الروائي سلام إبراهيم.. من بندقية الثائر إلى قلم الناقد

نبيل عبد الأمير الربيعي

تكشف السيرة التي كتبها الباحث قحطان جاسم جواد عن القاص والروائي سلام إبراهيم في كتابه (بورتريه لذاكرة بيضاء) عن تجربة أدبية تشكلت في ظروف استثنائية، لكنها لم تبقَ أسيرة تلك الظروف. فالقيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في حجم الألم الذي عاشه الكاتب، وإنما في قدرته على تحويل الوقائع الشخصية والسياسية والاجتماعية إلى مشروع سردي يشتغل على الإنسان العراقي وتناقضاته وتحولاته. ومن هنا، فإن السؤال النقدي الأهم ليس: ماذا عاش سلام إبراهيم؟ بل: كيف استطاع أن يحول ما عاشه إلى أدب؟
فالوقائع، مهما كانت قاسية، لا تنتج أدبًا بالضرورة؛ إذ يبدأ الأدب حين تتحول التجربة إلى رؤية، والحدث إلى بناء فني، والتجربة الفردية إلى سؤال يتجاوز صاحبها. ومنذ (رؤيا اليقين) وصولاً إلى (دونت سبيك أسطب)، يتضح أن سلام إبراهيم لم يتعامل مع الكتابة باعتبارها تسجيلاً للماضي، وإنما باعتبارها وسيلة لإعادة النظر في الإنسان والمجتمع والتاريخ. ولذلك تبدو أعماله أقرب إلى مشروع متواصل في تفكيك التجربة العراقية، لا إلى مجموعة روايات منفصلة.

الديوانية.. البدايات الأولى للمخيلة
من أكثر الجوانب دلالة في سيرة قحطان جاسم أن الديوانية لم تكن مجرد مكان للنشأة، وإنما شكلت البيئة الأولى التي تبلورت فيها مخيلة سلام إبراهيم. العائلة، الحي الشعبي، المدرسة، المقاهي، الأسواق، الحلاقون، الشعراء والمثقفون، كلها كانت فضاءات اكتشف فيها الطفل والمراهق طبقات المجتمع وتناقضاته. ومن هذه البيئة بدأ التمرد الشخصي، الذي سيتحول لاحقًا إلى تمرد سياسي ثم إلى موقف أدبي ناقد.
فالطفل الذي اصطدم بسلطة العم، والمراهق الذي رفض بعض القيود الاجتماعية، والشاب الذي تمرد على السلطة السياسية، سيصبح لاحقًا كاتبًا يضع المجتمع نفسه أمام أسئلته الصعبة. وبهذا المعنى، تبدو الكتابة امتداداً طبيعياً لشخصية تشكلت على السؤال والاعتراض، لا على التسليم بالمسلمات.
يحضر المؤلف بقوة في أعمال سلام إبراهيم، لكن حضور الذات لا يعني بالضرورة الوقوع في أسر السيرة المباشرة. فالكاتب يحول تجربته إلى مادة سردية، ويعيد توزيعها على الشخصيات والأحداث والأزمنة.
في (رؤيا الغائب) يتحول الفقد والقمع إلى سؤال عن الإنسان في مواجهة سلطة تجعل الخوف جزءاً من الحياة اليومية. وفي (الإرسي) تتسع التجربة لتشمل الجندي والحرب والهروب والتمرد، قبل أن تمتد إلى عالم الثوار أنفسهم. وهنا تظهر واحدة من أهم سمات مشروعه: تفكيك الصورة المثالية للشخصية السياسية.
فالمناضل في نصوصه ليس بطلاً مكتمل الصفات، والجندي ليس مجرد ضحية، والثوري ليس كائناً فوق التناقضات البشرية. إنهم جميعاً يتحركون داخل شبكة من الخوف والرغبة والضعف والقوة والوهم والمصلحة. وهذا ما يمنح الشخصيات بعدها الإنساني، ويخرج الرواية من خطاب التمجيد إلى منطقة أكثر تعقيداً، حيث يصبح الإنسان موضوعاً للنقد بقدر ما يكون موضوعًا للتعاطف.
يتقدم مشروع سلام إبراهيم من نقد السلطة السياسية إلى مساءلة الأيديولوجيا ذاتها. وتبدو هذه النقلة واضحة في (الحياة لحظة)، حيث لا يكتفي الكاتب باستعادة تجربة اليسار العراقي والكفاح المسلح، وإنما يعيد النظر في نتائجها وفي الشخصيات التي عاشت داخلها. وهنا تتخلى الرواية عن وظيفة تمجيد التجربة، لتصبح محاولة لفحصها من الداخل. فالكاتب لا يتحدث من موقع المؤرخ المحايد، ولا من موقع من يريد تبرئة ماضيه، بل من موقع شخص عاش التجربة ثم عاد إليها بعد مسافة زمنية وفكرية.
