عبد الرحيم حسين ( رحيمو ) .. قراءة شخصية في تجربة فنان حمل المكان و الذاكرة معه إلى اللوحة

خوشناف سليمان

ليس سهلاً أن أكتب عن رحيمو بوصفه فناناً فقط. فقد عرفته منذ الطفولة، قبل أن يصبح اسماً في المشهد التشكيلي، وقبل أن تأخذه الدراسة والحياة والغربة إلى أماكن بعيدة عن عامودا. لذلك حين أنظر اليوم إلى تجربته، لا أستطيع أن أفصل الفنان عن الإنسان الذي عرفته في بداياته، ولا أن أفصل اللوحة عن المكان الأول الذي ترك أثره فيه.
عبد الرحيم حسين، المعروف باسم ( رحيمو ) من مواليد عامودا عام 1962. درس في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وتخرج عام 1991 في قسم التصوير الزيتي. لكن بدايته الفنية، في رأيي، لم تكن في دمشق. كانت قبل ذلك بكثير، في عامودا، وفي ذلك المناخ الثقافي الذي كان يحيط بجيله، وفي مشاركاته المبكرة في الفرق الفنية والفلكلورية والمسرح وفعاليات نوروز، حيث كان الفن بالنسبة إليه جزءاً من الحياة اليومية، وليس نشاطاً منفصلاً عنها.

ثم جاءت دمشق، بكل ما تعنيه من دراسة أكاديمية واحتكاك أوسع بالفن. هناك اكتسب أدواته، واحتك بالمدرسة الأكاديمية، لكنه لم يتوقف عند حدودها. وهذا ربما يفسر جانباً أساسياً من تجربته اللاحقة: رحيمو لم يكن معنياً بأن يستقر طويلاً في أسلوب واحد.
يمكن النظر إلى مسيرته بوصفها سلسلة من التحولات والبحث المستمر. بدأ من الرسم الذي يقوم على الملاحظة والانضباط، ثم مرّ بالتجريد، واقترب من التعبيرية، وصولاً إلى أعمال تبدو فيها هذه المراحل كلها حاضرة بدرجات مختلفة. لذلك لا أرى التجريب عنده نزوة أسلوبية، بل حاجة داخلية إلى البحث عن اللغة التي يستطيع من خلالها أن يقول ما يريد.
في أعماله لا تدخل العين إلى اللوحة دائماً من باب واحد. قد تستوقفك ملامح وجه واضحة، ثم يأخذك اللون إلى مساحة أكثر غموضاً، أو تقودك الكتلة اللونية إلى حركة لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي. وهذا التداخل بين ما هو قابل للتعرف عليه وما يتركه الفنان مفتوحاً للتأويل يمنح أعماله خصوصيتها.
واللون، في تجربة رحيمو، ليس مجرد وسيلة لتلوين الشكل. إنه جزء من بناء اللوحة نفسها. الأزرق، خصوصاً، يعود كثيراً في عالمه، لكنني لا أميل إلى تحميله معنى رمزياً ثابتاً في كل عمل. أحياناً أشعر أن اللون عنده أقرب إلى حالة نفسية وذاكرة بصرية منه إلى رمز جاهز. إنه يتغير بحسب ما تقتضيه اللوحة، ويأخذ مكانه في العلاقة بين الإنسان والمساحة المحيطة به.
وتحتل المرأة مكاناً واضحاً في تجربته. لكن وجوه النساء عند رحيمو لا تبدو لي مجرد موضوع تشكيلي متكرر. فيها شيء من الذاكرة، ومن الأشخاص الذين مروا في حياته، ومن ذلك المخزون الإنساني الذي لا يغادر الفنان حتى عندما يبتعد عن المكان.

