الدبلوماسية العراقية والحرب الروسية – الأوكرانية: سياسة التوازن وحدود الحياد

قاسم علي خضر
Qassimkhedher@gmail.com ​

منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية في 24 شباط من عام 2022، وجد العراق نفسه أمام واحدة من أكثر الأزمات الدولية تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة. فالحرب لم تكن مجرد نزاع عسكري بين دولتين، بل تحولت إلى مواجهة جيوسياسية واسعة تتقاطع فيها المصالح الروسية والأمريكية والأوروبية، وتنعكس آثارها على أمن الطاقة والغذاء والتجارة الدولية والنظام الدولي برمته.
في هذا السياق، اختارت بغداد نهجاً دبلوماسياً يقوم على “الحياد والتوازن والحوار ورفض الحرب بوصفها وسيلة لحل النزاعات”. وقد أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أكثر من مرة أن العراق يقف على مسافة واحدة من روسيا وأوكرانيا، وأن موقفه يستند إلى احترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وسيادة الدول، مع الدعوة إلى التسوية السلمية.
غير أن هذا الموقف لا يمكن قراءته باعتباره حياداً سلبياً أو مجرد امتناع عن الانحياز، فهو يرتبط بجملة من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي تحكم السياسة الخارجية العراقية في مرحلة شديدة الحساسية.
العراق بين موسكو وكييف
تتمتع بغداد بعلاقات تاريخية مع موسكو، تشمل مجالات سياسية واقتصادية وعسكرية، وفي المقابل تحتفظ بعلاقات دبلوماسية واقتصادية مع أوكرانيا. ولذلك فإن الانحياز الكامل إلى أحد طرفي الصراع كان سيضع العراق أمام خسائر سياسية واقتصادية محتملة.
وقد حافظت بغداد على قنوات الاتصال مع الطرفين. ففي شباط 2023، استقبل وزير الخارجية العراقي نظيره الروسي سيرغي لافروف في بغداد، وناقشا تطوير العلاقات الثنائية، كما تناول اللقاء جهود مجموعة الاتصال العربية الخاصة بالأزمة الروسية – الأوكرانية ومساعي الوساطة الرامية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار.
وفي الوقت نفسه، استمرت الاتصالات العراقية – الأوكرانية، بما في ذلك على المستوى الوزاري والسياسي، الأمر الذي يعكس رغبة بغداد في عدم تحويل موقفها من الحرب إلى قطيعة مع أي من الطرفين. وهنا تكمن إحدى أهم سمات الدبلوماسية العراقية: “الحفاظ على مساحة للحركة بدل الانخراط في سياسة المحاور”.
الحياد العراقي ليس موقفاً بلا مضمون
الحياد العراقي يستند، بحسب الخطاب الرسمي، إلى مبدأين أساسيين: احترام سيادة الدول والقانون الدولي، والدعوة إلى حل النزاعات بالطرق السلمية.
وهذا الموقف يحمل أهمية خاصة بالنسبة للعراق، فالدولة التي عانت لعقود من الحروب والتدخلات الخارجية تدرك أن تحويل القوة العسكرية إلى أداة لتسوية الخلافات يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية على الدول والمجتمعات. لذلك فإن دعوة بغداد إلى الحوار ليست منفصلة عن تجربتها التاريخية. العراق يعرف، من واقع تجربته، أن الحروب لا تنتهي بالضرورة عندما يتوقف إطلاق النار، وإنما تترك وراءها أزمات سياسية واقتصادية وإنسانية وأمنية تمتد لسنوات طويلة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الدبلوماسية العراقية تجاه “الأزمة الأوكرانية” باعتبارها محاولة لتقديم “منطق التسوية السياسية على منطق الحرب”.
بغداد ومجموعة الاتصال العربية
كان انخراط العراق في مجموعة الاتصال العربية بشأن الأزمة الروسية – الأوكرانية من أبرز الأدوات التي حاولت بغداد من خلالها الانتقال من مجرد إعلان موقف سياسي إلى المشاركة في الجهد الدبلوماسي. وقد شاركت المجموعة في اتصالات مع موسكو وكييف، وكان الهدف المعلن هو “تشجيع الحوار والتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإيجاد حل دبلوماسي للأزمة”. وقد أشار وزير الخارجية العراقي إلى هذه الجهود خلال مباحثاته مع لافروف في بغداد عام 2023. ورغم أن هذه المبادرات العربية لم تستطع حتى الآن إنتاج تسوية نهائية للحرب، فإن أهميتها تكمن في أنها أظهرت إمكانية وجود “صوت عربي مستقل نسبياً عن الاستقطاب الروسي – الغربي”. وهنا يستطيع العراق، بحكم موقعه وعلاقاته المتعددة، أن يطور هذا الدور إذا امتلك رؤية دبلوماسية أكثر وضوحاً واستمرارية.
العراق والشرعية الدولية
من المهم أيضاً ألا يُفهم الحياد العراقي على أنه تجاهل للمؤسسات الدولية. فبحسب وزارة الخارجية الأوكرانية، صوّت العراق لصالح عدد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بالحرب، ومنها قرارات بشأن “الآثار الإنسانية للعدوان على أوكرانيا”، وسلامة أراضي أوكرانيا، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالسلام الشامل والعادل والدائم. وهذا يكشف عن معادلة دقيقة في السياسة العراقية: “محاولة الحفاظ على علاقات متوازنة مع روسيا، مع عدم التخلي عن المرجعية القانونية الدولية”. إنها معادلة صعبة، لكنها في الوقت ذاته تعكس طبيعة الدبلوماسية العراقية الحديثة التي تحاول الابتعاد عن سياسة الاصطفاف الكامل.
المصالح العراقية في قلب الحسابات
لا يمكن فهم الموقف العراقي من الحرب بعيداً عن المصالح الوطنية. فالعراق دولة تعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط، وتتأثر بالتغيرات العالمية في أسعار الطاقة. كما أن الحرب الروسية – الأوكرانية أثرت في أسواق الحبوب والأسمدة والنقل والطاقة، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالأمن الغذائي والاقتصادي العراقي. كما أن العراق يحتاج إلى الحفاظ على علاقات متعددة الاتجاهات: مع الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، ومع روسيا ودول المنطقة من جهة أخرى. وبالتالي فإن الدخول في مواجهة دبلوماسية مع موسكو، أو الانحياز الصريح إلى أحد طرفي الحرب، قد يحد من قدرة بغداد على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية. من هنا يمكن فهم الحياد العراقي بوصفه “أداة لإدارة المصالح قبل أن يكون مجرد موقف أخلاقي أو قانوني”.
هل يستطيع العراق أن يكون وسيطاً؟
السؤال الأهم هو: هل يستطيع العراق الانتقال من سياسة “الحياد” إلى سياسة “الوساطة”؟
الإجابة ممكنة، ولكنها تحتاج إلى شروط. العراق يمتلك بعض عناصر الوساطة: موقع جغرافي مهم، علاقات مع قوى متعارضة، تجربة في الحوار الإقليمي، وعضوية فاعلة في المؤسسات الدولية. كما أن بغداد ليست جزءاً مباشراً من التحالفات العسكرية الغربية الداعمة لأوكرانيا، وليست طرفاً في الحرب. لكن الوساطة الدولية تحتاج إلى أكثر من العلاقات الجيدة، تحتاج إلى “الثقة والقدرة على تقديم مقترحات قابلة للتنفيذ”. ولهذا فإن أفضل دور يمكن للعراق أن يلعبه ربما لا يكون في محاولة منافسة القوى الكبرى في التفاوض على التسوية النهائية، وإنما في التركيز على الملفات الإنسانية والعملية، مثل تبادل الأسرى، حماية المدنيين، الأمن الغذائي، إزالة الألغام، الممرات الإنسانية، وإعادة الإعمار. وقد أظهرت الاتصالات العراقية – الأوكرانية اهتماماً بموضوع إزالة الألغام، وهو مجال يمكن أن يشكل مستقبلًا أحد مسارات التعاون الإنساني بين البلدين.
التحدي الأكبر: الموازنة بين المبادئ والمصالح
أصعب اختبار للدبلوماسية العراقية يتمثل في المحافظة على التوازن دون أن يتحول التوازن إلى غموض. فالدبلوماسية الناجحة لا تعني فقط إقامة علاقات جيدة مع الجميع، وإنما تعني امتلاك مبادئ واضحة تستطيع الدولة الدفاع عنها في مختلف الأزمات. وهنا يمكن للعراق أن يطرح صيغة أكثر وضوحاً تقوم على أربعة مبادئ:
1. رفض الحرب كوسيلة لحل النزاعات.
2. احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
3. رفض استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.
4. دعم أي مسار تفاوضي يؤدي إلى وقف إطلاق النار والسلام المستدام.
هذه المبادئ تسمح للعراق بالحفاظ على علاقاته مع موسكو وكييف في آن واحد، من دون أن يتحول إلى طرف في الصراع.
الحرب الأوكرانية والدبلوماسية العراقية الجديدة
تأتي الحرب الروسية – الأوكرانية في لحظة تشهد إعادة تشكيل للنظام الدولي. ومع استمرار الجهود الدبلوماسية المختلفة في عام 2026، ما زالت التسوية بعيدة عن أن تكون محسومة، رغم عودة الحديث عن استئناف المفاوضات والوساطات الدولية.
وفي مثل هذه البيئة الدولية المضطربة، قد لا تكون قوة العراق في امتلاك النفوذ العسكري أو الاقتصادي الذي تمتلكه القوى الكبرى، وإنما في امتلاك “القدرة على التواصل مع أطراف متعددة في وقت واحد”. وهذه ميزة يمكن تحويلها إلى رأس مال دبلوماسي حقيقي.
فالعراق يستطيع أن يقول لروسيا إنه لا يريد عزلها، وأن يقول لأوكرانيا إنه يحترم سيادتها، وأن يقول للغرب إنه يؤمن بالقانون الدولي، وأن يقول لدول الجنوب العالمي إن الحلول العسكرية لا ينبغي أن تكون البديل الدائم عن التفاوض. إذا نجحت بغداد في صياغة هذه الرسالة ضمن استراتيجية متماسكة، فإنها تستطيع الانتقال من موقع الدولة التي “تتخذ موقفًا محايداً” إلى موقع الدولة التي “تسهم في صناعة الحوار”.
من الحياد إلى الدبلوماسية الفاعلة
إن الدبلوماسية العراقية تجاه الحرب الروسية – الأوكرانية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على ممارسة سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة. لقد اختارت بغداد حتى الآن مساراً يقوم على الوقوف على مسافة واحدة من موسكو وكييف، واحترام مبادئ القانون الدولي، والدعوة إلى الحوار والتسوية السلمية. وهذا الموقف تؤكده التصريحات الرسمية العراقية، كما تؤكده اتصالات بغداد مع الطرفين. لكن المرحلة المقبلة تتطلب أكثر من الحياد. فالعراق يستطيع، إذا أحسن استثمار علاقاته الدولية وتجربته في الوساطة الإقليمية، أن يقدم نفسه بوصفه “دولة حوار لا دولة محور، ودولة تسوية لا دولة اصطفاف”.
وفي عالم يتجه بصورة متزايدة نحو الاستقطاب، قد تصبح قيمة الدول المتوسطة ليست في قدرتها على فرض الحلول، بل في قدرتها على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة. ومن هذه الزاوية، فإن الحرب الروسية – الأوكرانية ليست مجرد أزمة خارج حدود العراق؛ إنها أيضاً “فرصة لاختبار وبناء دبلوماسية عراقية أكثر استقلالاً وواقعية وفاعلية على المسرح الدولي”.
انتهى

قد يعجبك ايضا
∧