نُصُوصٌ قَصِيرة

حكيم نديم الداوودي

«على حافةِ الانتظار»

1

يقفَ المَرءُ على حافةّ المَدّ.. لا ليُحصي المَوج.. بلْ ليقيسَ مسافة الغِياب التي تفصل روحه عن نبضك الدافئ.. هنا على شاطئِ الانتِظار تتحوّل الدقائق إلى حَصى بارد نتقلّب عليه.. وتصبح اللهفة صَدفاً مكسوراً يُخفي صدى صوتك القديم في مسامعنا.. كأنه تّرتيلة أبديّة.. نمدّ أيدينا نحو المَدى الأزرق.. فلا نلمس إلاّ هواءَ مُبللاً بِالملح والوَجد.. ونكتبُ بأصابعِ الحَنين رسائل غرامية على الرمل.. تمحوها المياه خِلسة لتخبئّها في أعماق البحر.. كسرٌ مقّدس لا يقرأه سوى الموج… الانتظار معك ليس عدماً بلْ هو طقسٌ تعشق فيه الروح عزلتها لتعيش بك وفيك. كأننا نغزل من رذاذ الموج خيوطاً نسيجها اللوعة، لنحمي دفء ملامحك من أن يطاله النسيان. النوارس الراحلة تحمل أنفاسنا المشتاقة إليك، والفنار البعيد يغمز للظلمة كأنه خل وفي يضيء عتمة الممرات ليبشرنا بميعاد اللقاء المرتقب. نعلم يقيناً أن الشمس لو رحلت، فإن الحب الذي نبت في شقوق هذا الشاطئ سيظل مشعاً في دمنا، ونوراً خفياً يتحدى عسف الشتاء، ووعداً أبدياً لا يطاله الغروب..

2

«أثرٌ على الرّمل »

لم يكُن الحَنين يوماً مُجرد فكرة، بل هو أثر نتركه خلفنا على رمل الشاطئ الممتد..أنحني في عتمة الغسق وأخطّ بأصابع يملأها الشوق ملامح اسمك.. وأرسم قلباً يجمعنا على رمال دافئة، تبلّلها رَغوة المَوج الهادئ كلّما اقتربَ الليل.؟ كلّ حرفٍ رسمته على هذا الشاطئ هو نبضة قلب تُعاند الغياب.. أعلم أنّ المدّ قادم.. وأنّ المياه ستمحو خِلسة ما كتبته أصابعي.. لكننّي لا أشعرُ بالخوف.. فالموج لا يمحو رسائلنا.. بل يأخذها بعيداً ليّخبئّها في أعماقِ البحر كَسِرٍ مُقدّس.. وينشر عبق عطرنا فوقَ زَبد البحر الأبديّ.. لم يعُد الشّاطئ يتّسع لهفتي.. فامتدّت روحي نحوَ عوالمَ أخرى.. جعلت من النّجوم البعيدة نقاطاً لأحْرفي.. وغزلت من خيوط المَجرات سَديماً يَحرس طيفك في مدارات ِالكون.. هناك، حيثُ لا زَمنٌ ولا مسافات.. تصبح أنفاسنا نيازك دافئة تُضيء عتمة الفضاء.. ويتحول شوقنا إلى جاذبية سِريّة تُحرّك الكواكب حول مَدارك الصّافي..

حتى لو تلاشت الخطوط على الرمل وذهبت مع اليّم.. سيبقى أثر يدك دافئاً في كفي.. وستبقى تفاصيلك منقوشةً في روحي وفي قلب الكون الشاسع.. شمسٌ تشرق في دمي.. وحُبّاً باقياً في أزليّة الفضاء.. لا تطاله يد النَسيْان.. ولا تنطفئ أنواره بِمرورِ الدّهور.

3
« امرأةٌ خلفَ النّافذة »

تقف عندَ الحدّ الفاصل بين عُزلتها والعالم.. امرأةٌ تغزل مِن نظراتها المُمتدّة عبر النافذة خيوطاً مِن عَتبٍ وشوق.. هناك خلفَ الزّجاج الذي يترقرق عليه الضباب.. لا تنظر إلى المارة أو تفاصيل الشارع البارد.. بلْ تقيس مسافة غيابك التي استطالت في قلبِ المدى.. النّافذة بالنسبةِ لها ليستْ إطاراً مِن خشبٍ وحديد.. بل هي بوّابة مُشرعة على غيب الأيام.. تنتظر أنْ يَطّل منه وجهك ليعيدَ ترتيب نبضات الوقت.. تتحسّس بجبينها بُرودة الزجّاج.. بينما أنفاسها الدّافئة ترسم غيمةً صَغيرةً تَخفي وراءها ملامح الأفق الشارد.. في عينيها حكاية تُعاند النسْيَان.. وسؤال ٌصَامتٌ يترد!د في زوايا الغرفة:. هلْ يعلم الغِياب كمْ مِن العمُر يذُوب في اِنتظار خُطوة واحدة؟ لكنّها رَغمَ عتَمة المَمرّات ورغمَ الصّمت المُحيط بها.. تحرس ذلك الضّوء الخّفيّ المُخَبأ في أعماقها.. تعلم يقيناً أنّ خلفَ هذا الزجاج المُبلّل، ثَمةَ فَجر مٌؤجّل ينتظر الانعِتاق.. شروقٌ باقٍ في روحِها.. لا تَطاله يَد المَغِيب.

4
«تراتيل المساء الأزرق»

في غمرةِ السّكون الذي يلّف الوجود،. أقفً متأملاً المدى حيث يلتقي البَحر بالسّماء عند خط الأفق البعيد.. لم يكُن الليل يوماً مجرد عتمة، بل هو مرآة تعكس تفاصيل ملامحك التي حفرها الحنين في زوايا الذاكرة. هنا، والنسيم البارد يداعب روحي، أشعر بأنفاسك تشق طريقها عبر المسافات لتستقر في دمي.. كأنها وعد دافئ يتحدى جفاء الوقت.. نغزل من سكون المساء قصائد صامتة، ونودعها النجوم الراحلة علّها تسقط في ممرات خطوتك المقبلة.. نعلم يقيناً أن المسافات مهما استطالت، فإن الجاذبية السرية التي تجمع أرواحنا تظل أقوى من عسف الغياب، وأبقى من مرور الدهور.. فالحّب الذي يسكننا هو شمسٌ لا تغيب، ونورٌ سرمديّ يُضيء عتمة المدى..

قد يعجبك ايضا
∧