ومن هنا يصبح التحول الفكري في حياته جزءاً من تحوله الفني: من صناعة صورة المناضل إلى تفكيكها، ومن اليقين الأيديولوجي إلى المراجعة، ومن البحث عن النموذج المثالي إلى اكتشاف الإنسان بما فيه من تناقض. وهذه المراجعة الذاتية واحدة من أكثر النقاط أهمية في تجربته، لأنها تمنح السرد قدرة على مساءلة الماضي بدل الاكتفاء بتقديسه أو إدانته.
في روايته (في باطن الجحيم) تتخذ التجربة الشخصية بعداً آخر، حين تتحول مأساة القصف الكيميائي إلى مادة روائية. لكن قيمة العمل لا تختزل في تسجيل الواقعة؛ فالتاريخ يوثق الحدث، والشاهد يروي ما رأى، أما الروائي فيحاول استكشاف أثر الحدث في الوعي والحياة والعلاقات الإنسانية. ولهذا يتحول الموت في الرواية من واقعة عسكرية إلى تجربة إنسانية مركبة، تتداخل فيها النجاة مع الفقد، والخوف مع محاولة استعادة الحياة. وتكشف الرواية عن قدرة سلام إبراهيم على تحويل التجربة المباشرة إلى مادة تتجاوز حدود الشهادة، لتطرح أسئلة عن الحرب والإنسان والسلطة وثمن البقاء.
من السلطة إلى المجتمع
إذا كانت السلطة السياسية محوراً مهماً في بدايات مشروعه، فإن السرد يتجه لاحقاً إلى مساءلة البنية الاجتماعية نفسها. في (حياة ثقيلة) و(كل شيء ضدي) تنتقل الأسئلة إلى العائلة والعلاقات بين الرجل والمرأة والأعراف الاجتماعية والازدواجية الأخلاقية. وهنا يقترب الكاتب من منطقة أكثر حساسية؛ لأنه لا يضع السلطة السياسية وحدها موضع المساءلة، وإنما يفتش عن أشكال السلطة الموجودة داخل الأسرة والمجتمع والعلاقات اليومية. غير أن جرأة الموضوع لا تعني تلقائياً قيمته الفنية. ولذلك ينبغي أن يسأل النقد: ما الوظيفة التي يؤديها هذا الكشف داخل الرواية؟ هل يضيء الشخصية؟ هل يكشف تناقضاً اجتماعياً؟ هل يطور الصراع؟ هل يخدم البناء الفني؟ أم يتحول أحياناً إلى عنصر صادم مستقل؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من الدخول في محاكمة أخلاقية للنص.
من خصائص تجربة سلام إبراهيم اقترابه من المناطق التي اعتاد الأدب العربي، والعراقي خصوصاً، التعامل معها بحذر. فهو يقترب من العلاقات الحميمة والأعراف والازدواجية الاجتماعية بلا كثير من الأقنعة. لكن أهمية هذه الجرأة لا تكمن في مجرد تجاوز الممنوع، وإنما في مدى قدرة الكاتب على تحويل المسكوت عنه إلى معرفة بالشخصية والمجتمع. وهنا تبرز قيمة النقد؛ فليس المطلوب الاحتفاء بالجرأة لمجرد كونها جرأة، ولا رفض النص بسبب موضوعاته، وإنما فحص الطريقة التي تتحول بها هذه الموضوعات إلى بناء روائي ودلالة إنسانية.
لا تنحصر تجربة سلام إبراهيم في موضوعاتها، بل تتصل أيضاً بطريقة بناء النص. فالسرد لديه يستفيد من التفاصيل اليومية، واللغة القريبة من الحياة، وتداخل الأزمنة، والاسترجاع، وتعدد مستويات النظر إلى الحدث. وهذه التقنيات تجعل الماضي جزءاً من حركة الحكاية، لا مجرد خلفية لها.
كما أن تضييق المسافة بين المؤلف وشخصياته يمنح النصوص حرارة التجربة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً فنياً مهماً: هل تبقى الشخصية مستقلة عن صاحبها، أم تتحول إلى امتداد لصوته؟ وهذا السؤال ضروري عند دراسة أعماله من منظور العلاقة بين السيرة الذاتية والتخييل الروائي؛ إذ لا تكفي مطابقة الأحداث الروائية مع وقائع حياة الكاتب، بل ينبغي البحث في عمليات التحوير وإعادة البناء والتخييل. لعل أحد أهم التحولات في مشروع سلام إبراهيم انتقاله من مفهوم البطل إلى مفهوم الإنسان. فالبيئة السياسية التي نشأ فيها كانت تميل إلى صناعة النماذج البطولية، بينما تذهب رواياته باتجاه معاكس؛ إذ تضع الشخصيات في منطقة أكثر التباساً.