وهنا أتذكر والدته ( خاتونة ). كنت أرى شيئاً من ملامحها في بعض وجوه النساء التي رسمها. ربما لا تكون الملامح نسخة مباشرة، لكن هناك إحساساً بحضورها. حضور المرأة البسيطة والطيبة التي بقيت صورتها في مكان ما من ذاكرته، ثم وجدت طريقها إلى اللوحة من دون حاجة إلى إعلان ذلك.
والفاكهة أيضاً تحضر في أعماله، كما تحضر أشياء من الحياة اليومية. وهذا الحضور مهم بالنسبة لي لأنه يؤكد أن رحيمو لا يبحث دائماً عن موضوعات بعيدة أو استثنائية. أحياناً يأخذ شيئاً مألوفاً ويعيد النظر إليه، فيصبح الموضوع البسيط جزءاً من بناء بصري أوسع.
ومن هنا يمكن فهم جانب آخر من تجربته: ما يبدو عفوياً في اللوحة ليس بالضرورة وليد لحظة الرسم وحدها. وراء العفوية سنوات من المشاهدة والتجربة والثقافة والعيش، وذاكرة المكان والأشخاص والأحداث. الفنان يدخل إلى اللوحة وهو يحمل كل ذلك معه، حتى عندما يترك للصدفة مجالاً واسعاً أثناء العمل.
وقد لفتني هذا الجانب أيضاً في قراءات فنانين وكتّاب عرفوا رحيمو عن قرب. الناقد غريب ملا زلال، الذي رافقه منذ سنوات الدراسة الأولى، رأى في تجربته مساراً من البحث المستمر وتكويناً بصرياً يقوم على التوتر بين الضوء والعتمة والحركة الداخلية للون. أما الفنان عنايت عطار، ومن موقع تجربته الفنية في المنفى، فقد تابع تحولات رحيمو بين الواقعية والتجريد والتعبيرية، ورأى في أعماله اللاحقة نوعاً من التقاء هذه المراحل السابقة داخل لغة أكثر تركيباً.

لا أتعامل مع هذه القراءات بوصفها أحكاماً نهائية على تجربة رحيمو، لكنها تساعد في رؤية جوانب ربما يصعب على الصديق أن يراها من موقعه الشخصي. فالصداقة تمنحك شيئاً، لكنها تحجب عنك أشياء أخرى. أنت تعرف الإنسان وذكرياته وعاداته، بينما يأتي الفنان الآخر إلى العمل من زاوية مختلفة، ويرى ما يحدث داخل اللوحة نفسها.
ولعل الغربة واحدة من أكثر التجارب التي أعادت تشكيل عالم رحيمو. فقد خرج من المكان الأول، وتنقل بين أمكنة وتجارب وظروف لم تكن دائماً مستقرة، لكن الابتعاد عن المكان لا يعني بالضرورة الخروج منه. بعض الأمكنة تتحول، مع مرور الوقت، من جغرافيا إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى جزء من النظرة التي يرى بها الفنان العالم.
لهذا أعود دائماً إلى عامودا حين أتحدث عن رحيمو. ليس لأن كل ما رسمه يمكن تفسيره من خلالها، ولا لأن الفنان يجب أن يبقى أسير المكان الذي ولد فيه، وإنما لأن البدايات تترك شيئاً لا يمكن التخلص منه بسهولة. عامودا بالنسبة إلى رحيمو ليست موضوعاً يرسمه، بل جزء من تكوينه الأول: الوجوه، الألوان، الحياة اليومية، الثقافة، والأشخاص الذين تركوا أثراً في طفولته وشبابه.
إن رحيمو لم يأخذ عامودا معه حين غادرها فحسب. أخذ معه وجوهاً وملامح وذكريات ظلت تعود إليه كلما وقف أمام لوحة جديدة. ولعل وجه والدته، خاتونة، كان واحداً من أكثر هذه الوجوه حضوراً في ذاكرته. فقد كنت أرى شيئاً من ملامحها في وجوه النساء التي رسمها، كما لو أن تلك المرأة البسيطة والطيبة ظلت، بطريقة ما، ترافقه إلى اللوحة.
وهنا تبدو الذاكرة عند رحيمو أكثر من مجرد استعادة للماضي. إنها مادة تتسلل إلى العمل من دون أن تعلن عن نفسها، فتظهر في ملامح امرأة، أو في لون، أو في إحساس غامض يصعب الإمساك به بالكلمات.
رحيمو لم يغادر المكان تماماً، حتى حين ابتعد عنه. ظل يحمل عامودا في ذاكرته، ويحمل وجوه الذين أحبهم، ثم أمضى سنوات طويلة يبحث لكل ذلك عن شكل ولون.
وهذا، في النهاية، هو الفن حين يتحول من مجرد ممارسة إلى جزء من حياة صاحبه.

قد يعجبك ايضا
∧