بدل رفو
النمسا
في قلب مدينة “غراتس” النمساوية الساحرة، وبينما كانت عربات الترام تهتز ببطء وتنساب كأنها تختزل جغرافيا العالم في مسارها، وجدتُ نفسي في واحدة من تلك اللحظات الإنسانية النادرة التي لا تُصنع بالترتيب، بل تهديها الحياة بجمال مفاجئ.
كنتُ أجلس حاملاً معي ستةً وستين عاماً من الشغف والترحال عبر بلدان العالم، وقبالتي رحالٌ نمساوي عتيق، تجاوز السابعة والثمانين من عمره، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق شابٍ في العشرين يتهيأ لاكتشاف العالم للتو.
تجاذبنا أطراف الحديث كأننا صديقان التقيا بعد طول غياب، حديث الرحالة للرحالة. أخبرني عن تجاربه، وأسرار العمر الذي يعيشه بكل جوارحه، وكيف أن السفر بالنسبة له ليس مجرد قطع للمسافات، بل هو الهواء الذي يتنفسه. وبكل حب وحماس، روى لي كيف اشترى مؤخراً عُدة رحلة جديدة يستعد لخوضها قريباً مع زوجته. كان حديثه يقطر أملًا، يثبت لي من جديد أن شغف الاستكشاف لا يشيخ أبداً.
وكان رفقتي صديقٌ يتابع هذا الحوار المليء بالدفء. وفجأة، صمت الرحال النمساوي لحظة، ثم نظر إليّ بتقدير وقال:
بعيداً عن الرحلات… لديك لغة جميلة، فكم لغة تتحدث؟
ابتسمتُ وقلت له بساطة:
أتحدث عدة لغات.
وشاءت المصادفة في تلك اللحظة بالذات، أن يمر بنا صديق هندي من إقليم البنجاب يدعى سنغ، فسلّم عليّ، فرددتُ عليه باللغة الهندية مباشرة. لم يستوعب الرحال النمساوي السرعة والمفاجأة، فانطلق في ضحكة دافئة من قلبه وقال بإعجاب:
الآن أدركت… لا أظن أنك تواجه أي مشكلة مع اللغات خلال رحلاتك في هذا العالم!
استمرت أحاديثنا الشيقة تتنقل بين المحطات والذكريات، وفي غفلة من السحر الذي أحيط بنا، كانت عدسة صديقي الفنان جابر علو تقتنص اللحظة دون أن نشعر. تفاجأتُ لاحقاً بتلك الصورة الجذابة التي التقاطها، صورة تختصر حوار الأجيال، وشغف الترحال، والروح التي لا تحُدّها حدود ولا تمنعها سنوات .