عرض بغداد على الشركات الالمانية يمكن أن يبدأ من أربيل

انس الشيخ مظهر

حين عرض رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي على رجال الأعمال والشركات الألمانية حزمة تسهيلات وحوافز للاستثمار في العراق، في الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، بدا الهدف واضحاً , جذب رأس المال الألماني إلى السوق العراقية. لكن يمكن قراءة العرض في اربيل بصورة مختلفة تماماً. لا كسباق بين بغداد وأربيل على المستثمر نفسه، بل كفرصة لبناء نموذج اقتصادي تتكامل فيه إمكانات بغداد الاتحادية مع موقع كوردستان وبنيتها وخبرتها، فتتعامل الشركات الأجنبية مع العراق كسوق واحدة، متعددة المنصات.

والمفارقة أن معظم ما طرحته بغداد في ألمانيا ليس جديداً على كوردستان. قانون الاستثمار في الإقليم رقم 4 لسنة 2006 يضمّ أصلاً إعفاءات ضريبية، وتسهيلات في تخصيص الأراضي وإدخال المعدات، وضمانات للمستثمر، وهيئة متخصصة تدير العملية. أي أن كوردستان لا تبدأ من الصفر، بل تملك أساساً قانونياً ومؤسسياً جُرّب لعقدين كاملين. يمكن تطوير هذا الأساس إلى عرض أكثر جاذبية إذا قُدّم الإقليم كبوابة للإنتاج والتوسع داخل السوق العراقية، لا كسوق محلية منعزلة.

لكن القانون كُتب في زمن آخر. والإعفاء الذي يمنح الجميع الشيء نفسه لم يعد كافياً وحده في محيط إقليمي يتنافس على رأس المال. الأجدى أن يُربط حجم الحوافز بالأداء “عدد الوظائف المستحدثة، نسبة المدخلات المحلية، نقل التكنولوجيا، حجم الصادرات”.

والانتقال المطلوب هنا هو من فكرة “جذب الشركات الألمانية” إلى فكرة “منصة صناعية تخدم السوق العراقية والإقليمية”. فالشركة التي تبني مصنعاً في أربيل وتبيع في بغداد والبصرة والموصل والنجف وكربلاء تدخل في دورة اقتصادية أوسع بكثير من شركة تكتفي بمكتب تجاري للاستيراد. لذلك ينبغي التركيز على شركات قادرة على نقل جزء من إنتاجها وتقنياتها إلى الإقليم , مثل الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، والمعدات والأجهزة الكهربائية، والأتمتة، وقطع الغيار، والزراعة الحديثة. قطاعات تجمع بين الإنتاج المحلي وفرص العمل ونقل المعرفة في آن واحد.

من هذه الفكرة تُبنى منطقة صناعية ألمانية متخصصة، لا كتجمّع تقليدي للمصانع، بل كمنظومة متكاملة , تشمل أرض وبنية تحتية وطاقة وطرق ومخازن ومراكز صيانة وتوزيع، إلى جانب نافذة استثمارية تختصر الإجراءات وتمنح المستثمر مساراً واضحاً من دراسة المشروع إلى الترخيص وبدء الإنتاج.

والطاقة تحديداً هي ما يمنح كوردستان أفضليتها . في منطقة صناعية تعمل بغاز الإقليم بدلا من حرقه، مدعومة بالطاقة الشمسية وكهرباء متصلة على مدار الساعة، لا تخفّض كلفة الإنتاج فحسب، بل تفتح باباً نحو السوق الأوروبية التي تتجه إلى فرض رسوم على البضائع المستوردة وفق حجم انبعاثات تصنيعها. منطقة تملك عدادات طاقة موثقة وشهادات انبعاثات معتمدة تستطيع أن تبيع نفسها كمكان يصنع فيه المستثمر من دون أن يخسر سوقه الأوروبية. ولا توجد اليوم في العراق ولا في محيطه القريب منطقة تسوّق نفسها بهذا المنطق. وهذه فجوة، لكنها فجوة تُملأ بالتصميم المبكر، لا بالإصلاح اللاحق.

