قراءة في أقصوصة صالح الدمس( باب العسل ..الثامنة ليلا)

عائشة التركي

 

المقدمة

صالح دمس قلم تونسي عُرف بإنتاجه الغزير والمتنوع وهو من الأدباء الذين اشتغلوا على القصة القصيرة وقد ذهب فيها أي مذهب على امتداد ما يربو على أربعة عقود. وله قصّ خصب يتيح للناقد حقولا واسعة من القراءات والمقاربات، بالاتكاء على مناهج نقدية عديدة. وقد لفتت نظري أقصوصة “باب العسل… الثامنة ليلا” من مجموعته دار الغولة الصادرة عن دار خريف للنشر لسنة 2025 وهي قد نُشرت قبل ذلك في دار الأطلسية سنة 1996. واللافت فيها ان التركيز كله انصب على المكان تصويرا وتفكيكا وعلى الزمان بدءا بالعنوان وانتهاء بلحظة التنوير. ولو سألت نفسك هل تظل الدلالة هي نفسها لو أن هذه الأحداث القليلة وهذه الشخصيات الصامتة نُقلت لفضاء آخر لكانت الإجابة بالنفي لأن المكان هو من أوجد عالم هذه قصة وأعاره قيمته وعمق معانيه وجاء الزمن ليؤطره.

الأقصوصة في اختزال شديد محطة حافلات “باب العسل” بتونس العاصمة و بها مجموعة من المسافرين ينتظرون حافلة” الثامنة ليلا” متجهة إلى بنزرت وككل أقصوصة جيدة تتفجر من المكان والزمان والشخصيات معان ظاهرة وأخرى خفيّة وفراغات ودوال ثوان يستنبطها المتلقي ويسدّها فيكون الأدب خطابا فاعلا في العقول تأثيرا وتأثرا وحوارا ضمنيا بين الكاتب والقارئ.

1 ـ لحظة التنوير بين وهم التلقي وجماليته

ما ان تشرع في قراءة الاقصوصة حتى ينتابك شعور بثقل ما تعرضه عليك الكلمات وما تقدمه لك من صور فإذا انت غارق في الوحل تتلمس معالم المكان في ظلمة حالكة تحت مطر متقاطر وسط محطة ليست كالمحطات أستعار لها الكاتب موضعا جغرافيا معروفا ولكنه سريعا ما غادره إلى محطة من صنع قلمه، الصمت فيها أرهق مسافريها فانشلت حركتهم وبدا المكان مواتا، غلّفته “رائحة البول” والعفونة.. هذا هو المكان محطة تونسية معروفة في احد أبواب تونس “باب العسل”، عسل حضر في العنوان وغاب لونا وحلاوة وشفاء عن المحطة وحل محله تشرذم المسافرين وانعزالهم فلا نسمع لهم حسّا وقد تصلبوا فلا تتحرك منهم الا نظرات مراقبة متابعة لشخصين “هو” و “هي” حرمهما السارد من الاسم والصوت كغيرهما من مؤثثي المحطة ومنتظري الحافلة حرمهما من النطق وإن حباهما كما حبا نفسه بالقدرة على بوح باطني لا يتجاوز الصدور أبدا إلى الآذان .كل المسافرين ينتظرون حافلة بعينها تصل “الثامنة ليلا” لتنقلهم إلى ديارهم ولكن “هو” وهي” ينتظران الحافلة لتقرب بينهما جسدا وروحا وما إن جاءت حتى خاب الأمل وظلت هي الأخرى امتدادا للمحطة وكشفا عن غربة الركاب واغترابهم عن بعضهم بعضا رغم اشتراكهم وتقاربهم في الحيز المكاني ووحدة الاتجاه.

عند هذا الحد من القراءة تبدّا لنا ربما وهمًا ان الكاتب يصور الحياة العصرية ويفضح ما فيها من عفونة واغتراب… تعاضدت جميعها طحنا للفرد واسكاتا له وعزلا عن الجماعة فلم تعد للإنسان من قدرة الا قدرة المراقبة والمتابعة وقد تبنى دور المشاهد فصار مستلبا لا حول له ولا قوة.

غير ان ما سيقلب موازين هذا الرأي ويعمّق جمالية التلقي هو ما جاء في نهاية الأقصوصة وهو ما سيربك ما سبق من فهم وجودي فلسفي او ما جال في الخاطر من ان هذا العرض الفني الغائم الملغز الذي يقربنا من الإيحاء والرمز من خلال المكان والزمان والشخصيات التي انتخب السارد منها رمزين للإنسان هما أنثى وذكر وأقحم نفسه معهما ضميرا متكلما فردا منعزلا ومعزولا هو” انا” بلا ملامح ولا دلالة يرصد لنا القليل من ظاهر الشخصيتين والكثير من بواطنهما فنستشعر ما بهما من شوق إلى التقارب الإنساني تبديدا لشعورهما بالوحدة والوحشة ورغبتها في الاتصال والوصل.

