الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
هناك مسؤولون يعتقدون أن المواطن يمكن أن يعيش على صورةٍ مع وزير، أو تصريحٍ أمام الكاميرات، أو كتابٍ يحمل هامشاً من مسؤول إلى مسؤول!
وهناك من يتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها ميدان الإنجاز الحقيقي، فينشر صورة لقاء، وصورة اجتماع، وصورة مصافحة، ثم يكتب تحتها عبارات من نوع: تمت المتابعة، حصلت الموافقة، جرى التوجيه، نتابع الموضوع باهتمام.
لكن المواطن في ديالى لا يستطيع أن يشرب الهامش، ولا أن يشغّل الكهرباء بـ الصورة، ولا أن يسقي بستانه بـ التصريح، ولا أن يملأ خزان سيارته بـ منشور فيسبوكي.
وهنا السؤال الذي يجب ألا يهرب منه أحد:
ماذا تحقق فعلياً لأهل ديالى؟
ليس السؤال عن عدد النواب، ولا عن عدد أعضاء مجلس المحافظة، ولا عن عدد الزيارات والاجتماعات.
السؤال عن النتائج.
فالمنصب العام ليس استوديو تصوير، ومجلس المحافظة ليس منصة لإنتاج المنشورات، والنيابة البرلمانية ليست مسابقة في عدد الصور مع الوزراء.
المواطن يريد أن يرى أثر المسؤول في حياته اليومية.
ملف النازحين… إلى متى؟
ملف النازحين والعودة إلى المناطق المتضررة ما زال واحداً من الملفات التي تحتاج إلى حلول فعلية وجادة.
منازل متضررة، وأراضٍ زراعية، وعائلات تريد العودة إلى مناطقها، وملفات تحتاج إلى إزالة العقبات أمام أصحابها.
فماذا تحقق؟
كم منزلاً عاد إلى صاحبه؟
كم عائلة عادت فعلاً؟
كم أرضاً زراعية أصبحت متاحة لأصحابها؟
وأين الجدول الزمني والحلول الواضحة لهذه الملفات؟
لا نريد أن يتحول ملف النازحين إلى مادة انتخابية موسمية؛ يُفتح قبل الانتخابات ويُغلق بعدها.
هذه عوائل وحقوق وممتلكات، وليست أرقاماً تُذكر في مؤتمر صحفي.
الكهرباء… المواطن يدفع ويعاني
أما الكهرباء، فهي قصة أخرى.
سنوات من الوعود والاجتماعات واللجان والزيارات، ومع ذلك ما زال المواطن في ديالى يواجه مشكلات الكهرباء.
والمواطن لا يريد أن يعرف كم اجتماعاً عقد المسؤول مع مدير توزيع الكهرباء.
يريد أن يعرف:
هل تحسنت الكهرباء أم لا؟
إذا تحسنت، فليعلنوا الأرقام.
وإذا لم تتحسن، فليتحملوا مسؤولية السؤال الشعبي:
أين ذهبت كل تلك الاجتماعات؟
وأزمة الوقود… طوابير لا تحتاج إلى شرح
البنزين والكاز والغاز والنفط ليست شعارات سياسية.
إنها احتياجات يومية.
عندما يقف المواطن في طابور طويل أمام محطة الوقود، فإنه لا يسأل عن آخر منشور للنائب، ولا عن آخر صورة لعضو مجلس المحافظة مع مسؤول في الوزارة.
إنه يريد أن يعرف:
متى تنتهي الأزمة؟
وهنا أيضاً لا تكفي عبارة «تمت المتابعة».
المتابعة الحقيقية هي أن تنتهي المشكلة.
أما أن تستمر المشكلة ثم تستمر معها المنشورات، فهذه ليست متابعة ناجحة في نظر المواطن.
الفلاحون والبساتين… من يسمع صوت الأرض؟
ديالى ليست مدينة فقط.
ديالى أرض زراعية وبساتين وفلاحون.
والمياه بالنسبة للفلاح ليست ترفاً، وإنما حياة ورزق ومستقبل عائلة.
فأين الحلول المستدامة لمشاكل مياه المزارع والبساتين؟
وأين المشاريع التي يستطيع المواطن أن يراها على الأرض؟
لقد تعب الناس من المسؤول الذي يستمع إلى المشكلة، ويهز رأسه، ويعد بالمتابعة، ثم يختفي الملف في أدراج الكتب الرسمية.
المواطن لا يريد مسؤولاً يسمع شكواه فقط؛ يريد مسؤولاً يحلها.
من «حصلنا على موافقة» إلى «أين التنفيذ؟»
وهنا نصل إلى ظاهرة أصبحت بحاجة إلى وقفة جادة:
صورة مع الوزير.
ثم منشور:
«حصلنا على الموافقة.»
ثم صورة أخرى.
«تمت متابعة الملف.»
ثم كتاب:
«معالي الوزير وجه…»
ثم هامش.
ثم هامش على الهامش.
ثم تنتهي القصة.
أما المواطن، فيبقى واقفاً أمام المشكلة نفسها!
أي إنجاز هذا؟
إذا حصلت الموافقة، أين التنفيذ؟
وإذا صدر التوجيه، أين المشروع؟
وإذا تمت الموافقة على الطلب، متى يرى المواطن نتيجته؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب طويلة.
تحتاج إلى جواب واضح.
مجلس المحافظة… القرارات لا تُقاس بعدد الجلسات
مجلس المحافظة مؤسسة رسمية، وله صلاحيات ومسؤوليات، والمواطن من حقه أن يحاسبه سياسياً وإدارياً على مستوى الأداء والنتائج.
