مام / جلال الطالباني والقضية الثقافية الكردية

خالد بهلوي

في لقاء عام 1993 مع الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا
كان اهتمام المبادرين بلقاء مام / جلال الطالباني مرتبطاً بالرغبة في عرض مشروع ثقافي عليه والاستماع إلى رأيه والاستفادة من خبرته في التعامل مع المؤسسات الكردية.أن اللقاء تناول فكرة إنشاء هيئة للكتّاب الكرد في سوريا، وأن الطالباني أبدى استحسانه للمشروع وشجّع أصحابه على المضي فيه
يتذكر الأخ إبراهيم اليوسف جرى اللقاء خلال إحدى زيارات مام جلال إلى مدينة القامشلي. وكان ضمن المدعوين إلى مأدبة حضرها عدد من الشخصيات الرسمية والثقافية.غير انه عندما لاحظ وجود شخصية أمنية على الطاولة نفسها اعتذر عن الجلوس إليها وكان برفقته اثنان من زملائه ؛ وبعد انتهاء المأدبة وانصراف المدعوين خُصّص له لقاء منفرد مع الطالباني في غرفته.
ويذكر أن هذا اللقاء استغرق نحو نصف ساعة واستثمره لطرح مشروع إنشاء رابطة للكتّاب الكرد في سوريا وشرح الحاجة إلى مؤسسة ثقافية تجمع أصحاب الأقلام وتساعد على تنظيم نشاطهم.
فقد كانت المخاوف الأمنية تؤثر في أبسط أشكال الاجتماع والتواصل حتى عندما يتعلق الأمر بمبادرة ثقافية وتبين ان لقاء مستقل بالطالباني حرص على تقديم المشروع بصورة مباشرة بعيداً عن أجواء المأدبة الرسمية وتعدد الحاضرين.
أما عبد الباقي الحسيني يؤكد أنه التقى بالطالباني مع إبراهيم اليوسف في صيف 1993، وأن هدف اللقاء كان عرض المشروع وطلب المساعدة المعنوية. ووصف أثر كلمات الطالباني بأنه كان كبيراً في تشجيعهما على مواصلة العمل.لم يكن مشروع الرابطة مجرد محاولة لجمع مجموعة من الكتّاب تحت اسم واحد؛ بل كان يستجيب لحاجة أوسع إلى تنظيم الحياة الثقافية الكردية في سوريا.
. جمع الكتّاب والشعراء والصحفيين كان وجود كفاءات أدبية وصحفية كردية في سوريا لا يعني وجود مؤسسة تمثلها أو تتيح لها العمل المشترك. ولذلك سعى المبادرون إلى إيجاد إطار يستطيع أن يجمع المهتمين بالكتابة بالكردية والعربية ويقرّب بين تجاربهم، ويفتح المجال أمام مشاريع ثقافية مشتركة.
لم يكن المشروع معزولاً عن التجارب الكردية الأخرى. فقد أشار عبد الباقي الحسيني إلى أن لقاء الطالباني أعقبه تواصل مع عدد من الكتّاب الكرد العراقيين للاستفادة من تجربتهم في تأسيس اتحاد للكتّاب.
ومن بين هذه اللقاءات لقاء مع الدكتور عزالدين مصطفى رسول الذي كان يرأس اتحاد كتّاب كردستان العراق آنذاك.وتدل هذه الخطوة على أن أصحاب المشروع كانوا يدركون أهمية الاستفادة من التجارب السابقة في بناء المؤسسات بدلاً من الاكتفاء بالحماس الأولي فالتنظيم الثقافي يحتاج إلى معرفة إدارية وآليات للعمل الجماعي وتجربة في إدارة الخلافات وتحديد الأهداف.
كان الدعم المعنوي مهماً في ظروف لم يكن تأسيس هيئة ثقافية مستقلة فيها أمراً سهلاً. فالمبادرة كانت تتطلب استعداداً لتحمل المسؤولية ومواجهة المخاوف وإقناع عدد أكبر من الكتّاب بالمشاركة.
