اتفاق مكة أمام اختبار التنفيذ

محمد علي الحيدري
واشنطن

لم يكن اجتماع رؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان في الرياض مجرد تأكيد جديد على اتفاقية مكة للدفاع المشترك. فقد انعقد فيما تتعرض المملكة لهجمات طالت مكة المكرمة ومنشآت مدنية واقتصادية، وأعلن المشاركون عزمهم البدء فوراً في ترجمة التزامات الاتفاقية إلى تعاون عسكري فعّال. هكذا انتقل السؤال من معنى التعهد بالدفاع المشترك إلى كيفية تنفيذه، وحدود ما تستطيع الدول الثلاث فعله معاً في أزمة قائمة.

حددت نتائج الاجتماع ثلاثة مجالات للعمل: التعاون الاستخباراتي، والتنسيق العسكري، وتكامل القدرات. وهي مجالات تمنح الاتفاقية مضموناً عملياً، لكنها تترك تفاصيله مفتوحة. ففاعلية الدفاع المشترك لا تتوقف على إعلان الاستعداد للمساندة، بل على سرعة تبادل المعلومات، وتحديد المسؤوليات، وقدرة القوات المختلفة على التعامل مع تهديد متزامن للصواريخ والمسيّرات والمنشآت الحيوية. ولم يُعلن الاجتماع نشر قوات أو قراراً بعمليات مشتركة، ما يجعل الحكم على أثره العسكري المباشر سابقاً لأوانه.

بالنسبة إلى السعودية، يوفر هذا المسار فرصة لتعزيز حماية أراضيها عبر شراكة مع دولتين تملكان خبرات عسكرية وقدرات مختلفة. وبالنسبة إلى تركيا وباكستان، يضع الاتفاق التزاماتهما موضع الاختبار: كيف تقدمان دعماً ملموساً للمملكة من دون أن يؤدي ذلك إلى اتساع الحرب في اليمن أو إلى مواجهة إقليمية أشمل؟ الإجابة لن تُستخلص من الصيغة العامة للاتفاقية، بل من طبيعة المساعدة التي ستتفق عليها الدول الثلاث ومن حدود استخدامها.

ويحمل الاجتماع رسالة سياسية إلى الجهة التي تشن الهجمات: استمرار استهداف الأراضي السعودية قد يستدعي استجابة منسقة تتجاوز قدرات المملكة وحدها. غير أن مصداقية الردع ترتبط أيضاً بوضوح الرسالة. فإذا بقي التعاون في حدود التصريحات، تراجعت قيمته؛ وإذا تحول إلى التزام عسكري مفتوح بلا أهداف محددة، فقد يزيد احتمالات التصعيد الذي تسعى الدول الثلاث إلى منعه.

من هنا تبدو المهمة الأصعب هي بناء توازن بين الحزم وضبط النفس. تستطيع الدول الثلاث تقوية الدفاعات وتبادل الإنذار والمعلومات، مع إبقاء القرار السياسي بشأن أي خطوة أبعد خاضعاً لتقدير عواقبها. وقد أكدت تركيا أن الاتفاقية لا تستهدف إيران أو إسرائيل أو دولة ثالثة، وهو موقف يضع على أطرافها مسؤولية إظهار طابعها الدفاعي في التطبيق، لا في الخطاب وحده.

اجتماع الرياض خطوة مهمة لأنه بدأ بحث أدوات الدفاع الجماعي في لحظة احتياج فعلي إليها. لكنه ليس، بذاته، دليلاً على أن منظومة مشتركة باتت جاهزة للعمل. الاختبار المقبل سيكون في الإجراءات المحددة التي تتخذها الدول الثلاث، وفي قدرتها على حماية السعودية وردع الهجمات، مع الإبقاء على فرصة لوقف التصعيد وتسوية الأزمة.

قد يعجبك ايضا
∧