استعادة الكلمة الكوردية من ظلال اللغات المهيمنة

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

تعاني اللغة الكوردية إشكالية تتجاوز اختلاف اللهجات إلى اضطراب المصطلح نفسه. فقد عاشت قرونًا داخل فضاءات سياسية وثقافية هيمنت عليها العربية والفارسية والتركية، ثم دخلت عليها في العصر الحديث تأثيرات اللغات الأوروبية. لذلك تعددت الكلمات الدالة على المعنى الواحد، واختلط الأصيل بالمقتبس، وأصبحت بعض المصطلحات تُترجم عن لغة وسيطة بدل أن تُشتق من بنية الكوردية وذاكرتها.
لا تعني تنقية المصطلح الكوردي إغلاق اللغة أمام اللغات الأخرى؛ فاللغات الحية تتبادل المفردات وتتطور بالاحتكاك. لكن الخطر يبدأ عندما تفقد الكلمة دقتها، أو تستعير اللغة طريقة تفكير غيرها إلى جانب مفرداته، فتغدو الترجمة نقلًا للفظ لا استعادةً للمعنى. من هنا تصبح مراجعة المصطلحات ضرورة ثقافية، لا ترفًا لغويًا، ولا سيما في الكتب الفكرية والأكاديمية.
وتقدم تجربتي مع النسخة الكوردية من كتابي «هل كان للكورد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام؟» مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية؛ إذ كشفت مراجعة العنوان والإهداء والمقدمة أن الفارق بين كلمتين قد يبدو صغيرًا، لكنه يغيّر دقة المعنى ووظيفة المصطلح.
جاء العنوان الأول:
Ma Berî Îslamê Nivîskar û Ramanwerên Kurd Hebûn?
متأثرًا بالعنوان الإنكليزي:
Were There Kurdish Writers and Philosophers Before Islam?
فكانت Nivîskar ترجمة مباشرة لكلمة Writers. غير أن العودة إلى العنوان العربي أظهرت أن المقصود ليس «الكتّاب» بمعناهم العام، بل «الأدباء» بوصفهم منتجي أدب ووجدان وخيال. لذلك أصبحت Wêjevan أدق من Nivîskar، وصار العنوان الأقرب إلى الأصل العربي:
Ma Berî Îslamê Wêjevan û Ramanwerên Kurd Hebûn?
أما Ramanwer فاختيرت مقابل «فيلسوف»، لأنها تدل على من ينتج الفكر ويمنحه بناءً ورؤية، في حين أن Ramandar أقرب إلى صاحب الفكر أو الشخص المتأمل. وكذلك لم تكن Wêjer الخيار الأوضح؛ لأنها قد تُفهم في بعض الاستعمالات بمعنى المتحدث أو الملقي، بينما تحمل Wêjevan معنى الأديب بوضوح أكبر.
وظهر الأمر ذاته في كلمتي الإهداء والمقدمة. فالإهداء في صدر الكتاب هو Diyarî، لا Pêşkêş؛ لأن الأولى تحمل معنى الهدية المعنوية الموجهة إلى من كُتب العمل وفاءً لهم، بينما الثانية أقرب إلى التقديم أو العرض. أما المقدمة فهي Pêşgotin، وليست Destpêk؛ فالأخيرة تعني البداية، في حين أن الأولى اسم لباب فكري يمهّد للكتاب ويكشف غايته ومساره.
هذه الفروق الصغيرة في ظاهرها تكشف إشكالية أعمق. فقد نكتب كلمة صحيحة في بنيتها، لكنها لا تؤدي المعنى المقصود بدقة، أو نترجم عن لغة وسيطة فنبتعد خطوة عن روح الأصل. وهنا لا تعود مراجعة المفردة ترفًا لغويًا، بل تصبح استعادةً للصلة بين الكلمة ومعناها.
اللغة الحية لا تُبنى بالجمود ولا بالخوف من المراجعة، بل بالعودة المستمرة إلى جذورها، ومقارنة دلالاتها، وتنقية ما التبس فيها. وكلما عدنا إلى النص اكتشفنا أن الترجمة ليست نقل كلمات بين لغتين، بل إعادة بناء للفكرة داخل ذاكرة لغوية أخرى.
لذلك لم تكن هذه التعديلات تراجعًا عن الصيغة الأولى، بل اقترابًا أعمق من المعنى. فالكتاب الذي يبحث عن الأسماء الكوردية التي أضاعها التاريخ، ينبغي له أيضًا أن يبحث عن الكلمات الكوردية التي غيّبتها هيمنة اللغات الأخرى. وربما تبدأ استعادة الذاكرة من هنا: من كلمة نعثر عليها بعد طول غياب، فنضعها في مكانها الذي كان ينتظرها.

قد يعجبك ايضا
∧