فالإعلان عن تسعيرة معينة لا يعني أن المشكلة انتهت.
إذا لم يلتزم بها أصحاب المولدات أو الجهات المعنية، فالسؤال يصبح:
من يراقب؟ ومن يفرض التطبيق؟
والأمر نفسه ينطبق على ساحات الوقوف وغيرها من الملفات التي تمس المواطن مباشرة.
فالقرار الذي لا يُطبق يبقى حبراً على ورق.
والتصريح الذي لا يغيّر شيئاً في حياة الناس يتحول إلى مجرد كلام.
المواطن ليس جمهوراً لفيسبوك
أخطر ما يمكن أن يحدث في العمل السياسي أن يتحول المسؤول إلى صانع محتوى بدلاً من أن يكون صانع حلول.
كل صباح منشور.
كل ظهر صورة.
كل مساء تصريح.
لقاء هنا.
اجتماع هناك.
وفد يزور الوزير.
ونائب يستقبل المواطنين.
وعضو مجلس يستمع إلى الشكاوى.
لكن عندما يسأل المواطن:
ماذا تحقق؟
يصمت الجميع!
نحن لا نريد إهانة أحد، ولا نريد التقليل من دور أي شخص؛ لكننا نريد أن نقول الحقيقة بصوت مرتفع:
المنصب العام ليس وجاهة اجتماعية، وليس لقباً عشائرياً، وليس منصة للدعاية الشخصية.
ومن يريد أن يمثل الناس عليه أن يقبل أيضاً مساءلة الناس.
كفى توزيعاً للألقاب!
المواطن العراقي، والديالي تحديداً، سمع كثيراً من الألقاب:
القائد… الزعيم… الشيخ… صاحب الهيبة… سيف العرب… رجل المواقف… رجل الدولة…
لكن ماذا عن رجل الإنجاز؟
هذا هو اللقب الذي يريده المواطن.
لا نريد «قائداً» في المنشورات فقط.
نريد مسؤولاً يقود ملفاً حتى نهايته.
لا نريد «زعيمًا» في الصور.
نريد ممثلاً للشعب يثبت حضوره بالعمل.
لا نريد «هيبة» أمام الكاميرا.
نريد هيبة الدولة والقانون والخدمة.
ولا نريد عبارات رنانة تُكتب تحت الصور بينما تبقى معاناة الناس كما هي.
الامتحان الحقيقي ليس في فيسبوك
الامتحان الحقيقي للمسؤول ليس عدد الإعجابات التي حصل عليها منشوره.
الامتحان الحقيقي هو المواطن الذي يقف أمام محطة الوقود.
والفلاح الذي يبحث عن الماء.
والعائلة التي تنتظر العودة إلى بيتها.
والشاب الذي يريد فرصة عمل.
والمواطن الذي يدفع فاتورة الكهرباء ويريد خدمة أفضل.
والعائلة التي تنتظر إنجاز معاملة منذ أشهر.
هؤلاء هم لجنة التقييم الحقيقية.
رسالة إلى نواب ديالى وأعضاء مجلس المحافظة
لا نريد منكم المستحيل.
نريد فقط أن تقولوا للناس:
هذا ما وعدنا به.
وهذا ما أنجزناه.
وهذا ما لم ننجزه.
وهذه أسباب عدم الإنجاز.
وهذا موعد التنفيذ.
ضعوا أمام الناس جدولاً واضحاً.
ملف النازحين: ماذا أنجزتم؟
الكهرباء: ماذا تغير؟
الوقود: ماذا تغير؟
المياه: ماذا أنجزتم؟
الخدمات: أين المشاريع؟
شكاوى المواطنين: كم طلباً حُسم؟
عندها سيحترمكم المواطن، حتى في الملفات التي لم تتمكنوا من حلها؛ لأن الصراحة مع الناس أفضل من بيعهم الأوهام.
أما أن يتحول كل ملف إلى صورة، وكل صورة إلى منشور، وكل منشور إلى عبارة «تمت المتابعة»، فهذا لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
ديالى لا تريد أبطال فيسبوك
ديالى لا تحتاج إلى أبطال فيسبوك.
ولا تحتاج إلى مسؤول ينجح في التصوير أكثر مما ينجح في حل المشكلات.
ديالى تريد رجال دولة يعملون بصمت، ثم يخرجون إلى الناس بالنتيجة.
فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى عشرات الصور.
المشروع يتحدث عن صاحبه.
الخدمة تتحدث عن صاحبها.
حل مشكلة المواطن يتحدث عن صاحبه.
أما المنشور، فينتهي عمره خلال ساعات.
ولهذا نقول بكل وضوح:
كفى صوراً… كفى تصريحات… كفى هوامش!
ضعوا نتائجكم أمام الناس.
وإذا لم توجد نتائج، فلا تطلبوا من المواطن أن يعتبر الصورة إنجازاً، ولا أن يعتبر المصافحة مشروعاً، ولا أن يعتبر الهامش حلاً.
المواطن الديالي ليس ساذجاً.
يعرف من يعمل، ويعرف من يتابع، ويعرف من يحاول، ويعرف أيضاً من يكتفي بالظهور.
وفي النهاية ستبقى الحقيقة أقوى من كل المنشورات:
المواطن لا يريد «قائداً» في فيسبوك… يريد مسؤولاً في الميدان.
لا يريد صورة مع وزير… يريد خدمة من الوزارة.
لا يريد هامشاً على كتاب… يريد قراراً يُنفذ.
لا يريد زعيماً في المنشورات… يريد ممثلاً ينجز.
وهذه ليست إهانة لأحد… بل هي أبسط حقوق المواطن في أن يسأل: ماذا فعلتم من أجل ديالى؟