ارتفاع سعر صرف الدولار في العراق.. بين الضرورة المالية وحماية المواطن واستحقاقات الإصلاح الاقتصادي

د. ضياء عبد الخالق المندلاوي

إن تعديل سعر صرف الدولار في العراق يثير نقاشاً واسعاً بشأن طبيعة السياسة الاقتصادية وحدود المعالجات المالية ومسؤولية الدولة في حماية المواطنين من تداعياتها المعيشية. فالتحدي لا يكمن في تعديل سعر الصرف بحد ذاته، بل في إدارة آثاره وربطه بإصلاح اقتصادي متكامل يوازن بين متطلبات المالية العامة وحماية القدرة الشرائية، ولا سيما لدى أصحاب الدخل المحدود.

دخل تعديل سعر الصرف حيز التنفيذ في السابع من تشرين الأول 2026، باعتماد سعر بيع الدولار النقدي للجمهور البالغ 1520 ديناراً، مقابل 1320 ديناراً سابقاً. ويأتي هذا الإجراء في ظل ضغوط مالية واقتصادية تواجه الدولة، ما يستدعي تقييم نتائجه على أساس قدرته على معالجة الاختلالات المالية وتعزيز الاستقرار، لا على حجم الإيرادات الإضافية المتحققة بالدينار وحده، فزيادة الإيرادات الاسمية لا تعني بالضرورة تحسناً في المستوى المعيشي.

وبالنظر إلى اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط واستيراد جانب واسع من احتياجاته، فإن تعديل سعر الصرف قد ينعكس على تكاليف الاستيراد والأسعار والقدرة الشرائية. لذلك، ينبغي أن تترافق السياسة النقدية مع إجراءات تحد من انتقال آثارها إلى الأسواق، وتمنع استغلالها ذريعة لفرض زيادات سعرية غير مبررة.

ويمثل تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية أولوية مهمة للسياسة النقدية. وفي هذا الإطار، أقترح اعتماد مستوى لا يتجاوز 1550 ديناراً للدولار هدفاً رقابياً لمتابعة تطورات السوق، على أن يستند تحقيقه إلى دراسة عوامل العرض والطلب وتوافر العملة الأجنبية، وليس إلى قرارات إدارية مجردة. ويتطلب ذلك تسهيل التحويلات التجارية المشروعة، وتعزيز الرقابة على المصارف وشركات الصرافة، ومكافحة تهريب العملة وغسل الأموال والتلاعب بالفواتير، مع نشر بيانات دورية تعزز الشفافية والثقة بالسوق.

غير أن نجاح السياسة الاقتصادية يُختبر بقدرتها على حماية المواطنين من ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. ومن ثم، تبرز ضرورة تفعيل الرقابة على الأسواق، والتحقق من تكاليف الاستيراد وهوامش الربح، ومكافحة الاحتكار والاستغلال، وتوفير آلية واضحة لتلقي الشكاوى ومتابعتها. ويستوجب ملف الأدوية اهتماماً خاصاً من خلال مراقبة أسعار الأدوية الأساسية والمزمنة والمنقذة للحياة، وضمان توافرها ومنع التلاعب بأسعارها أو كمياتها.

وفي موازاة حماية المستهلك، ينبغي الانتقال من المعالجات المالية الآنية إلى إصلاح بنية الاقتصاد وتنويع مصادر الإيرادات. وتأتي إيرادات المنافذ الحدودية والهيئة العامة للكمارك والهيئة العامة للضرائب في مقدمة الموارد التي تستوجب تطوير التحصيل والرقابة، من خلال توحيد الأنظمة الإلكترونية، وربط البيانات، ومكافحة التهرب والتلاعب بالفواتير، ومراجعة الإعفاءات وفق القانون.

كما يتطلب الإصلاح حصر الإيرادات المستحقة للوزارات والهيئات والمحافظات والشركات العامة، بما يشمل رسوم الخدمات البلدية والعدلية والمرورية والصحية والتعليمية، وإيرادات التسجيل العقاري والشركات، والغرامات والتضمينات، وعوائد العقارات والأراضي والممتلكات الحكومية، وإيرادات الموانئ والمطارات والمرافق السياحية والرياضية.

ويمتد الإصلاح إلى تطوير أداء الشركات العامة والمصارف الحكومية وشركات النقل والتأمين والخطوط الجوية العراقية، ومعالجة الخسائر التشغيلية غير المبررة، وتحسين إدارة الموارد. كما يمثل دعم الصناعة الوطنية، ولا سيما الحديد والصلب والإسمنت والأسمدة والصناعات الكيمياوية، مدخلاً لتنويع الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد. غير أن حماية المنتج المحلي لا تتحقق بمجرد ارتفاع كلفة السلع المستوردة، بل ببناء بيئة إنتاجية تنافسية توفر الجودة والسعر المناسب والطاقة والتمويل والأسواق.

ولتحويل هذه المقترحات إلى نتائج ملموسة، أقترح إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للإيرادات غير النفطية، بإدارة وزارة المالية وبالتنسيق مع الوزارات والمحافظات والجهات الرقابية والشركات العامة. وتُعنى القاعدة بحصر الإيرادات المستحقة والمتحصلة والمتأخرة، وربط البيانات المالية إلكترونياً، وينبغي قياس نتائجها من خلال نسب التحصيل، وحجم المتأخرات، وخفض الهدر، وتحسين الأداء المالي للشركات الحكومية، مع نشر تقارير دورية تخضع للتدقيق والمساءلة.

إن بناء اقتصاد عراقي مستدام يتطلب تكاملاً بين السياسة النقدية والإصلاح المالي والتجاري والإنتاجي، يستند إلى سيادة القانون والشفافية وحسن إدارة الموارد. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بمجرد زيادة الإيرادات أو تعديل سعر الصرف، بل بقدرته على تنويع مصادر الدخل، وتحسين الخدمات، ودعم الإنتاج الوطني، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين. فالمواطن ليس مجرد طرف يتحمل نتائج القرارات الاقتصادية، بل هو الغاية الأساسية للسياسة العامة، ونجاح الإصلاح ينبغي أن يُقاس بأثره الفعلي في حياته وثقته بمؤسسات الدولة.

قد يعجبك ايضا
∧