حازم جواد: سيرة في زمن الانقسام

محمد علي محيي الدين

حازم جواد، المولود في الناصرية في أيار/مايو 1936، شخصية سياسية عراقية ارتبط اسمها بواحدة من أكثر المراحل اضطراباً ودموية في تاريخ العراق الحديث. نشأ في بيئة سياسية متصلة بالحركة القومية وحزب البعث، وكان ابن أخت فؤاد الركابي، أحد أبرز مؤسسي فرع الحزب في العراق، الأمر الذي أتاح له منذ وقت مبكر الاقتراب من دوائر العمل السياسي والتنظيمي، قبل أن يصبح هو نفسه واحداً من أبرز وجوه البعث العراقي في مرحلة ما قبل انقلاب الثامن من شباط 1963

اعتُقل جواد في تشرين الثاني/نوفمبر 1958، في عهد عبد الكريم قاسم، لكنه تمكن في كانون الثاني/يناير 1959 من الفرار إلى سوريا، حيث واصل نشاطه السياسي والتنظيمي. ومع تصاعد التوتر بين القوى القومية واليسارية وبين حكومة قاسم، أصبح من العناصر البعثية المؤثرة في التحضير للانقلاب الذي وقع في 8 شباط/فبراير 1963، والذي أطاح بحكومة قاسم وفتح الباب أمام مرحلة جديدة اتسمت بالصراع الدموي على السلطة.

