د . صباح ايليا القس
يقول التبريزي في مقدمة شرح معلقة لبيد ( ثم تحوّل الى وصف نفسه وما فيها من هدوء
واضطراب , ووصف لهوه وشربه الخمر وبطشه وسرعة جواده وكرمه وانتهى بمدح قومه والفخر بكرمهم وأمانتهم ) .
ويقول متحدثا عن المعلقة ( لم ينظمها لأمر او لحادثة وانما نظمها بدافع نفسي , فمثل بها في تصويره اخلاقه والحياة البدوية الساذجة والبدوي الأبي النفس العالي الهمة ) .
يعطينا النص الثاني يقينا انه لم ينظمها لسبب يتعلق بالقبيلة او طمعا في مال او جاه انما نظمها لأمر يخصه شخصيا وهذا الامر يعلنه صراحة وهو حبه لـ ( نوّار ) صاحبته التي غدرت به كما
في قوله :
أوَلـــم تكـــن تــدري نـــوَار بأننــــي وصّــــال عقـــد حبائــــل جدَّالُهــــــا
تـــرّاك أمكنــــة اذا لــــم أرضهــــــا او يعتلــق بعــضَ النفــوس حمامُهـــا
تظهر ( الانا ) الثائرة الغاضبة من فعل ( نوّار ) الغادرة التي تشير المصادر الى انها تركته ورحلت صحبة قومها وهذا ما ادى الى نفوره منها وصعود ( اناه ) الذاتية الى مستوى التفرد والغرور دفاعا عن الذات المكسورة الى اثارت حفيظتها ( نوار ) الراحلة راغمة منصاعة الى اهلها مبعثرة احلام حبيبها التي ربما تعاهدت معه على الوفاء ..
من هنا يبدأ فكر الاستعاضة عن الذات المقهورة ( الانا ) بأستعمال صيغ المبالغة فخرا واقتدارا فاذا قلنا ان الابتداء بالسؤال الاستفهامي الذي يدل على معنى الانكار ليأتي جواب المبالغة ردّا قويا على صوت الاستفهام القهري فالذات ( الانا ) المقهورة هي التي تسأل وهي التي تجيب وهي تعرف ان الانكار لا ينفع معه الا الجواب المتسلط بقوة المبالغة ( وصّال ) فهو بأمره وقدرته من يصل الحبائل وهو القادر على جدلها والذي يستطيع وصل الحبائل وجدالها لا تثنه وقائع الحب الغادر , فأذا تركنا الوصل والجدل نراه يسعى الى مغادرة المكان الذي وصفه في مقدمة القصيدة ضمن مطلعها الطلليالذي يقول :
عفـــت الديـــار محلهـــا فمقامهـــا بمنـــىًتأبـــدّ غولهـــــا فرجامُهــــــا
وبعد عدة ابيات في وصف الاطلال يصل الى خطاب الحبيبة فيقول :
بـــل مـا تذكّـــر مـــن نـــوار وقــد نـــأتْ وتقطّعـــــتْ اسبابُهـــــــا ورمامهـــــــا
يتوضح من البيت إن نوّار قد نأت وتقطعت اسبابها بمعنى ان ليس هناك من وسيلة لمعرفة مسارها أو ادراك اثرها او معرفة شيء عنها لاحقا ..
لا بد لمثل هذه العلاقة التي تنقطع دون سابق انذار من آثار تفرضها فرديته العاشقة على مثل هذه الواقعة لان ( اناه ) الذكورية المستفزة تبحث عن سبب او تعليل وليس هناك من سبيل إلا التعويض بمفردات اخرى التي منها الشعر فهو المتنفس الاكيد والوسيلة المستعدة لاعادة توازن ( الانا ) المكسورة عن طريق التكابر والتباهي بالامكانات المتاحة مثل البطولة والشجاعة والحكمة بما يميز هذه ( الانا ) عن الآخرين فحينما يعجز الاخرون عن الفعل او اتخاذ القرار اللازم والفوري نراه يعتمد على صيغ المبالغة توكيدا للانتصار وإبعادا للانكسار الذي جاء مفروضا ومن طرف واحد وهذا ما يكون أثره أشد وقعا ..
وعندما رأى لبيد ان ما قاله لم يشبع قلقه وعنفوانه وان ردّه بالمبالغة لم يكن شافيا عمد الى فلسفة الاستهجان والتناسي واللهو والانصراف الى الخمرة لتصعيد ( اناه ) امام مجموعة الشاربين لذلك يخاطب نوّار بقوله :
بــــل أنـــتِ لا تدريـــن كــم مـــن ليلـــة طلــــــق لذيـــــــذ لهوهــــــا وندامهــــا
نستطيع ان نفهم من هذا البيت على مستويين الاول هو تجاوز ما تركته نوّار من أثر في ذاته ( اناه ) ويكون الرد بالتجاهل اما الثاني فهو الرد القهري االذي يعني الانصراف الى الشراب وجلسات الشراب التي بوساطتها يستطيع السيطرة على ( اناه ) المتأججة المجروحة مستعينا باصحابه وندمائه وسهرات الليالي حتى ميعاد الصبوح عسى ان تعيد ( اناه ) توازنها المطلوب .
///////////