الباحث الحقوقي: رنج باراوي
قراءة تاريخية، قانونية وأكاديمية في ملف فدرلة الجامعات في المناطق الكوردستانية (الاعتراف الفدرالي بملف جامعة گەرمیان وعمقها التاريخي في خانقين نموذجاً)
المقدمة الصحفية:
“من نضال الطلبة الميداني واعتصامهم لمدة (۲۸) يوماً، وصولاً إلى المكاسب الدستورية والفدرالية؛ يسلط مقال تحليلي جديد الضوء على الأبعاد التاريخية والقانونية لملف الاعتراف الفدرالي بجامعة گەرمیان ومكانة خانقين العريقة، مع طرح عدة مقترحات استراتيجية لسد الفراغات الإدارية والتشريعية.”
في تاريخ أي أمة، يُعد ظهور مراكز العلم والوعي ثمرةً لجهود ومساعي أولئك الأفراد والأجيال الذين آمنوا بدور العلم في حماية الهوية والتقدم. وفي منطقة گەرمیان وخانقين، كان نشوء مؤسسات التعليم العالي صرورة تاريخية مستمرة؛ حيث تعود بدايات هذه الخطوة إلى وضع حجر الأساس لعدة كليات في قضائي خانقين وكلار على أيدي نخبة من الشخصيات الأكاديمية. وفي تلك المرحلة التأسيسية، قاد البروفيسور (د. بهروز جاف) بوصفه أول عميدٍ لهذه المسيرة، ووضع اللبنات الأساسية لتلك الكليات التي أصبحت في المسار الإداري لاحقاً النواة الرئيسية لظهور الصروح العلمية في المنطقة.
ومن الناحية الإدارية والتاريخية، تُعد العلاقة بين مكانة خانقين التاريخية وجامعة گەرمیان علاقة تكاملية وعميقة؛ فقد ظلت خانقين رمزاً عريقاً وعموداً فقرعياً للتاريخ التعليمي العالي في المناطق الكوردستانية، بينما نمت جامعة گەرمیان كامتدادٍ وعمقٍ أكاديمي لهذا الإقليم. ولم يكن هذا الإنجاز التاريخي مجرد إجراء إداري عادي، بل جاء ثمرةً لنضال ميداني خاضه الطلبة والتدريسيون؛ فعندما واجهت الحقوق الأكاديمية عراقيل شتى، نظم الطلبة فعاليات احتجاجية مختلفة، وفي محطة نضالية بارزة، دخلوا في اعتصام مفتوح لمدة (٢٨ يوماً) بهدف الذود عن استقلالية المركز ومكانته العلمية.
وفي هذا السياق، أسهمت شخصيات فاعلة، من بينهم (حسين إبراهيم) ممثل اتحاد طلبة وشبيبة كوردستان فرع خانقين، في دعم تلك المطالب في خانقین. وفي ادارة المستقلة گرمیان كما كان لدور الأكاديميين الفضل الأكبر في حفظ التوازن العلمي، ومنهم أ.د. (هوشمند علي) بوصفه أول رئيس لقسم القانون، والذي بذل جهوداً حثيثة لتنظيم أعمال الدورة الأولى لدراسات العلیا في القانون بالجامعة.
البعد القانوني والرسمي للملف:
هذا التاريخ المفعم بالنضال الميداني والأكاديمي، تطلب في مرحلته الثانية أن يجد صداه الإداري والدستوري. فقد جرت عملية إعادة التنظيم الفدرالي والاعتراف استناداً إلى دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥، وتحديداً المادة (١٣) الخاصة بسمو الدستور، والمادة (١١٤) المتعلقة بالصلاحيات المشتركة والتنمية التربوية. وبناءً على ذلك، انطلقت الخطوة الرسمية استناداً إلى المخاطبة الرسمية للبرلمان العراقي وقرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية ذي العدد (٨٥٤) في (٢٠٢٣/٩/٢٧)، والذي تمخض عن عقد اجتماع مشترک بين لجنة التعليم العالي النيابية، ووزارة التعليم العالي الاتحادية، ووزارة التعليم العالي في الإقليم.
وفي ذلك المحضر، أدى البرلمانيون وممثلو دائرة خانقين وگەرمیان (ومنهم النائب جنان حاجي رسول) دوراً بارزاً في التأكيد على ملف الجامعة (الذي أُشير إليه في الوثائق الرسمية باسم “جامعة خانقين”). وقد صُدِّق هذا الاتفاق بتوقيع الشخصيات الرسمية، وهم: د. عادل الركابي (رئيس لجنة التعليم العالي النيابية)، د. حيدر عبد ضهد (وكيل وزارة التعليم العالي)، ود. أمانج عبدالله سعيد (مستشار وزارة التعليم العالي في حكومة الإقليم). كما جديراً بالثناء المتابعة الحثيثة التي أبدتها النائبة (نازك أحمد) في المراحل الختامية للملف واعلنت اعتراف الحكومة الفیدرالیة بجامعة گرمیان واستحداث جامعة خانقین الیوم المصادف (٢٧/٩/٢٠٢٦) .
