محمد علي محيي الدين
هلال ناجي بن زين الدين الشقاقي العلوي، باحث ومحقق وشاعر ودبلوماسي وحقوقي عراقي، ينتمي إلى جيل من المثقفين الذين لم يحصروا أنفسهم في ميدان واحد، بل جعلوا من الثقافة مشروعاً واسعاً تتجاور فيه المعرفة الأدبية مع القانون والعمل الدبلوماسي والتحقيق التراثي. ولد سنة 1929 في مدينة القرنة بمحافظة البصرة، تلك المدينة القائمة عند ملتقى دجلة والفرات، وهي بيئة ذات طبيعة خاصة تركت في الذاكرة العراقية صوراً كثيرة عن الماء والنخيل والجنوب، قبل أن ينتقل إلى بغداد حيث أكمل دراسته وتخرج في كلية الحقوق سنة 1951.

بدأ حياته المهنية بالمحاماة، غير أن القانون لم يستطع أن يستأثر باهتمامه طويلاً، إذ سرعان ما اتسعت تجربته نحو الأدب والبحث والعمل العام. وقد قادته كفاءته إلى السلك الدبلوماسي، فمثل العراق في عدد من البلدان، من بينها إسبانيا وإيران وتونس، وتولى رئاسة بعثات دبلوماسية عراقية، وظل في العمل الدبلوماسي حتى سنة 1968. وكانت تلك التجربة بالنسبة إلى مثقف مثله فرصة للاحتكاك بالثقافات والبيئات الأدبية خارج العراق، وهو ما انعكس على اتساع اهتماماته وتنوع علاقاته بالمؤسسات والملتقيات الثقافية العربية.
ولم يكن هلال ناجي دبلوماسياً بعيداً عن الحياة الثقافية، بل ظل الأدب ملازماً له في سنوات عمله الرسمي، وشارك في مؤتمرات ومهرجانات عديدة، منها مؤتمر كتاب آسيا وأفريقيا في القاهرة سنة 1962، ومؤتمرات الأدباء العرب في الجزائر وليبيا، ومهرجان ابن زيدون في الرباط، فضلاً عن مؤتمرات المحامين العرب في بيروت وغيرها. وهكذا بدا حضوره موزعاً بين فضاءين متداخلين: فضاء الثقافة الذي كان يرى فيه الأدب ذاكرة الأمة ووعيها، وفضاء القانون والدبلوماسية الذي أتاح له الاتصال المباشر بقضايا المجتمع والدولة والعلاقات العربية.
وفي العراق تولى رئاسة اتحاد المؤلفين والكتاب العراقيين، وتشير المصادر إلى انتخابه لهذا الموقع سنة 1973، بينما تذكر موسوعة المطبعي أنه ترأس الاتحاد خلال السنوات 1974–1979. ويكشف اختلاف التاريخين عن اختلاف في توثيق بداية الولاية، لكن الثابت أن هلال ناجي كان في مقدمة العمل الثقافي العراقي خلال سبعينيات القرن العشرين، وأن رئاسته للاتحاد جاءت امتداداً طبيعياً لدوره الأدبي والفكري ومشاركاته الواسعة في الحياة الثقافية.
أما نتاجه الشعري، فقد بدأ مبكراً ورافق مراحل حياته المختلفة، حتى يمكن النظر إلى دواوينه بوصفها سجلاً لتحولات شاعر ظل يحمل معه الوطن والذاكرة أينما ذهب. صدر له «قلوب» سنة 1958، ثم «ساقٍ على الدانوب» سنة 1959، و«أغنية حزن إلى كركوك» في العام نفسه، و«الفجر آت يا عراق» سنة 1962، ثم «مرفأ الذكريات» 1964، و«هذا جنى زرعك يا سامري» 1968، و«ملحمة الوفاء» 1976، و«الكشف والبيان» 1994، و«في خريف العمر» 1999، و«من ذكريات شاعر» سنة 2000. وتوحي هذه العناوين نفسها بمسار شعري يتحرك بين الحنين والوطن والتجربة السياسية والتأمل في الزمن، وصولاً إلى استعادة الذاكرة في مراحل العمر المتقدمة.
ولم يكن الشعر عنده منفصلاً عن اهتمامه بالقضايا العامة، فقد كتب في السياسة والفكر والنقد والتاريخ الثقافي، ومن مؤلفاته «أضواء على حكم عبد الكريم قاسم» سنة 1962، و«أثر النكبة في الشعر الفلسطيني» سنة 1965، و«القومية والاشتراكية في شعر الرصافي»، و«الزهاوي»، فضلاً عن أعمال تناولت محنة الفكر في العراق وعلاقة الأدب بالتحولات السياسية والاجتماعية. كما كتب مسرحية «نهاية رئيس» سنة 1970، وهي تجربة تؤكد أن اهتمامه بالأدب لم يكن مقصوراً على الشعر والبحث التراثي.
لكن الجانب الأبرز في مشروع هلال ناجي ربما كان في ميدان التحقيق التراثي، حيث اتجه إلى النصوص القديمة بعين الباحث الذي لا يكتفي بإعادة نشرها، بل يسعى إلى استردادها من غبار الزمن وإعادة تقديمها للقارئ المعاصر. ومن تحقيقاته «متخير الألفاظ» لأحمد بن فارس، و«ديوان الراعي النميري» بالمشاركة، و«شرح بانت سعاد لعبد اللطيف البغدادي»، و«ديوان التنوخي الكبير»، و«شرح المنظومة المستطابة في علم الكتابة لابن بصيص»، فضلاً عن «جيش التوشيح» لسان الدين بن الخطيب و«أشعار النساء» للمرزباني بالاشتراك مع سامي مكي العاني، و«ديوان علي بن عبد الرحمن البلوني الصقلي»، وغيرها من الأعمال.