بعد نجاح الانقلاب، تولى حازم جواد منصب وزير الداخلية، ثم وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية، وكان قريباً من مركز القرار السياسي في تلك المرحلة. وتصفه بعض الشهادات والكتابات بأنه كان من أبرز المخططين للحركة، بل إن الباحث الراحل علي كريم، في مقدمته لكتاب «عراق 8 شباط 1963: من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعة في ذاكرة طالب شبيب»، الصادر عن دار الكنوز عام 1999، عدّه واحداً من الشخصيات الأربع التي لا يمكن، في نظره، فهم صورة انقلاب شباط من دون الاستماع إلى شهاداتها، إلى جانب علي صالح السعدي وطالب شبيب وأحمد حسن البكر.
وفي الصراع الذي احتدم داخل حزب البعث بعد الوصول إلى السلطة، مثّل حازم جواد الاتجاه الأكثر اعتدالاً، في مقابل التيار الذي قاده علي صالح السعدي، والذي اتسم بخطاب أكثر تشدداً. وانتهى الصراع بانتصار الجناح الذي مثله جواد في تلك المرحلة، وإبعاد السعدي ومجموعة من رفاقه إلى إسبانيا. غير أن الانقسامات الداخلية لم تكن مجرد خلافات شخصية، وإنما عكست أزمة أعمق داخل تجربة البعث العراقي، تتصل بتعارض التصورات حول طبيعة السلطة، ودور الجيش، والعلاقة بين التنظيم المدني والعسكري، ومستقبل الدولة العراقية بعد انقلاب شباط.
وفي تلك السنوات، وجد حازم جواد نفسه في قلب الأحداث الإقليمية أيضاً. فقد رافق رئيس الجمهورية عبد السلام عارف في لقاءاته مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، حيث بحثت آنذاك التهديدات السياسية والعسكرية التي كانت تواجه العراق ومصر، فضلاً عن مشروع الوحدة الثلاثية بين العراق ومصر وسوريا. وكانت المنطقة كلها تعيش آنذاك على وقع مشاريع الوحدة العربية والانقلابات العسكرية والصراع الدولي على النفوذ، وهي ظروف جعلت العراق ساحة مفتوحة لتداخل القومي واليساري والعسكري والدولي.
لكن تجربة حازم جواد السياسية لم تستمر طويلاً في الحكم. فقد غادر العراق، وانتهى به الأمر مقيماً في بريطانيا، حيث ابتعد عن الأضواء لسنوات طويلة، ولم يكن كثير الظهور في وسائل الإعلام أو في المناسبات التي تستعيد أحداث شباط 1963. وبعد عقود من الصمت، عاد إلى الحديث عن تلك المرحلة من خلال مذكراته التي حملت عنوان «سفر البعث وتاريخ المنفى»، متناولاً فيها تجربته داخل الحزب، وانقلاب الثامن من شباط، والانقسامات البعثية، ثم سنوات المنفى.
وقد أثارت مذكراته، كما كان متوقعاً، اهتماماً واسعاً وجدلاً كبيراً؛ فشهادات المشاركين في الأحداث التاريخية لا تكون مجرد استعادة للوقائع، بل تصبح جزءاً من الصراع على الذاكرة نفسها. وكلما ابتعد الحدث في الزمن، ازدادت الرغبة في إعادة تفسيره، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بانقلاب أودى بحياة عبد الكريم قاسم وعدد كبير من الضباط والمدنيين، وفتح الباب أمام مرحلة من العنف السياسي تركت آثارها العميقة في المجتمع العراقي.
وفي مقال أحمد حمودي ربيعة، «مذكرات حازم جواد وذيل الكلب الذي لن يستقيم»، المنشور في «الحوار المتمدن»، العدد 760 في الأول من آذار/مارس 2004، تظهر قراءة نقدية شديدة لمذكرات جواد، إذ رأى الكاتب أن العودة إلى تلك الأحداث لا يمكن فصلها عن طبيعة الصراع على تفسير انقلاب شباط ونتائجه. وعلى الرغم من أن المقال يحمل موقفاً سياسياً واضحاً وحاداً من تجربة البعث، فإنه يلفت الانتباه إلى مسألة مهمة في كتابة التاريخ: وهي أن ذاكرة المشاركين لا تكفي وحدها، بل ينبغي مقارنتها بشهادات متعددة، ووثائق، ومذكرات، ودراسات مستقلة.
ومن بين المصادر التي استند إليها المقال كتاب علي كريم عن انقلاب شباط، وكتاب هاني الفكيكي «أوكار الهزيمة»، وشهادات وردت في برامج ووثائقيات تناولت عبد الكريم قاسم، إضافة إلى كتاب حنا بطاطو عن العراق، ومذكرات وشهادات عدد من المشاركين في أحداث تلك المرحلة. وتكمن أهمية هذه المصادر في أنها تضع شهادة حازم جواد ضمن شبكة واسعة من الروايات المتعارضة، بحيث يصبح المؤرخ أمام مهمة التحقق والمقارنة، لا مجرد نقل رواية طرف واحد.
وكان عبد الكريم قاسم يمثل في تلك المرحلة محوراً أساسياً في الصراع السياسي العراقي. وبعد انقلاب شباط، انتهت حياته في مبنى الإذاعة والتلفزيون، إلى جانب طه الشيخ أحمد والمهداوي وكنعان حداد. وقد أصبحت اللحظات الأخيرة من حياة هؤلاء مادة لكثير من الروايات والشهادات المتناقضة، خصوصاً ما يتعلق بموقفهم أمام الموت ومدى تماسكهم في الساعات الأخيرة.
ومن الشخصيات التي يبرزها النص بصورة خاصة الزعيم الركن طه الشيخ أحمد، الذي كان واحداً من كبار الضباط العراقيين، وصاحب حضور فكري وسياسي سابق على ثورة 14 تموز. وتكشف سيرته، كما ترد في المصادر التي أوردها المقال، عن نموذج مختلف للعسكري العراقي الذي لم يكن منفصلاً تماماً عن الحياة الفكرية والسياسية. فقد تلقى تعليماً عسكرياً وقانونياً، وارتبط بالأفكار الوطنية والتقدمية، وأسهم في تشكيل تنظيمات سياسية بين الضباط، قبل أن يعود إلى الجيش بعد ثورة تموز بناءً على إصرار عبد الكريم قاسم.
وتتخذ شخصية طه الشيخ أحمد أهميتها من كونها تمثل، في قراءة المقال، نموذجاً لضابط خرج من المؤسسة العسكرية إلى فضاء المجتمع والسياسة ثم عاد إلى الجيش بخبرة أوسع. وقد أشار حنا بطاطو في الجزء الثالث من كتابه عن العراق إلى مكانته بين الضباط المؤثرين في السنوات الأولى من الثورة، وإلى تأثيره في الحياة السياسية والعسكرية آنذاك. كما ترد عنه شهادات في «شهداء الحزب الشيوعي العراقي» وفي كتابات ثابت حبيب العاني وغيرها.
أما نهايته في 8 شباط، فقد أصبحت جزءاً من الذاكرة العراقية المرتبطة بذلك اليوم. وتروي إحدى الشهادات المنقولة عن عبد الغني الراوي، الذي كان ضمن المجموعة التي نفذت الإعدام، أن طه الشيخ أحمد والمهداوي رددا عبارات مرتبطة بالحزب الشيوعي العراقي قبل إطلاق النار عليهما. وسواء اتفق الباحث مع كل تفاصيل هذه الشهادة أم لا، فإن تعدد الروايات حول اللحظات الأخيرة يكشف حجم الصراع الذي نشأ لاحقاً حول صورة الضحايا وصورة المنفذين معاً.
ولم يكن الصراع على الذاكرة محصوراً في شخص قاسم أو الضباط الذين أُعدموا معه. فقد ظل اسم سلام عادل، السكرتير الأول للحزب الشيوعي العراقي، حاضراً في الروايات المتعلقة بقصر النهاية والتعذيب والاعتقالات التي رافقت مرحلة انقلاب شباط. وقد شكلت قضية سلام عادل، خصوصاً، جزءاً من الذاكرة الشيوعية والوطنية العراقية، وتحولت حياته ونهايته إلى رمز من رموز الصراع بين السلطة والمعارضة في العراق.
ومن هنا تبدو أهمية مذكرات حازم جواد، ليس بالضرورة بوصفها الرواية النهائية لما حدث، وإنما باعتبارها شهادة أحد المشاركين في صناعة الحدث نفسه. فالشخصية التي كانت في قلب القرار تصبح، بعد مرور عقود، مصدراً تاريخياً مهماً، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى قراءة نقدية تقارن بين ما تقوله وما قاله الآخرون، وبين ما تثبته الوثائق وما بقي في دائرة الذاكرة الشخصية.
لقد كان انقلاب 8 شباط 1963 نقطة تحول حاسمة في التاريخ العراقي. فهو لم يكن مجرد تغيير في الحكومة، وإنما لحظة انفجار للصراع بين تيارات سياسية واجتماعية متناقضة، وسرعان ما تحول الصراع السياسي إلى عنف واسع النطاق. ومن الصعب فهم ما جرى في السنوات اللاحقة من دون العودة إلى تلك التجربة، التي أسهمت في ترسيخ تقاليد الانقلاب والعنف السياسي والتصفية الحزبية، وهي تقاليد ستظهر بأشكال أشد قسوة في مراحل لاحقة من تاريخ العراق.
وحين غادر حازم جواد العراق إلى بريطانيا، حمل معه ذاكرة مرحلة كاملة، وظل بعيداً عن المشهد العام سنوات طويلة. ثم عاد، في زمن مختلف تماماً، ليقدم روايته عن الأحداث. وهنا تكتسب سيرته بعداً يتجاوز شخصه؛ فهي تكشف مأزق السياسي الذي يعيش طويلاً مع أحداث الماضي، ثم يجد نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيبها عندما يتغير الزمن وتتغير صورة الأشخاص والأحزاب في الذاكرة العامة.
كان حازم جواد، في شبابه، أحد صانعي مرحلة سياسية شديدة التأثير في العراق، وكان لاحقاً واحداً من شهودها الباقين على قيد الحياة. وبين الدورين تتسع المسافة التي تفصل بين صناعة الحدث وكتابة الذاكرة. ولذلك فإن قراءة تجربته تظل بحاجة إلى قدر من الحذر التاريخي؛ فالمذكرات لا تعيد الماضي كما وقع بالضرورة، وإنما تعيد بناءه من خلال ذاكرة صاحبها، وموقعه السياسي، وما بقي في وعيه من أحداث وصراعات.
وهكذا تبقى سيرة حازم جواد مرتبطة بسؤال أكبر من سيرته الشخصية: كيف يكتب العراقيون تاريخ اللحظات التي انقسموا حولها، وكيف يمكن التمييز بين شهادة من عاش الحدث وبين الرواية التي يصنعها الزمن؟ وربما تكمن قيمة هذه السيرة في أنها تفتح الباب أمام قراءة أكثر اتزاناً لمرحلة 1963، قراءة لا تكتفي برواية المنتصر أو المهزوم، وإنما تجمع الشهادات والوثائق وتضعها أمام ميزان التاريخ، حيث لا تكفي الذاكرة وحدها، ولا يستطيع الزمن، مهما طال، أن يلغي آثار الأحداث الكبرى من وجدان الشعوب.

اعتمدت هذه السيرة على: مقال أحمد حمودي ربيعة «مذكرات حازم جواد وذيل الكلب الذي لن يستقيم»، المنشور في «الحوار المتمدن»، العدد 760، 1 آذار/مارس 2004؛ كتاب علي كريم «عراق 8 شباط 1963: من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعة في ذاكرة طالب شبيب»، دار الكنوز، 1999؛ كتاب هاني الفكيكي «أوكار الهزيمة»؛ كتاب حنا بطاطو «العراق»؛ «شهداء الحزب الشيوعي العراقي»، الجزء الأول، بيروت، 2001؛ إضافة إلى الشهادات والبرامج والمواد الصحفية التي أشار إليها النص الأصلي في تناوله لانقلاب 8 شباط وأحداثه.

قد يعجبك ايضا