من منصة نيويورك إلى خرائط النفوذ… العراق يعيد تعريف موقعه

د. نادية الجدوع

قراءة استراتيجية في كلمة رئيس الوزراء ورؤية العراق للجغرافيا والتنمية والشراكات الدولية

لم تكن كلمة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد عرضٍ لمواقف بغداد تجاه ملفات إقليمية ودولية متحركة، بل حملت في بنيتها العامة محاولةً لإعادة تقديم العراق بوصفه دولةً ذات موقع جغرافي قابل للتحول إلى قوة اقتصادية، ومركزاً للشراكات، وفاعلاً في معادلات الأمن والطاقة والتنمية. وقد جاءت الكلمة في لحظة دولية تتقاطع فيها أزمات الأمن والطاقة والممرات التجارية والتحولات الجيوسياسية، بما يجعل أي خطاب عراقي في نيويورك يتجاوز حدود المناسبة البروتوكولية إلى اختبار قدرة بغداد على صياغة سرديتها الوطنية أمام النظام الدولي.

من هنا، فإن قراءة كلمة الزيدي لا ينبغي أن تتوقف عند مفرداتها المباشرة، بل تستحق التوقف عند ما بين السطور: ماذا يريد العراق أن يكون؟ وكيف يريد أن يوظف جغرافيته؟ وبأي أدوات يمكن أن ينتقل من دولةٍ تتأثر بتوازنات المنطقة إلى دولةٍ تسهم في صناعة جزء من هذه التوازنات؟

الجغرافيا العراقية… من موقعٍ استراتيجي إلى مشروع قوة

أبرز ما يلفت في الرؤية المطروحة هو التعامل مع الجغرافيا العراقية باعتبارها أصلاً استراتيجياً وليس مجرد حقيقة جغرافية.

العراق يقع عند نقطة التقاء الخليج بالمشرق، وبين أسواق الطاقة وممرات التجارة، ويمتلك منفذاً بحرياً وموقعاً يمكن أن يربط الشرق بالغرب. وفي هذا السياق، يظهر طريق التنمية بوصفه أكثر من مشروع نقل؛ إذ قدمه رئيس الوزراء باعتباره ممراً استراتيجياً للتجارة والاستثمار والصناعة والطاقة، يبدأ من ميناء الفاو الكبير ويتجه عبر الأراضي العراقية إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق:

حين تتحول الجغرافيا إلى بنية تحتية، تتحول الدولة من موقعٍ على الخريطة إلى عقدةٍ في شبكة المصالح الدولية.

وهذه معادلة مهمة في التفكير الاستراتيجي؛ فالممرات لا تنقل البضائع فحسب، بل تنقل معها الاستثمارات، والتكنولوجيا، والخدمات، والاتصالات، والطاقة، وتخلق مصالح متشابكة بين الدول المشاركة فيها.

ولهذا جاءت دعوة العراق إلى إشراك الجوار والأصدقاء في طريق التنمية ذات دلالة سياسية واقتصادية في آن واحد؛ فكلما اتسعت دائرة المصالح المرتبطة بالمشروع، أصبح الاستقرار الإقليمي جزءاً من مصلحة اقتصادية مشتركة.

من منطق الجوار إلى منطق الشراكة

في السياسة الخارجية، هناك فرق كبير بين أن تكون الدولة مجاورةً للأزمات وأن تكون شريكاً في صناعة المصالح.

الرسالة العراقية في نيويورك متجهة نحو إعادة بناء العلاقة مع المحيط على قاعدة المصالح المشتركة، وحسن الجوار، واحترام السيادة، والحوار والدبلوماسية.

وهذا التحول مهم في قراءة موقع العراق؛ لأن بغداد لا تقدم نفسها هنا بوصفها طرفاً في محور مغلق، وإنما كدولة تريد توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية والتنموية مع أطراف متعددة.

