العراق بعد زمن المحاور: هل بدأ بناء استقلاله الاستراتيجي؟

الصحفي حيدر فليح الشمري

لم يعد السؤال الذي يواجه العراق اليوم: مع الولايات المتحدة أم مع إيران؟ بل: هل يستطيع العراق أن ينتقل من دولة تتأثر بتوازنات الآخرين إلى دولة تصنع لنفسها مساحة مستقلة بين المتنافسين؟

يحمل خطاب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أيلول/سبتمبر 2026 مؤشرات على توجه جديد، تمثل في التأكيد على أن يكون العراق قوة اقتصادية فاعلة وجسراً للحوار، وأن تنتقل علاقاته مع الشركاء من التعاون العسكري إلى الشراكة الاقتصادية، مع حصر قرار السلم والحرب والسلاح بيد مؤسسات الدولة.

ويتزامن ذلك مع توجه بغداد إلى تنويع منافذ تصدير النفط والطاقة وتطوير الممرات التي تربط العراق بتركيا والأردن وسوريا، إلى جانب مشروع طريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو بتركيا وأوروبا.

ولا تبدو هذه المشاريع اقتصادية فحسب، بل تحمل بعداً استراتيجياً؛ فتنويع طرق التصدير والتجارة والشركاء يمنح العراق هامشاً أوسع في اتخاذ قراراته ويقلل اعتماده على طرف أو منفذ واحد.

وتكشف أزمة تعليق رحلات شركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات الأميركية عن استمرار تأثير النظام المالي الأميركي على العراق، في وقت لا يستطيع فيه العراق تجاهل علاقاته مع إيران، بحكم الجغرافيا والتجارة والطاقة والروابط الإقليمية.

لذلك، لا يبدو أن بغداد اختارت الانحياز إلى واشنطن ضد طهران، أو العكس، بقدر ما تحاول تقليل اعتمادها على أي محور.

فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني القطيعة مع الآخرين، بل صناعة البدائل. وكلما امتلك العراق طرقاً متعددة للتجارة والطاقة والتصدير، وشركاء متنوعين، واقتصاداً أقل اعتماداً على النفط، أصبح أكثر قدرة على حماية قراره الوطني.

وفي هذا السياق، يمكن أن يتحول طريق التنمية من مجرد مشروع للنقل إلى أداة لإعادة تعريف موقع العراق إقليمياً، وتحويل جغرافيته من مصدر للتنافس والصراع إلى مصدر للقوة الاقتصادية والنفوذ.

وقد يكون التحدي الحقيقي أمام بغداد هو الانتقال من منطق: «مع من أنت؟» إلى منطق: «ما الذي يستطيع العراق أن يفعله بمفرده؟»

فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني أن يخرج العراق من محور ليدخل محوراً آخر، بل أن يمتلك ما يكفي من الخيارات حتى لا يكون مضطراً للاختيار بين الآخرين.

قد يعجبك ايضا
∧