أما فيما يخص مسألة الاعتراف الرسمي؛ فوفقاً لنص الاتفاق، اعتُبر الكيان الأكاديمي المذكور وحدة مستقلة. وإدارياً وقانونياً، وبحسب بنود الاتفاق، يُنظم جزء من الإدارة في ذلك الإطار الفدرالي بما يتماشى مع قانون وزارة التعليم العالي الاتحادية (رقم ٨٨ لسنة ١٩٨٨). وبخصوص مصير التدريسيين والموظفين، ونظراً لأن تطبيق هذا القرار تطلب تنسيقاً إدارياً، فقد حُفظت ملاكات الموظفين والتدريسيين في إطار التوازن بين الطرفين لضمان استمرارية حقوقهم المالية والإدارية. وفي ظل المتابعة المستمرة وخلال فترة رئاسة (أ.د. أراس فریق زينل)، بلغ ملف الاعتراف الفدرالي مرحلته الحاسمة.
مقترحات لسد الفراغات القانونية والإدارية (البعد الواقعي):
ضماناً لاستدامة هذا الإنجاز وتجاوز العقبات السياسية والإدارية بين المركز والإقليم، يُصار إلى تحديد النقاط الآتية:
١. سد الفراغ التشريعي: اقتراح مشروع قانون خاص عبر البرلمان العراقي لتوحيد والاعتراف الرسمي بهذا الكيان الأكاديمي، بغية تلافي أي عقبات قانونية محتملة في المستقبل.
٢. معالجة عملية للملاكات والموازنة: مراعاةً للفوارق الإدارية بين الحكومتين، ينبغي وضع آلية مرنة بناءً على قانون الموازنة لتأمين المستحقات المالية وحفظ الاستقلال المالي للجامعة بمنأى عن تقلبات الصراعات السياسية.
٣. المعادلة المهنية والنقابية: العمل من خلال لجنة وزارية مشتركة لضمان معاملة خريجي هذه الجامعة بذات الشروط والأكواد الرسمية في سائر النقابات المهنية في العراق والإقليم.
٤. تأسيس منصة للحوار الفدرالي والدستوري: بصفتي حاملاً لشهادة الدراسات العليا من جامعة گەرمیان، أقترح تأسيس منتدى علمي سنوي للباحثين القانونيين والأكاديميين بين الجامعة ومراكز صنع القرار في بغداد و(اربیل) هولير، بهدف تقديم استشارات استراتيجية لمعالجة المشاكل المشتركة.
٥. تعزيز الدبلوماسية الأكاديمية والتعايش الثقافي: يمكن اتخاذ الاعتراف الفدرالي فرصة لربط الجامعة بشبكة الجامعات العراقية والإقليمية عبر إجراء بحوث مشتركة، وتبادل الطلبة والتدريسيين، وتحويل هذا الصرح العلمي إلى جسر للدبلوماسية الثقافية والتعايش بين مكونات المنطقة.
تهنئة وخاتمة:
في الختام، أزكى آيات التهاني والتبريكات إلى التدريسيين والطلبة والموظفين وعموم أهالي گەرمیان وخانقين الأوفياء والمكافحين بمناسبة تحقيق هذا الإنجاز الكبير والتاريخي. إن هذا التحول القانوني والإداري يُعد جزاءً عادلاً لتلك الأرض المعطاءة، وتخليداً لتضحيات أولئك الطلبة الذين صانوا قلعة العلم تحت خيام الاعتصام، وتقديراً لكل من وضع اللبنة العلمية الأولى منذ اليوم الأصح ليغدو صرحاً يرفل بالفخر والتطور المستمر. كما اوجه شكر الخاص للاستاذة نادیة حسیب مسؤولة وحدة التعلیم العالي انذاك في جامعة گرمیان بمابذلت العنایة الفائقة لي ولزملائي وزمیلاتي في دراسة التعلیم العالي في اختصاص القانون. نأمل أن تكون هذه المحطة منطلقاً لمزيد من الخطوات الأكاديمية والازدهار العلمي المستدام في المنطقة.
المصادر:
١.دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥:
ٲ: المادة (١٣) بشأن سمو الدستور.
ب: المادة (١١٤) بشأن الصلاحيات المشتركة في مجالي التربية والتنمية.
٢.وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية / مجلس النواب العراقي:
الكتاب الرسمي ومحضر الاجتماع المشترك ذو العدد (٨٥٤) بتاريخ ٢٠٢٣/٩/٢٧، بتوقيع (د. عادل الركابي، د. حيدر عبد ضهد، ود. أمانج عبدالله سعيد).
١. القوانين الإدارية النافذة:
قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقي (رقم ٨٨ لسنة ١٩٨٨).