وتؤكد تحركات الزيدي في نيويورك هذا المسار؛ فقد شملت مباحثاته ملفات التجارة والاستثمار والصناعة والاتصالات والزراعة والبيئة، إلى جانب الطاقة والإصلاح الاقتصادي.

إنها دبلوماسية المصالح؛ حيث تصبح السفارات واللقاءات الدولية والقمم أدوات لفتح الأسواق وبناء الشراكات، لا مجرد إدارة للأزمات السياسية.

العراق… من التعاون العسكري إلى الشراكة الاقتصادية

من أكثر الرسائل وضوحاً في الخطاب الإشارة إلى انتقال علاقة العراق الدولية من مرحلة التعاون العسكري إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية.

وهذه العبارة تحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز الاقتصاد نفسه.

فالعراق، بعد عقود من الحروب والتحديات الأمنية، يحتاج إلى إعادة تعريف صورته الخارجية: من بلدٍ ترتبط أخباره بالأزمات الأمنية إلى بلدٍ يُقرأ عبر الاستثمار، والطاقة، والبنية التحتية، والممرات التجارية، والتنمية.

ولا يعني ذلك اختفاء البعد الأمني من السياسة العراقية، بل يعني محاولة إعادة ترتيب الأولويات بحيث يصبح الاقتصاد أحد أدوات تثبيت الاستقرار.

فالاستثمار يحتاج إلى أمن، والطاقة تحتاج إلى استقرار، والممرات التجارية تحتاج إلى حماية، والتنمية تحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية مستقرة.

ومن هنا تتقاطع السيادة مع التنمية في معادلة واحدة.

الطاقة… من مورد وطني إلى ورقة نفوذ دولية

الرسالة الثانية ذات البعد الجيوسياسي تتمثل في الطاقة.

فالعراق أعلن توجهه نحو تنويع منافذ تصدير النفط وتطوير خطوط الطاقة والممرات الرابطة مع تركيا والأردن وسوريا وصولاً إلى الأسواق العالمية، مع طرح هدف أن يصبح العراق مركزاً عالمياً لإنتاج الطاقة.

وهنا تنتقل الطاقة من كونها مورداً مالياً إلى كونها أداة استراتيجية في العلاقات الدولية.

فالدولة التي تمتلك أكثر من مسار لتصدير مواردها تقل حساسيتها تجاه إغلاق مسار واحد، والدولة التي تدخل في شبكات الطاقة الإقليمية تستطيع بناء مصالح متبادلة مع شركائها.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الموارد وحدها، وإنما في تحويل الموارد إلى قيمة مضافة: صناعات، بتروكيمياويات، كهرباء، طاقة متجددة، بنى تحتية، وظائف، وتكنولوجيا.

وهذه هي النقطة التي يمكن أن تتحول عندها الثروة الطبيعية من مصدر دخل إلى قوة اقتصادية مستدامة.

السيادة… شرط الدخول إلى الاقتصاد الدولي

لا يمكن فصل البعد الاقتصادي في كلمة رئيس الوزراء عن البعد السيادي.

فالعراق يطرح في الوقت نفسه أن تكون الدولة صاحبة القرار في السلم والحرب، وأن تكون أدوات القوة تحت مظلة المؤسسات الدستورية.

وهذه الرسالة، من منظور العلاقات الدولية، ترتبط مباشرة بموضوع الاستثمار.

فالمستثمر الدولي لا يبحث فقط عن السوق، بل يبحث عن قابلية الدولة على حماية العقود، وضمان السيادة القانونية، واستقرار القرار، وحماية المشاريع والبنية التحتية.

وبذلك يصبح بناء الدولة ومؤسساتها جزءاً من استراتيجية جذب الاستثمار، وليس ملفاً منفصلاً عنه.

نيويورك… منصة الرسائل المتعددة

الأهمية السياسية للكلمة لا تنفصل عن المكان الذي ألقيت فيه.

الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مجرد منصة خطابية؛ إنها فضاء تتجاور فيه القوى الكبرى والدول الإقليمية والدول النامية، وتتشابك فيه ملفات الأمن والسيادة والتنمية والمناخ والطاقة والتكنولوجيا.

وفي دورة دولية تتصاعد فيها أزمات الحروب والطاقة والذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل النظام متعدد الأطراف، تصبح الرسالة التي تقدمها الدولة عن نفسها جزءاً من إدارة صورتها ومصالحها الدولية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة حضور العراق في نيويورك باعتباره محاولة لفتح أكثر من نافذة في الوقت نفسه:

نافذة سياسية للدبلوماسية،
نافذة اقتصادية للاستثمار،
نافذة جغرافية لطريق التنمية،
نافذة استراتيجية للطاقة،
ونافذة سيادية لإعادة تثبيت صورة الدولة.

المشروع العراقي… عندما تصبح التنمية سياسة خارجية

المعادلة الأهم التي تستحق التوقف هي أن مشاريع التنمية الكبرى لم تعد شأناً داخلياً فقط.

طريق التنمية، والموانئ، والسكك الحديدية، وخطوط الطاقة، والمناطق الصناعية، والاستثمار الدولي، كلها تتحول إلى عناصر في السياسة الخارجية العراقية.

وهنا يمكن للعراق أن يعيد تعريف مفهوم القوة.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على أن تجعل الآخرين يرون مصلحتهم في استقرارها.

كلما ارتبطت مصالح الدول الأخرى بموانئ العراق، وطرقه، وطاقة العراق، وأسواقه، ومشاريعه، أصبح الاستقرار العراقي جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي.

وهذا هو جوهر القوة الناعمة والاقتصادية والجغرافية عندما تتكامل مع مؤسسات الدولة.

ما بعد الكلمة… السؤال الحقيقي

لكن الخطاب الاستراتيجي لا يُقاس فقط بقوة الرسائل، وإنما بقدرة الدولة على تحويل الرسائل إلى سياسات قابلة للقياس والتنفيذ.

وهنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية.

فالعراق يمتلك الموقع، والموارد، والسوق، والفرص، والموانئ، والحدود، والقدرة على بناء الممرات الاقتصادية. لكن تحويل هذه العناصر إلى نفوذ مستدام يحتاج إلى منظومة متكاملة من التشريعات، والإدارة، والتمويل، والحوكمة، وحماية الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، والتكنولوجيا، والاستقرار المؤسسي.

فالطريق وحده لا يصنع القوة؛
القوة يصنعها الطريق عندما تحيط به منظومة دولة.

والطاقة وحدها لا تصنع النفوذ؛
النفوذ يصنعه توظيف الطاقة ضمن شبكة مصالح طويلة الأمد.

والجغرافيا وحدها لا تكفي؛
إنما تصبح الجغرافيا قوة عندما تمتلك الدولة رؤية لإدارتها.

العراق يعيد كتابة موقعه

منصة نيويورك، في هذا السياق، لم تكن مجرد مكان لعرض الموقف العراقي، بل مساحة لطرح سؤال أكبر عن مستقبل العراق داخل خرائط الاقتصاد والسياسة الدولية.

فالعراق الذي يتحدث عن طريق التنمية، وتنويع مسارات الطاقة، وجذب الاستثمار، والشراكات الاقتصادية، والدبلوماسية، والسيادة، يحاول أن يقدم صورة مختلفة لدولته وموقعه.

صورة العراق الذي لا يريد أن يكون مجرد ساحة لتوازنات الآخرين، بل مساحةً تتقاطع فيها مصالحهم على أرضه وفق شروط الدولة ومصالحها الوطنية.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الأبرز:

أن يتحول العراق من جغرافيا تتأثر بموازين القوة إلى جغرافيا تسهم في صناعة الموازين؛ ومن دولةٍ تُقرأ من خلال أزماتها إلى دولةٍ تُقرأ من خلال مشاريعها؛ ومن اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد يفتح مسارات متعددة نحو العالم.

إنها ليست مهمة خطاب واحد، ولا مشروع واحد، ولا دورة واحدة من دورات الأمم المتحدة.

إنها عملية إعادة تموضع طويلة، عنوانها الأهم:

العراق لا يبحث فقط عن مكانٍ في خرائط العالم… بل يعمل على تحويل موقعه إلى قيمة، وقيمته إلى شراكة، وشراكته إلى نفوذ، ونفوذه إلى تنمية واستقرار.

ومن نيويورك، الرسالة العراقية واضحة في جوهرها:
حين تمتلك الدولة رؤية لجغرافيتها، وتعرف كيف توظف اقتصادها، وتحمي سيادتها، وتبني شراكاتها، فإن الموقع لا يبقى مجرد نقطة على الخريطة… بل يتحول إلى مشروع قوة.

وإنما بقدرة الدولة على تحويل الرسائل إلى سياسات قابلة للقياس والتنفيذ.

وهنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية.

فالعراق يمتلك الموقع، والموارد، والسوق، والفرص، والموانئ، والحدود، والقدرة على بناء الممرات الاقتصادية. لكن تحويل هذه العناصر إلى نفوذ مستدام يحتاج إلى منظومة متكاملة من التشريعات، والإدارة، والتمويل، والحوكمة، وحماية الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، والتكنولوجيا، والاستقرار المؤسسي.

فالطريق وحده لا يصنع القوة؛
القوة يصنعها الطريق عندما تحيط به منظومة دولة.

والطاقة وحدها لا تصنع النفوذ؛
النفوذ يصنعه توظيف الطاقة ضمن شبكة مصالح طويلة الأمد.

والجغرافيا وحدها لا تكفي؛
إنما تصبح الجغرافيا قوة عندما تمتلك الدولة رؤية لإدارتها.

العراق يعيد كتابة موقعه

منصة نيويورك، في هذا السياق، لم تكن مجرد مكان لعرض الموقف العراقي، بل مساحة لطرح سؤال أكبر عن مستقبل العراق داخل خرائط الاقتصاد والسياسة الدولية.

فالعراق الذي يتحدث عن طريق التنمية، وتنويع مسارات الطاقة، وجذب الاستثمار، والشراكات الاقتصادية، والدبلوماسية، والسيادة، يحاول أن يقدم صورة مختلفة لدولته وموقعه.

صورة العراق الذي لا يريد أن يكون مجرد ساحة لتوازنات الآخرين، بل مساحةً تتقاطع فيها مصالحهم على أرضه وفق شروط الدولة ومصالحها الوطنية.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الأبرز:

أن يتحول العراق من جغرافيا تتأثر بموازين القوة إلى جغرافيا تسهم في صناعة الموازين؛ ومن دولةٍ تُقرأ من خلال أزماتها إلى دولةٍ تُقرأ من خلال مشاريعها؛ ومن اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد يفتح مسارات متعددة نحو العالم.

إنها ليست مهمة خطاب واحد، ولا مشروع واحد، ولا دورة واحدة من دورات الأمم المتحدة.

إنها عملية إعادة تموضع طويلة، عنوانها الأهم:

العراق لا يبحث فقط عن مكانٍ في خرائط العالم… بل يعمل على تحويل موقعه إلى قيمة، وقيمته إلى شراكة، وشراكته إلى نفوذ، ونفوذه إلى تنمية واستقرار.

ومن نيويورك، تبدو الرسالة العراقية واضحة في جوهرها:
حين تمتلك الدولة رؤية لجغرافيتها، وتعرف كيف توظف اقتصادها، وتحمي سيادتها، وتبني شراكاتها، فإن الموقع لا يبقى مجرد نقطة على الخريطة… بل يتحول إلى مشروع قوة

قد يعجبك ايضا
∧