ان اتكاء الكاتب على هذه الطريقة في كتابة ما كتب توهم المتلقي بأنه أمام قصّ فلسفي رمزي يطرح منزلة الإنسان المعاصر وقضاياه… لكن ما ان يصل إلى النهاية حتى يدرك مقدار تسرّعه في التأويل وعجلته في الاطمئنان إلى فهم عوّدته عليها ذائقته التي بناها من سرود عرفها تجعل من الابهام والغموض عادة سبيلا لطرح القضايا الذهنية غير أن هذه المرة خاتله الكاتب وجعل من الغموض والترميز سبيلا لعرض قضية سياسية منعه التسلط السياسي وكبت الحريات.. من طرحها صراحة فتبنى التقية والتلميح …أسلوبا ليعبّر عن موقف الأديب المثقف الذي يراوغ السلطة. ولا نتبنى هذا الفهم إلا بعد أن نصل إلى نهاية الأقصوصة ونقع على نهايتها ولحظة التنوير فيها التي تعيدنا إلى البداية الأقصوصة بقراءة جديدة على ضوء آخر فقرة فيها “أرخيت رأسي، كدت أنام ولكني مازلت أستمع إلى وقع المطر.. أحسست بحاجة إلى البكاء.. أحسست بالتقزز، أغمضت عينيّ، علني أغفو إغفاءة وأحلم حلما جميلا تكون فيه السماء صافية زرقاء وأتساءل في حيرة تُرى كيف يكون الطقس غدا

جانفي 1984(الأقصوصة)

2ـ بين الرؤية والرؤيا

إن لحظة التنوير في هذه الأقصوصة كشفت ما لصالح الدمس من قدرات فنية تجلت في إدراكه لوظيفتها في بناء عالم القصّ وهي هذه الخاتمة التي تأتي لتربك المتلقي أحيانا أو تنير ما أغلق عليه من فهم وكثيرا ما تقوّض ما ذهب إليه وهذا هو دور لحظة التنوير إنها تصدمنا وتخترق أفق انتظارانا محدثة أثرا جماليا جديدا في سيرورة تفكيرنا أثناء القراءة فهي لحظة فارقة فنيا عند الكاتب والمتلقي “أتساءل في حيرة تُرى كيف يكون الطقس غدا 3جانفي 1984”. وهو تاريخ مميز في حياة التونسيين الذين انتفضوا على قرار الترفيع في سعر الخبز ونزلوا إلى الشوارع غاضبين ووسمت الحادثة ب”أحداث الخبز“.

إن لحظة التنوير على قصرها كانت ” حلما جميلا” لمثقف يحمل هم وطنه وينتظر غدا ” تكون فيه السماء صافية زرقاء” (الاقصوصة)ويعول على لحظة فارقة اعتقد أنها ستحمل الخلاص وحددها بزمن واقعي كرونولوجي وذكره تفصيلا باليوم والشهر والعام .وهذاالحلم لم يكن حلما نابعا من فراغ بل جاء نتيجة منطقية لرؤية المثقف من خارج النص ورؤية الشخصية “أنا” من داخله، تماهَيا فأريانا بشاعة الواقع اعتمادا على الفضاء مكانا وزمانا.

3ـ الفضاء القصصي: نشر التفاصيل وطيّ الدلالة

انفتحت الأقصوصة بتقديم الفضاء زمانا ومكانا وشخصيات. ليرسم من البداية وحدة أذاب فيها القاصّ كل هذه العناصر السردية ف”إن الصلة بين المكان والأحداث تلازمية إذ لا نتصور النظر إلى الأحداث بمعزل عن الأمكنة التي تدور فيها وانطلاقا من تحديد العلاقة بين هذين العنصرين يمكن النظر إلى فعل الشخصيات من حيث الدلالة على تطور الحكاية من البداية إلى النهاية”1 فقد “هبط الليل كجلباب أسود يلفّ المدينة يحضنها. بقايا مسافرين ينتظرون الحافلة الأخيرة.. انتشروا في تلك الساحة القذرة كل واحد ينظر إلى الاخر ولا أحد يكلم أحدا”(الاقصوصة) لنكتشف أن لا انفصال بينها فهي دائرة مغلقة تشكل الواقع الرديء وقد حظي المكان بنشر الراوي تفاصيله “ولعل ما يفسر أهمية المكان أكثر ويعكس شدة تغلغله في كيان الفرد هو أنه المنطلق لتفسير كل تصرف .فلا يحكم على سلوك الإنسان إلا من خلال تواجده في مكان”  فالراوي أبى إلا أن يعرضه علينا بأسلوب سينمائي متدرج من الأعلى إلى الأسفل ومن العام إلى الخاص ومن العتمة إلى الضوء ملقيا ” الضوء” على” الليل ” الذي يلف المدينة لينزل بعد ذلك إلى “الساحة القذرة”(الاقصوصة) فنتبيّن المسافرين المنتشرين الصامتين والمطر “يساقط زخات صغيرة على الأرصفة وعلى رؤوس المنتظرين” (الاقصوصة) وأما الإضاءة فقد تكفلت بها “السيارات القادمة من “باب سعدون” والتي أضاءت “إسفلت شارع الطاهر صفر من اليسار”(الاقصوصة)

فالتقنيات السنيمائية عاضدها في عرض الفضاء الوصف باعتماد الحواس: نظرا (الأضواء والظلام) وسمعا (الصمت) وشما ” خليط من البول وروث الكلاب والقطط”(الأقصوصة) ولمسا “المطر يبلل..” (الاقصوصة) فإذا المتلقي يستشعر الإحساس بالتقزز بما في فضاء المحطة من جو غلّفته العطونة والقذارة يبعث في النفس “إحساسا بالقيء”(الاقصوصة). تكثيفا للإحساس بأن الفضاء فضاء طارد مقرف لا يصلح للمكوث وهو يتجاوز المعنى الحرفي لكلمة محطة وما فيها من محطّ ومكوث إلى التلميح بالانحطاط والتدني .

قد يعجبك ايضا