الإنسان عنده ليس بطلاً دائماً ولا ضحية دائمة، وليس خيرًا مطلقاً أو شريراً مطلقاً. إنه كائن متناقض، يخطئ ويصيب، يقاوم ويضعف، يؤمن ثم يعيد النظر في إيمانه. وهذه الرؤية هي التي تمنح الشخصيات حيويتها، لأن الأدب لا يصنع الإنسان من نموذج جاهز، بل يكتشفه في لحظات ضعفه وقوته وتردده وانكساره.
تكمن أهمية ما كتبه قحطان جاسم جواد في أنه لا يقدم سلام إبراهيم بوصفه كاتباً منفصلاً عن حياته، وإنما يرصد التفاعل بين التجربة ومنجزها الأدبي. فالطفولة، والعائلة، والحي، والمدرسة، والسياسة، والسجن، والحرب، والعمل المسلح، والمنفى، كلها تتحول إلى عناصر تساعد في فهم مصادر مشروعه السردي.
لكن من الضروري التمييز بين السيرة والتقييم الأدبي. فبعض الأحكام التي يطرحها قحطان جاسم، ولا سيما حين يصف تجربة سلام إبراهيم بأنها (أبعد وأعمق وأكثر صراحة) من تجارب روائية أخرى، تحتاج إلى مقارنات نصية حتى تتحول من انطباع نقدي إلى حكم يمكن الدفاع عنه أكاديمياً. وكذلك فإن بعض التعميمات حول (الشخصية العراقية) أو (أمراض النقاد والكتاب) تحتاج إلى أمثلة نصية وتاريخية أكثر تحديدًا. ومع ذلك، فإن قيمة السيرة لا تتراجع بسبب ذلك؛ فهي تقدم مادة غنية يمكن أن تكون مدخلاً لدراسة أوسع لمنجز سلام إبراهيم، بدل أن تكون بديلاً عن القراءة النقدية لنصوصه.
من بندقية الثائر إلى قلم الناقد
لعل عنوان التجربة كلها يمكن اختزاله في الانتقال من بندقية الثائر إلى قلم الناقد. في المرحلة الأولى كان التغيير يُرى بوصفه فعلاً سياسياً مباشراً يستهدف السلطة وبناء مجتمع جديد. أما في المرحلة اللاحقة فأصبح التغيير يبدأ من مراجعة الذات والأفكار والتجربة، ثم مساءلة المجتمع والبنى التي تنتج العنف والخوف والتناقض. وهذا ما يجعل تجربة سلام إبراهيم أكثر من سيرة مناضل سابق أو كاتب عاش المنفى والحرب؛ إنها تجربة مراجعة مستمرة للذات وللأفكار التي شكلتها. ومن (رؤيا اليقين) إلى (دونت سبيك أسطب) تتشكل أمامنا تجربة سردية تحاول أن تجعل من الرواية مساحة لاختبار الإنسان، ومن الشخصية مجالاً للصراع بين الفرد والمجتمع، ومن الماضي مادة لإعادة النظر، ومن الكتابة وسيلة لمقاومة النسيان والتزييف. ولهذا فإن قراءة سلام إبراهيم ينبغي ألا تتوقف عند سيرته، ولا عند غرابة موضوعاته، ولا عند جرأته، وإنما تتجه إلى النصوص نفسها: إلى بناء الشخصية، وتقنيات السرد، وإدارة الزمن، واللغة، وتعدد الأصوات، والعلاقة بين الواقع والتخييل.
فالسيرة تساعدنا على فهم الكاتب، لكنها لا تكفي للحكم على الأدب. وفي تقديري، فإن القيمة الأبرز في مشروع سلام إبراهيم لا تكمن في أنه كتب عن الحرب والسجن والمنفى والسياسة والعلاقات الإنسانية فحسب، وإنما في أنه حاول تحويل هذه التجارب إلى أسئلة عن الإنسان العراقي، وعن علاقته بالسلطة والمجتمع والأيديولوجيا والخوف والحرية.
وهنا تكمن المسافة بين من يروي حياته، ومن يحول حياته إلى أدب. فالأدب لا يكتسب أهميته لمجرد أنه يقول ما يخشاه الآخرون، وإنما حين يستطيع أن يحول التجربة الفردية إلى معرفة جمالية وإنسانية تتجاوز صاحبها وتبقى قابلة للقراءة بعد انقضاء زمنها.

قد يعجبك ايضا