نظرة على منجزات الدبلوماسية السودانية والحضور الأفريقي في الأمم المتحدة

​سعد محمد عبدالله

​هدفت مشاركة السودان في إجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى توسيع الحضور الدبلوماسي السوداني، وطرح قضايا الحرب والسلام والعمل الإنساني ضمن أجندة الحوار الدولي، وعلى الرغم من عرقلة إصدار تأشيرة دخول للفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الذي يمثل رمزًا لسيادة السودان، فإن وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محيي الدين سالم، قد إلتقى معالي الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى جانب عدد من الوزراء والدبلوماسيين والإعلاميين وقادة الوفود الرسمية المشاركة، وجرى خلال اللقاء بحث تطورات الأوضاع في السودان؛ حيث أكد الوزير حرص الحكومة على مواصلة التعاون مع المبعوث الشخصي للأمين العام والمنظمات الدولية والإقليمية العاملة في المجال الإنساني، مع تقديم التسهيلات اللازمة لإنسياب المساعدات وعبور القوافل ووصول الإغاثة إلى المتضررين من هجمات وإنتهاكات ميليشيا الدعم السريع، وفي المقابل، شدد غوتيريش على ضرورة وقف الحرب وإنهاء معاناة المدنيين، مؤكدًا أن الحوار يمثل مسارًا أساسيًا لتسوية النزاع وإحلال السلام، ويكتسب هذا اللقاء أهمية إضافية في ظل تعقيدات الملف السوداني وتعدد المبادرات الدولية والإقليمية، بما يجعل التواصل المباشر مع الأمم المتحدة فرصة للحوار الموضوعي وعرض رؤية الحكومة، والإستماع إلى المواقف الدولية، والدفع نحو معالجة القضايا الإنسانية والسياسية في إطار يحفظ وحدة وسيادة السودان، ويستجيب في الوقت نفسه للحاجة العاجلة إلى تمكين الأجهزة الأمنية السودانية من الإضطلاع بمهامها في حماية المدنيين، وتوسيع فرص الوصول الإنساني إلى جميع المحتاجين؛ كما أن وضوح الرسائل السودانية يساعد على بناء قنوات تواصل دبلوماسي أكثر إنتظامًا وبفاعلية أكبر مع الشركاء الدوليين خلال المرحلة المقبلة.

​تبرز ملفات العودة الطوعية وإعادة الإعمار باعتبارها من التحديات الرئيسية المرتبطة بمستقبل السودان بعد إنهاء الحرب، خصوصًا مع إتساع دائرة النزوح، وتضرر الخدمات الأساسية، وإنهيار البنية التحتية، وفي الإجتماع رفيع المستوى الذي نظمه الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة حول الحلول المستدامة للنزوح، عرض وزير الخارجية جهود اللجنة الوطنية العليا للعودة الطوعية وإعادة الدمج، مشيرًا إلى العمل على تهيئة الظروف المناسبة لعودة المواطنين إلى مناطقهم وإستعادة الخدمات؛ كما أشار إلى أن عودة ما يقرب من خمسة ملايين نازح إلى مناطقهم – وفق الأرقام التي طرحها – تتطلب إيجاد تمويل دولي يتناسب مع حجم الإحتياجات، مع الإنتقال من التركيز على الإغاثة الطارئة وحدها إلى مقاربة تجمع بين المساعدات والتنمية وإعادة الإعمار، وتكمن أهمية هذا الطرح في أن العودة المستدامة لا تتحقق بمجرد تراجع الخطر الأمني، رغم أهميته، وإنما تحتاج إلى توفير السكن الملائم، وخدمات التعليم والصحة والغذاء والدواء والكساء وسبل كسب العيش، إلى جانب معالجة قضايا الأرض والملكية وتعزيز المصالحات الإجتماعية؛ ومن ثَمَّ، فإن دعم مؤسسات الدولة وبرامجها المطروحة الآن، وتوسيع الشراكات الناجحة، يمكن أن يشكلا مدخلًا عمليًا لربط الإستجابة الإنسانية بمشروع التعافي الوطني، مع ضمان إحكام التنسيق بين الحكومة والأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد وجميع المانحين، ويظل نجاح هذا المسار مرتبطًا بوقف القتال والإنتهاكات، بما فيها فك حصار مليشيا الدعم السريع على المدن والقرى، وتوفير ضمانات أمنية وسياسية وإجتماعية تتيح للنازحين واللاجئين إستعادة حياتهم وحقوقهم بصورة آمنة وكريمة ومستدامة.

