د. جيهان علو
باحثة في الشأن الكوردي و الإيراني
ليست كل الأفراح التي يبحث عنها الشعوب تولد من انتصار سياسي،. أحياناً يكفي أن يركض أحد عشر لاعباً خلف كرة في مستطيل أخضر، وأن يهتف آلاف الناس باسم مدينة، حتى يشعر شعب بأكمله، ولو للحظات، أن شيئاً من كرامته التي أثقلتها السياسة قد عاد إليه. لهذا، فإن آمد سبور وزاخو سبور ليسا مجرد ناديين في خارطة كرة القدم الكوردية؛ فهما، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشعب الكوردي، فرحة تشبه التعويض، ومواساة تشبه البلسم، ومساحة نادرة لاستعادة الإحساس الجماعي بالانتماء والانتصار. ففي حياة شعب عرف الحروب والقمع والتهجير والمجازر ومحاولات طمس الهوية، تصبح لحظة رياضية ناجحة أكثر من مجرد نتيجة على لوحة الملعب؛ تتحول إلى لحظة فرح جماعي يشعر فيها الكوردي أنه ما زال قادراً على الاحتفال باسمه ومدينته وهويته. إذ هنا تبدأ حكاية آمد هذه المدينة الجاثمة على ضفاف نهر دجلة والمحاطة بأسوارها البازلتية السوداء (Sûra Amedê)، بوصفها واحدة من أقدم الحواضر المأهولة في التاريخ، و شاهدة على آلاف السنين من التحولات التي شهدتها ميزوبوتاميا. لكن قيمة آمد لا تختصرها حجارتها القديمة ولا أسوارها التاريخية؛ فالمدينة بالنسبة إلى الكورد ليست مجرد جغرافيا، وإنما ذاكرة وهوية ووجدان واسم يختصر علاقة عميقة بين الإنسان والأرض. وحين يظهر اسم آمد سبور في الملعب، فإن هذا الاسم لا يصل إلى آذان الجماهير باعتباره اسماً لنادٍ رياضي فحسب، بل باعتباره امتداداً لمدينة تحمل ذاكرة شعب كامل. ولهذا تحديداً يصبح المستطيل الأخضر أكثر من مساحة للمنافسة؛و يصبح مكاناً يستطيع فيه الكوردي أن يقول، ببساطة شديدة: هذه مدينتي، وهذا اسمي، وهذه فرحتي هذه أرض شيخ سعيد پيران. ربما لهذا تبدو انتصارات آمد سبور أكبر من أرقامها في جدول الدوري. فحين يتصدر الفريق، وحين يتقدم في المنافسات على أندية شهيرة ك باشكتاش، وحين تمتلئ المدرجات بأصوات الجماهير، لا يحتفل الناس بكرة القدم وحدها؛ بل يحتفلون بشيء أعمق: بقدرتهم على الفرح باسمهم وهويتهم دون إذن من أحد. وهنا تكمن حساسية المشهد. فقد تعرض آمد سبور وجماهيره، في مناسبات مختلفة، لعقوبات وتضييقات وهجمات ذات طابع قومي وسياسي، فيما تحولت تسمية النادي إلى موضع صراع يتجاوز الرياضة. فالإصرار على استبدال اسم آمد باسم ديار بكر لا يراه أنصار النادي مجرد اختلاف لغوي أو إداري، لأن الاسم بالنسبة إليهم يحمل ذاكرة المدينة ومكانتها في الوجدان الكوردي. وحين يصبح اسم مدينة سبباً للغضب،وحين تتحول راية
نادٍ إلى مصدر توتر، وحين يعاقب الجمهور على هتافه، يصبح من الصعب القول إن ما يحدث يتعلق بكرة القدم وحدها. ولعل المشهد الأكثر قسوة هو حين يصل التضييق إلى الأطفال.و أن يصل لطفل كوردي ك روهان سيفو و يتعرض حسابه الرقمي للإغلاق لمجرد أنه غنى بحماس لناديه، يكشف أن المشكلة لا تكمن في الكرة، بل في المعنى الذي تحمله هذه الكرة عندما تصبح وسيلة طبيعية للتعبير عن الهوية. فالطفل لا يكتب بياناً سياسياً، ولا يحمل مشروعاً أيديولوجياً؛ هو فقط يغني لنادٍ يحبه. لكن حتى هذه البراءة يمكن أن تصبح، في بيئة شديدة الحساسية تجاه الهوية، فعلاً يستدعي التضييق. وفي الجهة الأخرى من كوردستان، من آمد إلى زاخو، تتكرر الحكاية بصورة مختلفة. فزاخو سبور ليس مجرد فريق آخر في ذاكرة الكورد الرياضية. زاخو نفسها مدينة تحمل موقعاً خاصاً في الوجدان الكوردستاني، والنادي بالنسبة إلى جماهيره مساحة أخرى من مساحات الفرح الجماعي. وبينما تحمل آمد ذاكرة مدينة كوردية عريقة في باكور كوردستان، تحمل زاخو جزءاً من فرح باشور كوردستان؛ وفي الحالتين، تصبح كرة القدم لغة بسيطة يستطيع من خلالها الناس أن يجتمعوا حول شيء يحبونه دون الحاجة إلى خطابات طويلة. وهنا تحديداً يمكن فهم العلاقة العاطفية التي نشأت بين الكورد وهذه الأندية. فقد سرقت السياسة من الكورد الكثير من الأفراح. سرقت منهم مدناً، وأسماء، وبيوتاً، وأحباء، وأوقاتاً كان يمكن أن تكون عادية مثل حياة أي شعب آخر. ولذلك عندما ينتصر آمد، أو يفوز زاخو، أو يهتف الجمهور باسم مدينته، فإن الفرحة لا تتناسب دائماً مع حجم المباراة؛ لأنها تحمل في داخلها تراكم سنوات طويلة من الحرمان. قد تبدو فرحة مشجع بهدف في الدقيقة الأخيرة بسيطة لمن ينظر إليها من خارج المشهد، لكنها بالنسبة إلى شخص يحمل في ذاكرته تاريخاً ثقيلاً قد تكون لحظة تنفس. الكورد لا يفرحون بالكرة وحدها؛ أحياناً يفرحون لأنهم وجدوا شيئاً لم تستطع السياسة أن تنتزعه منهم. وهذا هو المعنى الأعمق لآمد وزاخو. إذ لا يعوضان شعباً عن حقوقه، ولا يمكن لكرة القدم أن تحل محل العدالة أو الحرية أو الاعتراف بالهوية. لكنهما يمنحان الناس شيئاً إنسانياً شديد الأهمية: القدرة على الفرح معاً. وهذا بحد ذاته ليس أمراً صغيراً. في مدرجات آمد، وفي شوارع زاخو، يصبح المشجع جزءاً من جماعة أكبر منه؛ يهتف مع آلاف الأشخاص، يرى اسم مدينته أمامه، ويشعر أن هويته ليست سراً ينبغي إخفاؤه. وفي لحظة الهدف، تتوقف كل الخلافات الصغيرة، ويتحول الجمهور إلى صوت واحد. ربما لهذا السبب لا تستطيع العقوبات المالية، ولا منع الجماهير، ولا التضييق الإداري أن تلغي العلاقة بين النادي وجمهوره. فالروابط التي تتشكل حول الذاكرة والهوية لا تُدار بقرارات إدارية. آمد سبور وزاخو سبور يعوضان الكورد عن شيء من الأفراح التي غابت طويلاً. يعيدان إلى الطفل حقه في أن يهتف، وإلى الأب حقه في أن يصطحب أبناءه إلى الملعب، وإلى المدينة حقها في أن تسمع اسمها، وإلى الجمهور حقه في أن يفرح بانتصار دون أن يشعر أن فرحته جريمة. لهذا لا ينبغي النظر إلى كرة القدم الكوردية باعتبارها مجرد نشاط رياضي منفصل عن المجتمع. ففي بعض المجتمعات، تصبح الرياضة مرآة للهوية، وفي المجتمع الكوردي تحديداً يمكن أن تتحول بعض الأندية إلى حامل للذاكرة الجمعية ومساحات للتعبير السلمي عن الانتماء. وحين يلتقي اسم آمد باسم زاخو في وجدان المشجع الكوردي، فإن المسافة الجغرافية بين المدينتين تتراجع أمام شعور واحد: أن هناك أشياء لا تزال قادرة على جمع الكورد، وأن هناك أفراحاً صغيرة تستطيع أن تداوي، ولو مؤقتاً، جراحاً أكبر بكثير من ملعب. لهذا أرى في آمد سبور وزاخو سبور أكثر من ناديين. أراهما مساحتين للفرح الكوردي؛ فرحاً لا يطلب الإذن، ولا يحتاج إلى اعتراف من أحد، ولا يتوقف على حدود رسمتها السياسة. فربما لم يستطع الكوردي أن يختار دائماً شكل تاريخه السياسي، لكنه يستطيع، ولو تسعين دقيقة، أن يختار أن يفرح. وحين يهتز الملعب باسم آمد، أو يعلو صوت الجماهير في زاخو، فإن ذلك الصوت لا يقول فقط إن فريقاً فاز. إنه يقول، ببساطة ووضوح: مازلنا نحن الكورد هنا… وما زلنا نعرف كيف نفرح.