المورِد

د. صباح ايليا القس  

 

 

كلمة المورِد لغويا تعني المنهل او مكان شرب الماء الصافي .. ولكن لهذه الكلمة في المجاز اللغوي معنى آخر هو مصدر العلم ، او الحكمة ، او الخير ..

ومن كلمة المجاز جاءت تسمية المجلة التراثية التي تصدرها وزارة الاعلام ابتداء منذ عام 1971 م ..

انها خاصة في مجال التراث على تعدد اشكاله وادواته ومقاصده وربما يختص بها الرجال الكبار ولا يكاد يعنى بها الشباب إلا نادرا .

التراث على اي شكل قصدت هو من حصة المتخصصين في البحث القديم وهو على الاغلب لا يهتم به الشباب . اذ للشباب وسائلهم وطرائقهم وهم على عجلة من امرهم على الاغلب ، والتراث بحاجة الى صبر الشيوخ عند البحث او الكتابة ، والكبار اكثر احتمالا واكثر تجربة . والبحث في التراث لا يأتي من العدم ولا يكون الا لمن كانت هوايته القراءة وجمع الكتب مع عقل نشيط في البحث والاستنتاج ، والكبار قد نذروا انفسهم لمثل هذه المهمات ..

البحث في التراث لا يكون هواية بل قرار يشتمل على التحدي وصبر تعجز عنه الناقة والجمل والكبار يدخلون الى هذا باختيارهم بل هم يتبادلون اسرار هذه المهنة كلٌّ في تخصصه .. وللمهنة اسرارها في الكشف والتحقيق والانتاج وقد لا يبوح احد بسره الى اقرب المقربين حتى ينجز بحثا او كتابا اذ ان كل كتاب قديم تقوم عليه دراسة يعد ثروة ابداعية وتراثية جديدة يتباهى بها القائم عليها ويعقد العزم على المضي الى مشاوير اخرى في هذا الخط حتى خط النهاية .

هكذا كان صدور العدد الاول من مجلة المورِد بعد أن جهزت الوزارة الملاك المتخصص الذي سيقف لاحقا امام التحديات الكبيرة في توفير المواد اللازمة لمثل هذه المجلة وما تتطلبه من ملاكات ادبية واعلامية وادارية لغرض ادامة الاصدار .

تعهد الاستاذ عبدالحميد العلوجي بوصفه رئيس التحرير على المضي قدما حتى النهاية من اجل استمرار الصدور على ان يكون الاصدار اربع مرات مرادفا لفصول السنة .

قلق السيد رئيس التحرير كان مقبولا اذ كيف سيتدبر أمر التراث في الاصدار ومن أين ستكون المصادر وكان لا بد من تحرك اعلامي على اساتذة الجامعات سواء عن طريق العلاقات الشخصية لهيأة التحرير ام عن طريق النشر الصحفي والاذاعي والتلفزيوني .. لم يطل الامر كثيرا حتى نجح الاستاذ العلوجي في التحدي اذ ترادفت على مكتبه البحوث والدراسات لا سيما بحوث الترقية في الجامعات اذ ان المجلة معترف بها عند نشر بحوث الترقية ..

الرجل الناضج في ذاته يكون على الاغلب ناجحا في كل مهمة توكل اليه وهكذا نجح العلوجي مع فريقه في استقطاب المواد الفصلية بل لاحقا صار الناس ينتظرون دورهم للنشر فقد فاقت المواد المتكدسة حدود فصول السنة حينها ظهر الحاسدون ويمكن أن نستذكر المتنبي في عتاب سيف الدولة حين قال :

هم يحسدوني على موتي فوا أسفي       حتى على الموت لا أخلو من الحسد

ألا لعن الله الحسد والحاسدين ..

واذ نجحت المجلة فقد أصبحت مطلوبة في الآفاق العربية وما تزال تصدر الى الآن عن طريق مديرية الشؤون الثقافية وهي محط اهتمام عشاق التراث ولا سيما الكبار ومن ابناء الجامعات على الاغلب ..

الناس على الاغلب اعداء النجاح وللنجاح ثمن يدفعه القائد الناجح فاذا غاب العلوجي او من خَلَفَه من الرؤساء فإن التراثيين فيهم من هو أشد حرصا واقوى عزيمة من الذي سبقه فتحية الى المورِد في دوامها وعطائها .

 

قد يعجبك ايضا