د. عصام البرّام
لم يعد المشهد الإعلامي المعاصر حكراً على المؤسسات التقليدية التي كانت تمتلك أدوات الإنتاج والنشر وتحدد إلى حد كبير طبيعة الرسائل التي تصل إلى الجمهور. فقد أحدث التحول الرقمي تغييراً واسعاً في مفهوم الإعلام، وأصبح الهاتف المحمول قادراً على تحويل أي مستخدم إلى منتج للمحتوى وناشر له خلال دقائق. وفي قلب هذا التحول يبرز الشباب العراقي بوصفه فئة حاضرة بقوة في الفضاء الرقمي، تمتلك أدوات التواصل الحديثة وتستخدمها في التعبير عن الأفكار والتجارب والمواقف، وفي صناعة محتوى يتنوع بين الثقافة والترفيه والأخبار والمعرفة والحياة اليومية.
إن حضور الشباب العراقي في مجال صناعة المحتوى لا يمثل مجرد انتقال من وسيلة إعلامية إلى أخرى، بل يعكس تغيراً في طبيعة العلاقة بين الفرد والإعلام. فالشاب لم يعد ينتظر الرسالة الإعلامية لكي يتلقاها، وإنما أصبح قادراً على إنتاجها وتعديلها وإعادة نشرها والتفاعل معها. ومع اتساع انتشار المنصات الرقمية، ظهرت تجارب شبابية تحاول تقديم محتوى يعبر عن البيئة العراقية بلهجاتها وتنوعها الثقافي والاجتماعي، ويقدم صوراً مختلفة عن الحياة اليومية بعيداً عن القوالب الإعلامية التقليدية.
وتكتسب هذه الظاهرة أهميتها من كونها تفتح المجال أمام أصوات جديدة لم تكن تجد دائماً طريقها إلى وسائل الإعلام التقليدية. فالشاب الذي يمتلك فكرة أو تجربة أو موهبة يستطيع اليوم أن يصل إلى جمهور واسع من دون أن يكون مرتبطاً بالضرورة بمؤسسة إعلامية كبيرة. إلا أن هذا الانفتاح، في الوقت نفسه، يضع صناعة المحتوى أمام أسئلة تتعلق بالمهنية والمصداقية والمسؤولية، لأن سهولة النشر لا تعني بالضرورة جودة ما ينشر، ولا تعني أن كل ما ينتشر يمتلك قيمة إعلامية أو معرفية.
جيل رقمي يعيد تشكيل المشهد الإعلامي
نشأ قطاع واسع من الشباب العراقي في بيئة أصبحت فيها التكنولوجيا جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. ولذلك فإن استخدام المنصات الرقمية بالنسبة إلى كثير منهم لا يمثل تجربة جديدة أو طارئة، بل هو امتداد طبيعي لطرق التواصل والتعبير التي اعتادوا عليها. وقد انعكس ذلك على طبيعة المحتوى الذي ينتجونه، حيث ظهرت مقاطع الفيديو القصيرة، والمدونات الرقمية، والبودكاست، والصفحات المتخصصة، والمحتوى الثقافي والتعليمي والترفيهي.
ويتميز المحتوى الشبابي بقدرته على الاقتراب من التفاصيل اليومية التي قد لا تحظى دائماً بمساحة واسعة في الإعلام التقليدي. فالشارع العراقي، والمقهى، والجامعة، والموسيقى، والرياضة، والكتب، والمهن الجديدة، والتجارب الشخصية، كلها يمكن أن تتحول إلى موضوعات إعلامية عندما يتناولها الشباب من زاويتهم الخاصة. وهذا يمنح المشهد الإعلامي تنوعاً أكبر، ويتيح ظهور صور متعددة للمجتمع العراقي.
كما أن بعض صناع المحتوى الشباب يتعاملون مع المنصات الرقمية باعتبارها مجالاً للمشروع الشخصي، وليس مجرد وسيلة للتعبير. فقد أصبح بالإمكان بناء جمهور متخصص حول موضوع محدد، سواء كان ثقافياً أو تعليمياً أو تقنياً أو فنياً. ومع الوقت يمكن أن يتحول هذا النشاط إلى مهنة قائمة على إنتاج المحتوى وإدارته وتسويقه.
غير أن هذا التطور يفرض على الشباب مسؤولية متزايدة. فصانع المحتوى لا يعمل في فراغ، وإنما يتوجه إلى جمهور قد يتأثر بما يقدمه. وكلما اتسعت دائرة المتابعين، أصبحت الحاجة أكبر إلى التحقق من المعلومات، واحترام الخصوصية، وتجنب التضليل، والتمييز بين الرأي والمعلومة، وعدم تقديم الشائعات على أنها حقائق.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الشباب، بحيث لا تقتصر مهاراتهم على التصوير والمونتاج واستخدام المنصات، وإنما تشمل أيضاً فهم طبيعة الرسالة الإعلامية وتأثيرها في المجتمع.
بين سرعة الانتشار ومسؤولية الكلمة
تمنح البيئة الرقمية المحتوى سرعة انتشار لم تكن متاحة في الإعلام التقليدي. فقد يصل مقطع صوره شاب بهاتفه إلى عدد كبير من المستخدمين خلال فترة قصيرة، وقد تتحول فكرة بسيطة إلى موضوع للنقاش العام. وهذه السرعة تمنح الشباب قدرة واضحة على صناعة الاهتمام حول قضايا معينة، لكنها في المقابل تجعل الخطأ أكثر خطورة، لأن المعلومة غير الدقيقة يمكن أن تنتشر بالسرعة نفسها.
