عندما يكون الحيوان طرفًا في الدعوى: هل يمكن أن تكون للحيوان حقوقٌ قانونية؟

د. نوري جاسم ..

ماذا لو وقفنا أمام قاعة المحكمة، وكانت القضية لا تتعلق بإنسان يطالب بحقه، ولا بشركة تدافع عن مصالحها، وإنما بحيوان وقع عليه اعتداء أو تعرض للتعذيب أو الحبس أو الإهمال؟ ومن الذي يملك حق التحدث أمام القاضي إذا كان صاحب المصلحة لا يستطيع الكلام؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى غريبًا أو أقرب إلى الخيال القانوني، إلا أنه في الحقيقة يلامس واحدة من أكثر المسائل إثارة في الفكر القانوني المعاصر، وهي مسألة المركز القانوني للحيوان: هل الحيوان مجرد مال يقع عليه حق الملكية، أم أنه كائن حي يمكن أن تكون له مصلحة قانونية مستقلة، بل وربما حقوق قانونية قابلة للحماية القضائية؟ لقد نشأ القانون التقليدي على تقسيم واضح بين الأشخاص والأشياء؛ فالإنسان شخص طبيعي يتمتع بالشخصية القانونية، والشخص الاعتباري كالشركة أو المؤسسة يمكن أن يعترف له القانون بشخصية مستقلة، أما الحيوان فقد جرى التعامل معه في كثير من النظم القانونية باعتباره مالًا أو محلًا للملكية، وإن كانت التشريعات الحديثة قد أخذت تدريجيًا في تجاوز هذه النظرة من خلال فرض واجبات على الإنسان تجاه الحيوان وتجريم بعض صور القسوة والتعذيب والإهمال. وهنا تظهر نقطة دقيقة: وجود حماية قانونية للحيوان لا يعني بالضرورة أن القانون اعترف له بشخصية قانونية، كما أن منع تعذيب الحيوان لا يعني تلقائيًا أن الحيوان أصبح صاحب حق بالمعنى الفني الكامل؛ ولذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور متقاربة في الظاهر ومختلفة في الأثر: حماية الحيوان، والاعتراف بمصلحته القانونية، والاعتراف له بحق قانوني مستقل. فالقانون يستطيع أن يفرض على الإنسان واجبًا بعدم تعذيب الحيوان حتى من دون أن يجعل الحيوان شخصًا قانونيًا، كما يستطيع أن يتطور إلى الاعتراف بأن للحيوان مصلحة مستقلة تستحق الحماية القضائية، دون أن يمنحه بالضرورة جميع الحقوق التي يتمتع بها الإنسان. ومن هنا يبدأ السؤال الأكثر عمقًا: هل يشترط القانون أن يكون صاحب الحق قادرًا بنفسه على التعبير عن إرادته ومباشرة إجراءات التقاضي؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكشف أن ممارسة الحق شيء، وامتلاك الحق شيء آخر؛ فالطفل، مثلًا، يمكن أن يكون صاحب حقوق قانونية رغم عدم قدرته على مباشرة الخصومة بنفسه، ويتولى وليه أو وصيه أو ممثله القانوني ممارسة الإجراءات اللازمة لحماية مصالحه. وكذلك فإن الشخص الاعتباري لا يتكلم أو يتحرك بذاته، وإنما يمارس حقوقه من خلال ممثلين طبيعيين. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح أكثر تحديدًا: هل يستحيل من الناحية القانونية أن يكون الحيوان صاحب مصلحة أو حق محدود، على أن يمارس الإنسان هذه الحقوق نيابة عنه؟ هذه الفكرة لم تعد مجرد نقاش فلسفي؛ فقد شهدت بعض الأنظمة القضائية المقارنة قضايا حاولت الانتقال بالحيوان من مجرد محل للحماية إلى كائن ذي مصلحة قانونية تستحق الاعتبار. ومن أشهر الأمثلة قضية الشمبانزي «سيسيليا» في الأرجنتين، حيث استُخدمت دعوى الـHabeas Corpus في سياق قضائي أثار نقاشًا واسعًا حول إمكان تطبيق أدوات قانونية صممت أساسًا لحماية حرية الإنسان على حيوان محتجز في ظروف قاسية، وانتهت القضية إلى نقلها إلى ملاذ للحيوانات في البرازيل. كما ظهرت في أمريكا اللاتينية اتجاهات دستورية وقضائية أكثر اتساعًا في النظر إلى الحيوانات والطبيعة، ولا سيما في الإكوادور وكولومبيا، حيث أصبح النقاش يتجاوز مجرد الرفق بالحيوان إلى البحث في الطبيعة والمخلوقات غير البشرية بوصفها موضوعًا لمصالح وحقوق يمكن أن تحظى بالحماية القانونية. ويزداد الأمر إثارة عندما نصل إلى مفهوم «حقوق الطبيعة»، إذ اعترف الدستور الإكوادوري بحقوق للطبيعة، الأمر الذي فتح بابًا واسعًا أمام الفقه والقضاء للتساؤل حول حدود هذه الحقوق وعلاقتها بالحيوانات والكائنات الحية. غير أن الاعتراف بحقوق الطبيعة لا يعني تلقائيًا أن كل حيوان أصبح شخصًا قانونيًا، وهذه نقطة ينبغي الحفاظ عليها بدقة حتى لا يتحول النقاش القانوني إلى مجرد خطاب عاطفي. فالمسألة الحقيقية تتعلق بإعادة النظر في الحدود التقليدية لمفهوم الشخصية القانونية، وبحث إمكانية وجود مركز قانوني خاص للحيوانات يقوم على الاعتراف لها بحقوق محددة تتناسب مع طبيعتها، مثل الحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية، دون أن يعني ذلك مساواتها بالإنسان في جميع الحقوق والالتزامات. وهنا تبرز مفارقة قانونية تستحق التأمل: إذا كان القانون يستطيع أن يمنح الشخصية الاعتبارية لكيان غير بشري، كالشركة أو المؤسسة، مع أنه لا يشعر بالألم ولا يملك إرادة بيولوجية، فلماذا يكون من المتعذر من حيث المبدأ الاعتراف لبعض الكائنات الحية بمركز قانوني محدود يستند إلى كونها كائنات قادرة على الإحساس بالألم والمعاناة؟ إن المقارنة هنا لا تعني المساواة بين الحيوان والشركة أو الإنسان، وإنما تكشف أن الشخصية القانونية في ذاتها ليست مفهومًا طبيعيًا ثابتًا، بل بناء قانوني يحدد المشرع من خلاله من يستطيع أن يكون صاحب حقوق والتزامات وكيفية ممارسة هذه الحقوق. ولذلك يمكن تصور نموذج قانوني لا يجعل الحيوان «شخصًا» بالمعنى الكامل، لكنه يمنحه حقوقًا محددة ويعين له ممثلًا قانونيًا عند الحاجة. وعندئذ يمكن أن نتصور قضية أكثر تعقيدًا: إذا تعرض حيوان للتعذيب، فمن صاحب الحق في تحريك الدعوى؟ مالكه؟ جمعية الرفق بالحيوان؟ النيابة العامة؟ أم يمكن أن ينص القانون على أن الحيوان ذاته هو صاحب المصلحة، وأن الجمعية أو الجهة المختصة لا تفعل سوى ممارسة حق التقاضي نيابة عنه؟ وإذا كان مالك الحيوان هو المعتدي عليه، فإن اعتبار الحيوان مجرد مال مملوك قد يؤدي إلى مفارقة واضحة؛ لأن الشخص الذي يملك الشيء يصبح في الوقت نفسه مصدر الاعتداء عليه، بينما يصبح الحيوان بلا مركز مستقل يستطيع من خلاله القانون حمايته. ومن هنا يمكن أن يكون الانتقال من «ملكية الحيوان» إلى «حماية مصلحته» خطوة قانونية مهمة، حتى لو لم نصل إلى الاعتراف له بالشخصية القانونية الكاملة. أما من الناحية الدستورية، فإن المسألة تفتح بابًا أوسع للتساؤل حول طبيعة الحقوق الدستورية وحدود أصحابها، وهل يمكن أن تمتد بعض مظاهر الحماية الدستورية إلى كائنات غير بشرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي الإطار العراقي، يكتسب الموضوع أهمية خاصة عند دراسة النصوص القانونية المتعلقة بالملكية والحيازة والإضرار بالحيوان والرفق به، والبحث في ما إذا كانت الحماية التي يوفرها التشريع للحيوان تقوم على حماية مصلحة مالكه أو المجتمع أو النظام العام، أم أنها تتضمن اعترافًا بمصلحة الحيوان ذاته. وهذا التمييز ليس شكليًا؛ لأنه إذا كانت الحماية مقررة لمصلحة الإنسان وحده، فإن الحيوان يظل موضوعًا للحماية، أما إذا كان القانون يحمي الحيوان لذاته باعتباره كائنًا قادرًا على الألم والمعاناة، فإننا نكون أمام تطور مهم في فلسفة الحماية القانونية، حتى لو لم نصل إلى مرحلة الاعتراف له بالشخصية القانونية. ومن هنا فإن مستقبل القانون قد لا يكون في السؤال التقليدي: «هل الحيوان شخص قانوني أم لا؟»، وإنما في سؤال أكثر واقعية ودقة: «ما الحقوق التي يمكن أن يعترف بها القانون للحيوان، ومن يملك تمثيله أمام القضاء؟». فربما لا يحتاج الحيوان إلى أن يصبح إنسانًا في نظر القانون حتى يستحق الحماية، وربما لا يحتاج إلى شخصية قانونية كاملة حتى تكون له مصلحة قانونية معتبرة، وربما يكون الطريق الأكثر اتزانًا هو إنشاء مركز قانوني خاص يقر له مجموعة محددة من الحقوق ويضع آليات واضحة للدفاع عنها. وفي النهاية، فإن السؤال الذي بدأنا به يعود بصورة أكثر عمقًا: عندما يكون الحيوان هو المتضرر، فمن يتحدث أمام القاضي باسمه؟ قد تكون الإجابة اليوم مختلفة من نظام قانوني إلى آخر، وقد لا يعترف القانون في كثير من الدول للحيوان بالشخصية القانونية المستقلة، لكن تطور التشريعات والاجتهادات القضائية يكشف أن العلاقة بين الإنسان والحيوان لم تعد مسألة ملكية فحسب، بل أصبحت موضوعًا قانونيًا وأخلاقيًا ودستوريًا يتصل بمفهوم العدالة ذاته. وربما يكون التحدي الحقيقي أمام القانون في المستقبل ليس أن يجعل الحيوان «إنسانًا»، وإنما أن يحدد بدقة أين يقف الحيوان بين مفهوم «الشيء» ومفهوم «الشخص»، وما مقدار الحماية التي يستحقها بوصفه كائنًا حيًا لا يستطيع أن يرفع صوته أمام المحكمة، لكنه يستطيع أن يتألم؛ والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام فقهاء القانون ومشرعيه هو: إذا كان القانون يستطيع أن يمنح صوتًا قانونيًا لمن لا يستطيع الكلام، فلماذا لا يستطيع أن يجد طريقًا إلى تمثيل كائن لا يستطيع أن يتكلم أصلًا؟ وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا