إلا بتحقيق أهدافه، وهذا ما رأيناه من رئيس الوزراء مسرور بارزاني و عد فوفى.
نريد الأفعال لا الأقوال، والنتائج لا الوعود، والإنجازات على أرض الواقع لا التصريحات التي تنتهي بانتهاء المؤتمرات واللقاءات الإعلامية.
كوردستان في منطقة متغيرة
تحمل التحولات في الشرق الأوسط مخاطر وفرصاً في آن واحد، وقد تفتح آفاقاً جديدة أمام التجارة والطاقة والاستثمار. لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب استقراراً سياسياً، وبنية تحتية متطورة، وإدارة كفوءة، وعلاقات متوازنة مع بغداد ودول الجوار.
ولا يمكن تحميل الخارج مسؤولية جميع مشكلاتنا، كما لا يمكن تجاهل تأثير الأزمات الإقليمية في واقعنا. المطلوب هو التعامل مع المتغيرات برؤية بعيدة المدى، وتعزيز قدرة كوردستان على حماية مصالحها وتحويل إمكاناتها إلى تنمية حقيقية، فالموقع الاستراتيجي قد يمنح الإقليم فرصاً مهمة، لكن الاستفادة منها تعتمد على قوة مؤسساته، واستقرار قراراته، وقدرته على توفير بيئة مناسبة للعمل والإنتاج والاستثمار.
المستقبل تصنعه الأفعال
إن أملي في كوردستان نابع من إيماني بقدرات مجتمعها وطاقات ابنائها وما تمتلكه من موارد وإمكانات. لكن الأمل وحده لا يكفي، والإنجازات السابقة، مهما كانت مهمة، لا تعفينا من مسؤولية تطويرها ومعالجة أوجه القصور.
نريد مؤسسات أقوى من المصالح الحزبية، وعلاقة مستقرة بين أربيل وبغداد تقوم على الحقوق والالتزامات الواضحة، واقتصاداً منتجاً، وخدمات مستقرة، وفرصاً عادلة للشباب.
ومن موقعي ككاتب وصحفي ومتابع للشأن الكوردستاني، أرى أن الحرص على مستقبل الإقليم لا يعني الاكتفاء بالإشادة بما تحقق، بل يقتضي أيضاً الحديث بصراحة عما يحتاج إلى إصلاح. فنقد المسؤول ليس نقيضاً للانتماء، بل أحد أشكال الحرص على المجتمع ومستقبله.
إن تقارير مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الدولية تساعدنا على فهم التحديات والتحولات، لكنها لا تستطيع بناء مؤسساتنا نيابة عنا، ولا توفير فرص العمل لابنائنا ولا حل خلافاتنا الداخلية. فهذه مسؤوليتنا جميعاً، حكومةً ومؤسساتٍ وقوى سياسيةً ومجتمعاً.
فالتاريخ لا يقيس المسؤولين بما وعدوا به الناس، بل بما أنجزوه لهم.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام كوردستان اليوم: أن نحمي ما تحقق، ونعترف بما يحتاج إلى إصلاح، ونحوّل الوعود إلى التزامات، والخطط إلى نتائج، والإمكانات إلى فرص حقيقية.
نريد كوردستان قوية بمؤسساتها، عادلة في فرصها، منتجة في اقتصادها، مستقرة في خدماتها، وواثقة بقدرتها على صناعة مستقبلها.
فالمستقبل لا تصنعه الأقوال وحدها، بل تصنعه الأفعال التي يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.

قد يعجبك ايضا
∧