وهنا تظهر إحدى أهم المشكلات التي تواجه صناعة المحتوى الشبابي، وهي الخلط بين الجاذبية والمهنية. فبعض المحتويات قد تعتمد على الإثارة أو العنوان المبالغ فيه بهدف زيادة المشاهدات، بينما تتراجع قيمة المعلومة نفسها. ومع استمرار المنافسة على جذب الجمهور، يصبح صانع المحتوى أمام اختبار دائم بين الرغبة في الوصول إلى أكبر عدد من المتابعين وبين المحافظة على جودة ما يقدمه.
ولا يعني ذلك أن المحتوى الترفيهي يفتقر إلى القيمة، فالترفيه جزء أساسي من الحياة الإعلامية، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح جذب الانتباه غاية منفصلة عن أي مسؤولية اجتماعية أو مهنية. إن صناعة المحتوى يمكن أن تجمع بين المتعة والفائدة، وبين البساطة والعمق، وبين سرعة الوصول واحترام عقل المتلقي.
كما أن بعض الموضوعات تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر، خصوصاً عندما تتعلق بخصوصية الأفراد أو بالأحداث الحساسة أو بالمعلومات غير المؤكدة. وقد يؤدي نشر صورة أو مقطع دون سياق إلى تكوين انطباع خاطئ لدى الجمهور. ولذلك فإن امتلاك أدوات النشر ينبغي أن يرافقه وعي بأخلاقيات استخدام هذه الأدوات.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الإعلام التقليدي وصناع المحتوى الشباب قائمة على التنافس وحده. فالمؤسسات الإعلامية يمكن أن تستفيد من الطاقة الإبداعية التي يمتلكها الشباب، بينما يستطيع صانع المحتوى الاستفادة من الخبرة المهنية في التحرير والتحقق وإدارة المعلومات. ويمكن لهذا التعاون أن ينتج أشكالاً جديدة من العمل الإعلامي تجمع بين المهنية التي راكمتها المؤسسات والمرونة التي تميز الإعلام الرقمي.
نحو صناعة محتوى أكثر تأثيراً
يمتلك الشباب العراقي فرصة حقيقية للمساهمة في إعادة تشكيل صورة المجتمع في الفضاء الإعلامي. فالعراق ليس مجرد مجموعة من الأخبار السياسية أو الأحداث الأمنية، وإنما بلد غني بالتنوع الثقافي والاجتماعي والتاريخي. ومن خلال المحتوى الشبابي يمكن تقديم جوانب مختلفة من الحياة العراقية، وإبراز المواهب والمبادرات والتجارب الثقافية والفنية والعلمية التي قد لا تصل إلى الجمهور بالوسائل التقليدية.
وتبرز هنا أهمية المحتوى الثقافي والمعرفي، لأن المنصات الرقمية يمكن أن تتحول إلى مساحة لنشر القراءة والنقد والفنون والتاريخ والعلوم، بطريقة قريبة من الأجيال الجديدة. كما يمكن للشباب استخدام الأدوات الرقمية لتوثيق الذاكرة المحلية، والتعريف بالمدن والمواقع التراثية، وإبراز اللهجات والحرف والموسيقى والعادات الاجتماعية، بما يسهم في حفظ أجزاء من الهوية العراقية في ظل التحولات المتسارعة.
ويحتاج هذا الدور إلى بيئة داعمة توفر للشباب فرص التدريب والتطوير، وتساعدهم على اكتساب مهارات التحقق من المعلومات والكتابة والتصوير والإخراج وإدارة المنصات. كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في نشر الوعي الإعلامي، بحيث يصبح الشباب أكثر قدرة على إنتاج محتوى يجمع بين الإبداع والمسؤولية.
إن مستقبل الإعلام العراقي لن يتشكل داخل غرف الأخبار وحدها، بل سيتوزع على فضاءات متعددة، سيكون للشباب حضور أساسي فيها. وقد أصبح المتلقي اليوم شريكاً في صناعة الرسالة، يعلق ويشارك ويعيد إنتاج المحتوى ويمنحه سياقات جديدة. ولذلك فإن قوة الإعلام لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك الوسيلة، وإنما بالقدرة على بناء الثقة مع الجمهور.
لذا، يمثل الشباب العراقي أحد أهم العناصر الجديدة في المشهد الإعلامي الرقمي. فهم لا يستهلكون المحتوى فقط، بل ينتجونه ويعيدون تشكيله ويمنحونه لغة جديدة قريبة من تحولات المجتمع. وبين الإمكانات الكبيرة التي توفرها التكنولوجيا والمخاطر التي ترافق سرعة النشر، تتحدد مسؤولية الجيل الجديد من صناع المحتوى في تحويل الفضاء الرقمي إلى مجال للإبداع والمعرفة والحوار.
فالكاميرا التي يحملها الشاب ليست مجرد جهاز للتصوير، والهاتف ليس مجرد وسيلة للنشر، بل يمكن أن يكونا أداتين لصناعة الوعي وتوثيق الحياة وإيصال الأصوات التي تبحث عن مساحة في المشهد العام. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد المشاهدات وحده، وإنما في نوع الأثر الذي يتركه المحتوى في المتلقي، وفي قدرته على تقديم صورة أكثر تنوعاً وصدقاً عن العراق وشبابه وحياته المتغيرة.