مع الوقت، يمكن لهذه المنطقة أن تتحول إلى مركز صناعي ولوجستي يخدم الشركات الداخلة إلى السوق العراقية، ويمنحها التوسع في بقية المحافظات من دون أن تبني كل شركة منظومتها من الصفر. ولا ينبغي أن تتوقف الرؤية عند ألمانيا وحدها؛ فنجاح التجربة الأولى قد يجذب شركات من تركيا والصين واليابان وكوريا ودول أوروبية أخرى، فتتحول كوردستان تدريجياً إلى مركز إقليمي للمناطق الصناعية والاستثمارات الدولية. فالشركة الأجنبية لا تبحث عن الإعفاء الضريبي وحده، بل تنظر إلى كلفة النقل والطاقة والعمالة، وسرعة الترخيص، وقدرة الموقع على أن يكون قاعدة للتوسع لا مجرد مكان للإنتاج.

وهنا يضيف طريق التنمية بعداً استراتيجياً , في ربط المناطق الصناعية ومراكز التخزين في الإقليم بشبكات النقل العراقية والإقليمية والتي تجعل من كوردستان جزءاً من منظومة تجارية تربط الخليج بتركيا وأوروبا. لكن السوق الأقرب ليست في أوروبا , فاعادة إعمار الموصل ونينوى ومدن الشمال التي دمّرها داعش، ومشاريع الكهرباء والماء والإسكان، طلب قائم اليوم على بعد ساعات من أربيل. ومشروع يجد زبونه الأول قبل أن يكتمل الطريق إلى أوروبا هو مشروع قابل للتمويل، لأن المستثمر يرى فيه طلباً حقيقياً لا وعداً.

لكن القيمة الأكبر لهذه الفرصة لا تكمن في الاستثمار الألماني وحده، بل في تحويله إلى نموذج عملي للعلاقة بين أربيل وبغداد. بغداد تملك حجم السوق والإمكانات الاتحادية والقدرة على فتح أبواب التواصل مع المستثمرين. وكوردستان تملك الموقع والبنية والخبرة المتراكمة في استضافة المشاريع الأجنبية. وضمن إطار واحد، لا يعود ما يقدّمه كل طرف عنصراً منافساً للآخر، بل مكوّناً في سوق أكبر وأكثر جاذبية.

وهذا التكامل ليس شعاراً، بل ملفات محددة يمكن البدء بها فوراً , باتفاق واضح بين الحكومتين على التعامل مع الاستثمار الألماني كمشروع عراقي مشترك “الشركة تنتج في كوردستان وتصل إلى أسواق بغداد والجنوب وبقية المحافظات، وتستفيد في الوقت نفسه من المؤسسات والخدمات الاتحادية” . عندها يصبح المصنع المقام في أربيل مرتبطاً فعلياً بالاقتصاد العراقي كله، ويصبح توسعه مصلحة للطرفين، بدلا من أن يُنظر إلى الاستثمار في الإقليم كنشاط منفصل.

وهذه المصالح المشتركة تمنح العلاقة بين بغداد وأربيل بعداً مختلفاً، لأنها تخلق دوافع عملية للتعاون تتجاوز الملفات التي طغت عليها الخلافات السياسية والدستورية. فحين ترتبط شركات ومصانع وأسواق وفرص عمل بنجاح الطرفين معاً، يصبح تعطيل المشاريع مكلفاً على الجميع. لا يعني ذلك أن الخلافات ستختفي، بل أن إدارتها ستجري فوق أرضية أكثر استقراراً.

اذا الفكرة هي أن تُستخدم الفرصة الألمانية لبناء نموذج جديد للعلاقة بين اربيل وبغداد تقوم على فكرة تحويل إمكانات كل طرف إلى إضافة ومكمل لإمكانات الآخر. عندها لا يرى المستثمر حدوداً إدارية تفصل بين فرص السوق العراقية، بل منظومة واحدة يعمل ويتوسع داخلها. ولهذا تستحق الفرصة الألمانية أن تُعامل كاختبار عملي لقدرة بغداد وأربيل على الانتقال من منطق تقاسم الفرص إلى منطق صناعتها.

قد يعجبك ايضا