د. نجاح طاهر العميشي… مثقف يقرأ بوعي

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست قيمة المثقف في كثرة ما يكتب، ولا في حدود تخصصه الأكاديمي، وإنما في قدرته على توسيع دائرة المعرفة، وربط الأفكار بالتجربة الإنسانية. ومن هذا المنظور أتوقف عند الدكتور نجاح طاهر العميشي، المثقف والأكاديمي الحاصل على الدكتوراه في العلوم الزراعية، الذي أجد في اهتمامه بالأدب والسيلسة والفكر صورة للمثقف المنفتح على مجالات المعرفة المختلفة.
ما يميز قراءة الدكتور نجاح، في تقديري، هو أنها تنطلق من حس ثقافي يتجاوز حدود التخصص. فأن يكون المرء أكاديميا في العلوم الزراعية ثم يمتلك اهتماما بالأدب والفكر، يعني أن الثقافة لديه ليست شهادة تضاف إلى السيرة، بل ممارسة ذهنية وانفتاح مستمر على تجارب الآخرين.

والقارئ الواعي لا يكون مجرد متلق لما يكتبه المؤلف؛ إنه شريك في إنتاج الدلالة. فقد يكتب الكاتب تجربته من زاوية معينة، ثم يأتي القارئ ليضيء جانبا آخر منها، أو يلفت إلى سؤال لم يكن حاضرا بصورة واضحة أثناء الكتابة. وهنا تتحول القراءة إلى حوار بين تجربتين: تجربة الكاتب وتجربة القارئ.
ما كتبه الدكتور نجاح طاهر العميشي في مقال له نشر على موقع الحوار المتمدن العدد 14720 (عندما اختطفت زمرة البعثيين مطار طاشقند) ليس مجرد استعادة لرحلة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي، بل شهادة شخصية تفتح نافذة على مرحلة عراقية شديدة التعقيد، عاش فيها الطلبة العراقيون في الخارج بين حلم التفوق العلمي والعودة إلى الوطن، وبين واجبهم في مواجهة نظام صادر الحرية وطارد معارضيه حتى خارج الحدود.
أجمل ما في السرد أنه يبدأ من تفاصيل تبدو بسيطة: رحلة القطار الطويلة من موسكو إلى طاشقند، الروبلات الخمسة التي لم تكن تكفي لثلاثة أيام، وكرم العائلة الأوزبكية التي تقاسمت طعامها مع مسافر غريب. مثل هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الذاكرة صدقها الإنساني، وتجعل التاريخ قريبا من القارئ لا مجرد مجموعة من الأحداث والتواريخ.
ثم ينتقل السرد تدريجيا من الرحلة الشخصية إلى واقعة أكثر خطورة، هي حادثة اقتحام مطار طاشقند من قبل طلبة بعثيين، وما رافقها من عنف واحتجاز للعاملين ومفاوضات مع السلطات السوفيتية. وهنا تتحول التجربة الفردية إلى جزء من تاريخ أوسع يتعلق بالصراع السياسي بين الطلبة العراقيين في الخارج، وما تركته سياسات النظام البعثي من انقسامات ومواجهات.
وتزداد أهمية النص حين يستعيد أسماء رفاق وشخصيات لم تعد حاضرة إلا في ذاكرة من عرفوهم، ومنهم سمير مهدي شلال الذي يشير الكاتب إلى استشهاده لاحقا في مجزرة بشتاشان، وكذلك الرفيق عز الدين الذي تعرض لاعتداء بالغ الخطورة وترك آثارا جسدية دائمة.
إن قيمة مثل هذه الشهادات أنها تحفظ ما قد لا تجده في الكتب الرسمية. فالتاريخ لا تصنعه القرارات الكبرى وحدها، وإنما تصنعه يضاً حياة الطلبة، والقطارات، والمطارات، والغرف الجامعية، والصداقات، والخوف، والمطاردة، والتضامن الإنساني.
الدكتور نجاح العميشي لا يستعيد هنا مرحلة من حياته فحسب، بل يستعيد جزءاً من ذاكرة جيل عراقي حمل معه العلم والحلم والوطن، ووجد نفسه في قلب صراع سياسي لم يختره، لكنه اضطر إلى التعامل مع نتائجه.
لهذا أرى أن تدوين هذه الذكريات مسؤولية ثقافية، لأنها تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى تاريخها من خلال أصوات من عاشوا التجربة، بكل ما فيها من تفاصيل إنسانية وألم وأمل.

قد يعجبك ايضا