وتكتسب عنايته بالتحقيق أهمية خاصة لأنها جاءت في زمن كان فيه تحقيق التراث العربي يتحول من جهد فردي إلى علم له قواعد ومناهج ومؤسسات. ولهذا لم يكتف هلال ناجي بممارسة التحقيق، بل شارك في الكتابة حول أصوله ومناهجه، ومن ذلك كتاب «علم التحقيق بين النظرية والتطبيق» بالمشاركة. وقد نال جائزة التحقيق من مكتب تنسيق التعريب سنة 1970، ثم جائزة التقدير الذهبية من جمهورية مصر العربية سنة 1982، وهو ما يعكس المكانة التي بلغها في هذا المجال.
وكان من اهتماماته اللافتة جمع التراث اللغوي العربي وإحياء الكتب التي تكشف عن تطور المعجم العربي. وتذكر المصادر أنه كان أول عراقي ينشر ويحقق معجماً لغوياً قديماً هو «متخير الألفاظ» لابن فارس، وهو عمل ينسجم مع شخصيته الباحثة التي رأت في اللغة أكثر من وسيلة للتعبير؛ رأت فيها ذاكرة حضارية تحفظ طرائق التفكير ومفردات الحياة ومراحل تطور الثقافة العربية. كما كان أول من صنف كتاباً عن شعراء اليمن المعاصرين، في دلالة على اتساع اهتمامه بالأدب العربي خارج الحدود العراقية.
وقد أثارت أعماله اهتمام النقاد والباحثين، حتى تشير موسوعة المطبعي إلى أن نحو سبعين ناقداً عربياً كتبوا عن آثاره منذ ستينيات القرن العشرين، بينما تذكر المصادر الأخرى أن عدد الدراسات التي تناولته تجاوز المائة، وجُمعت بعض هذه الكتابات في كتب تذكارية، من بينها كتاب صدر بمناسبة بلوغه الستين. وهذه العناية النقدية لا ترتبط بكثرة مؤلفاته وحدها، وإنما بتنوع شخصيته الثقافية؛ فقد كان شاعراً ومحققاً وناقداً ومؤلفاً وحقوقياً ودبلوماسياً، وهي مسارات قلما تجتمع في تجربة واحدة بهذا الاتساع.
وكان هلال ناجي ينظر إلى نفسه، على الرغم من هذا الحضور، بتواضع شديد. وتنقل عنه موسوعة المطبعي قوله إنه كان وما يزال «جندياً صغيراً»، ويرى في الاستشهاد شرفاً، كما كان يصف نفسه بأنه إنسان ضعيف يقف على شاطئ «بحر المعرفة الزخار». وفي هذه العبارة ما يلخص رؤيته للثقافة؛ فالمعرفة عنده ليست ملكية يكتسبها الباحث ثم يكتفي بها، وإنما بحر لا ينتهي، وكل ما يستطيع الإنسان فعله أن يظل واقفاً على شاطئه، يلتقط منه ما يستطيع ويترك للأجيال ما لم يستطع الوصول إليه.
وقد تجاوز إنتاجه المائتي عمل بين التأليف والتحقيق، بحسب المصادر الواردة في ترجمته، وظل حتى سنواته الأخيرة منشغلاً بطبع كتبه ومخطوطاته ومواصلة مشروعه العلمي. ولم تكن كثرة الإنتاج عنده هدفاً في ذاتها، بل كانت نتيجة طبيعية لشغف طويل بالتراث والأدب، ورغبة في وصل الماضي بالحاضر من خلال النص المحقق والدراسة والقصيدة.
في أواخر حياته ألمّ به مرض خطير تمثل في توسع الشريان الأبهر، فنُقل إلى الهند للعلاج بأمر من الرئيس العراقي آنذاك جلال الطالباني، وأجريت له عملية جراحية نجحت في بدايتها، غير أن مضاعفاتها أدت إلى وفاته في الهند يوم الأحد 30 كانون الثاني 2011، بحسب محمد خير رمضان يوسف في «تتمة الأعلام»، فيما تشير بعض المصادر إلى تاريخ 31 كانون الثاني. ونُقل جثمانه إلى السليمانية في كردستان، تنفيذاً لوصيته، ودُفن هناك في 3 شباط 2011.
وتتفق صورة هلال ناجي في «معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة» لإميل يعقوب، و«الشعراء العراقيين في القرن العشرين» ليوسف عز الدين، و«معجم الأدباء» لكامل سلمان الجبوري، و«تتمة الأعلام» لمحمد خير رمضان يوسف، مع صورة مثقف واسع الموهبة، لم يحصر نفسه في الشعر وإن كان الشعر أحد أبواب حضوره، ولم يكتف بالتحقيق وإن كان التحقيق أبرز وجوه مشروعه. لقد كان ابن تجربة ثقافية متعددة المنافذ، حمل القانون إلى الأدب، والأدب إلى الدبلوماسية، والدبلوماسية إلى وعي أوسع بالعالم العربي، ثم عاد دائماً إلى التراث بوصفه الجذر الذي لا تستقيم شجرة الثقافة من دونه.
وهكذا بقي هلال ناجي واحداً من أولئك المثقفين الذين جعلوا من حياتهم جسراً بين عوالم متباعدة ظاهرياً: بين المحاماة والشعر، وبين السفارات والمخطوطات، وبين الحاضر السياسي والذاكرة العربية القديمة. وإذا كان الشعر قد حفظ جانباً من وجدانه، فإن التحقيق حفظ جانباً آخر من رسالته، إذ ترك وراءه نصوصاً أعاد إليها الحياة، وأعمالاً جعلت اسمه جزءاً من مسيرة التحقيق الأدبي والتراثي في العراق والعالم العربي.