​من ناحية أخرى، حملت مشاركة حكومة السودان في الإجتماع الوزاري السنوي للدول الأقل نموًا بُعدًا تنمويًا ودبلوماسيًا مهمًا، وذلك بعدما إعتمد وزراء خارجية المجموعة بالإجماع إنتخاب جمهورية السودان نائبًا لرئاسة المكتب التنسيقي الدولي للمجموعة للفترة من 2026م إلى 2029م؛ وهو إنجاز يستحق الإشادة، إذ يتيح هذا الموقع للسودان المشاركة العملية في الدفاع عن مصالح الدول الأقل نموًا، وطرح قضايا التمويل والتنمية والتعافي الإقتصادي على المستوى الدولي، في وقت تواجه فيه هذه الدول تحديات مرتبطة بالديون وضعف الموارد وآثار الأزمات والحروب، وقد دعا الوزير شركاء التنمية إلى الوفاء بالتزاماتهم عبر تعزيز المساعدات الإنمائية الرسمية، وتيسير الوصول إلى التمويل الميسر، وضمان إنتقال سلس ومستدام للدول التي تُصنَّف ضمن فئة الدول الأقل نموًا، ويضاف ذلك إلى مشاركته في الإجتماع الوزاري لمجموعة الـ77 والصين، حيث بيّن حرص السودان على وحدة دول الجنوب العالمي وتضامنها، داعيًا إلى تعزيز الشراكة الأفقية، والإستفادة من الخبرات والموارد المتاحة لدعم التنمية والأولويات الوطنية المشتركة، وأيضًا بحث مع نظيره الروسي سيرغي لافروف سبل توطيد وشائج العلاقات السودانية الروسية، وتوسيع التعاون التجاري والإقتصادي والإنساني بين البلدين، ويمكن قراءة هذا الدور المحوري في سياق سعي السودان إلى الحفاظ على حضوره ومكانته المعتبرة داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وعدم إختزال علاقاته الإقليمية والدولية في ملفات الحرب وتبعاتها فقط؛ فالدبلوماسية السودانية مطالبة، إلى جانب شرح التطورات السياسية والأمنية، بطرح إحتياجات الإقتصاد من الإصلاحات الهيكلية والحوكمة وإعادة الإعمار والتنمية الشاملة، وبناء شراكات تسهّل عملية إستعادة الخدمات والمؤسسات وتحقق مصالح أوسع للجميع؛ كما أن المشاركة في مناقشة وحلحلة قضايا الدول الأقل نموًا تمنح السودان فرصة لعرض تجربته وتحدياته ضمن نقاش أوسع حول العدالة التنموية وإصلاح النظام الإقتصادي الدولي، وهو ما يحتاج إلى بلورة رؤية واضحة تحدد الأولويات، بعيدًا عن الحلول المؤقتة التي ثبت أنها لا تعالج جذور الأزمات.

​أما القضية الأفريقية الأوسع والأهم، فتتمثل في إستمرار المطالبة بإصلاح مجلس الأمن الدولي ومنح قارة أفريقيا تمثيلًا عادلًا ودائمًا في بنيته، وهي مسألة إكتسبت زخمًا جديدًا خلال أعمال الجمعية العامة، ويجب إسنادها بمواقف واضحة تشمل العمل على إجراء تعديلات في إتفاقية المقر، لينتقل إلى الدول بشكل دوري، من أجل تحقيق العدالة وبناء عالم جديد ومتعدد الأقطاب؛ فالموقف الأفريقي المشترك، كما عبّر عنه توافق “إزولويني”، يطالب بما لا يقل عن مقعدين دائمين لأفريقيا مع كامل إمتيازات العضوية الدائمة – بما فيها حق النقض إذا ظل قائمًا – إلى جانب خمسة مقاعد غير دائمة، وتؤكد المفاوضات الحكومية الدولية الجارية أن تفاصيل الإصلاح لا تزال موضع نقاش داخل أروقة الأمم المتحدة، بما في ذلك مسألة “الفيتو” وطريقة إختيار الممثلين الأفارقة؛ ولكن تأخير هذا الإستحقاق يذكّرنا بضرورة مواصلة النضال بقوة إرادة وعزيمة من أجل إسترداد الحقوق المشروعة، وتنبع أهمية هذه القضية بالنسبة للسودان من إرتباطها بمعادلات السلام والأمن والتنمية في القارة، ومن الحاجة إلى نظام دولي جديد يعكس الواقع المعاصر بصورة أكثر تمثيلًا للدول الأعضاء، وفي هذا السياق، يمكن للحضور السوداني في الأمم المتحدة والساحات الدبلوماسية الأخرى أن يجمع بين مسارات الدفاع عن المصالح الوطنية والمساهمة الفاعلة في القضايا الأفريقية المشتركة، مع التأكيد التام على أن الإصلاح المؤسسي يحتاج إلى تفاوض واسع وتوافق بين الدول الأعضاء، وبين ملفات الحرب والعودة والإعمار والتنمية وإصلاح المؤسسات الدولية، تبدو الدبلوماسية السودانية أمام إختبار تاريخي يتمثل في تحديات عكس الصورة الحقيقية لما يحدث في السودان للعالم الخارجي، وفتح مساحة لبناء شراكات ذكية مع الدول والهيئات الإقليمية والدولية، وتعزيز فرص تحقيق السلام العادل، وإستعادة الدور السوداني في المحيطين الأفريقي والدولي، والدفع نحو تعزيز قدرات القارة الأفريقية ودورها الطليعي والطبيعي في صناعة المستقبل وصياغة القرارات الدولية.

قد يعجبك ايضا
∧