ولهذا اكتسب تشجيع شخصية مثل مام / جلال الطالباني أهمية خاصة بالنسبة إلى المبادرين. للعلم لم يطلب منه أي تمويل مالي فقط الاستحسان والتشجيع المعنوي.
للحقيقة ان تجربة رابطة الكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا مرت بمراحل متعددة وأن الطريق من الاقتناع بالمشروع إلى تثبيت مؤسسة قادرة على الاستمرار كان طويلاً.
ففي شهادته، تحدث إبراهيم اليوسف عن محاولات مبكرة سبقت اللقاء وعن مشاورات مع كتّاب آخرين وعن صعوبات وخلافات حالت دون استقرار بعض المحاولات التنظيمية الأولى.وهذا يعني أن اللقاء مع الطالباني كان محطة ضمن مسار أوسع وليس بالضرورة نقطة انطلاق وحيدة أو تأسيساً رسمياً للرابطة.
شهدت الدعوة إلى إنشاء هيئة للكتّاب الكرد وعقد لقاءات مع مثقفين وشخصيات في إطار مشترك رغم الصعوبات الأمنية والتنظيمية.استمر مشروع التنظيم الثقافي الكردي في سوريا خلال سنوات رغم الصعوبات التي أحاطت به.
وفي شهادته، يبرز عام 2004 بوصفه محطة مهمة في إعادة تنشيط العمل التنظيمي ولا سيما في أعقاب أحداث آذار في المناطق الكردية من سوريا وقد رأى اليوسف في ذلك الوقت حاجة إلى وجود أطر مدنية وثقافية تستطيع التعبير عن قضايا الكتّاب والإعلاميين وتوثيق الانتهاكات التي تطالهم وإصدار المواقف والبيانات باسم هيئة منظمة.
ثم شهد عام 2005 إعلان الرابطة بصورة رسمية وفقاً لروايته واستمر العمل على توسيع العضوية وتطوير النشاط الثقافي والإعلامي. وفي السنوات اللاحقة توسعت دائرة المشاركين وأصبحت الرابطة مساحة للتواصل بين الكتّاب والصحفيين الكرد ونُظّمت نشاطات وأُطلقت جوائز أدبية وثقافية ارتبطت بأسماء وتجارب بارزة في الثقافة الكردية.
من الجدير بالاهتمام أن تطور المؤسسة ارتبط بجهود متراكمة وبمحاولات جماعية من الكتاب والمثقفين لم تخلُ من الصعوبات والخلافات.
نصف ساعة في الذاكرة الثقافية الكردية : قد تبدو مدة اللقاء، التي قدّرها إبراهيم اليوسف بنحو نصف ساعة، قصيرة إذا قيست بعمر المؤسسات الثقافية لكن أهميته لا تكمن في عدد الدقائق بل في الموضوع الذي طُرح خلاله وفي الظروف التي أحاطت بالمبادرة وفي ما يمثله من حلقة ضمن تاريخ طويل من السعي إلى تنظيم الحياة الثقافية الكردية في سوريا.
ومن هنا، فإن القيمة التاريخية للقاء تتمثل في كونه محطة من محطات الحوار حول مستقبل الثقافة الكردية وفي أنه يسلط الضوء على الدور الذي يمكن أن يؤديه التواصل بين السياسيين والمثقفين في تشجيع المبادرات الثقافية من دون أن يحل ذلك محل الجهد التنظيمي والجماعي اللازم لاستمرارها.
ويبقى الدرس الأهم أن المؤسسات الثقافية لا تولد مكتملة إنها تبدأ بفكرة وتكبر بالحوار وتواجه العقبات وتستمر بجهود أجيال من الكتّاب والمثقفين ومن واجب الذاكرة الثقافية الكردية أن تحفظ هذه البدايات وأن توثقها بما يتوافر من شهادات ووثائق وأن تمنح كل مساهم في هذا المسار مكانته التي يستحقها في التاريخ.

قد يعجبك ايضا
∧