جوائز الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد: ذاكرة الإبداع الثقافي وتكريم المبدعين

خالد بهلوي

تُعدّ الجوائز الأدبية والثقافية وسيلةً لتشجيع الإبداع، وتكريم المبدعين، وحفظ أسماء الشخصيات التي تركت بصمتها في تاريخ الأدب والثقافة. وفي هذا السياق، اضطلع الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا بدور بارز في إطلاق ورعاية عدد من الجوائز الأدبية والثقافية التي حملت أسماء شعراء وكتّاب ومبدعين كرد، وأسهمت في دعم الأدب الكردي وإبراز الطاقات الإبداعية الجديدة.
وتشكّل هذه الجوائز جسراً بين الأجيال الأدبية المختلفة، ووسيلةً لحفظ ذاكرة رموز الثقافة الكردية وإعادة تقديم منجزهم إلى الأجيال الجديدة. وقد وصف الكاتب إبراهيم اليوسف هذه الجوائز بأنها تقدير للمبدع الذي تحمل الجائزة اسمه، وللمبدع الفائز بها، وللأدب والثقافة الكرديين عموماً.
وقد استطاعت جوائز الأدب والإبداع التي يشرف عليها الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا أن تترك صدىً إيجابياً طيباً فيما يتعلق بالأدب والإبداع الكرديين، في وقت كانت فيه الثقافة الكردية محاربةً وممنوعةً. ومن هنا تأتي أهمية تكريم القامات الأدبية والثقافية الكبيرة، إذ ظلّ الاهتمام الإعلامي بهؤلاء المكرّمين حاضراً ولا يزال مستمراً.
ولقد تناول الإعلام العربي، أكثر من مرة، أخبار هذه الجوائز منذ انطلاقتها، وأسهمت في نشر ثقافة الجوائز باعتبارها «ثقافة دعم روح الإبداع»، وفي تأصيل الهوية الثقافية.
وتثير هذه الجوائز أسئلةً وحواراتٍ في أوساط المثقفين، كما أنها في تحريك الحراك الثقافي، ولا سيما أن الإبداع الكردي ثري وغني، رغم كل محاولات إعدامه. وهناك الكثير من الإنجازات المبهرة التي لو أتيحت لها الترجمة، مثلاً، إلى اللغات العالمية، لأخذت بُعداً آخر، ولا سيما بعد كل هذا الحصار التاريخي الذي تعرّض له الكرد وثقافتهم وإبداعهم، وبعد عمليات النهب المنظّم لحضارتهم.
وتُمنح هذه الجوائز لمن يستحقها، رغم أن المستحقين لها كُثر جداً، ولا يعني عدم حصول البعض عليها أنهم ليسوا جديرين بالتكريم، فقد تخطئ لجنة اختيار الجوائز أو تصيب. ولهذا، فمن الحكمة التعمق في ثقافة الجوائز الأدبية، ولا سيما في ظل عدم امتلاك الاتحاد الإمكانات المالية الكافية لتغطية القيمة المادية للجوائز أو منحها لعدد أكبر من المستحقين.
وللعلم، فإن الاتحاد مستمر في منح الجوائز التقديرية والرمزية كل عام، رغم قناعته بأنه لا يستطيع منح الجوائز وتغطية تكاليفها للكثيرين ممن يستحقون التكريم بكل جدارة.
لقد شهدت مسيرة الاتحاد، الذي جاء امتداداً لرابطة الكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نشاطات ثقافية متنوعة شملت الندوات والأمسيات وحفلات التكريم. وقد بدأت فكرة الجوائز انطلاقاً من الحاجة إلى الاحتفاء بالأدباء والمثقفين، وتشجيع الأسماء الجديدة على مواصلة مسيرتها الإبداعية.
وتوالت الجوائز بعد تشكيل المكتب التنفيذي الجديد، مع بدايات عام 2011، ومنها: جائزة رشيد كرد، وجائزة الشهيد مشعل التمو، وجائزة ملا أحمدي بالو، وجائزة ملا نوري هساري، وجائزة عبد الرحمن آلوجي، وجوائز بينوسا نو… إلخ. إضافةً إلى جوائز أخرى، منها جائزة قامشلو، وجائزة الشهيد معشوق الخزنوي. وقد أضيفت إليها مؤخراً جائزة الشاعر قدري جان وجائزة الشاعر تيريج.
ومن أهم الجوائز جائزة جكرخوين، التي أصبحت واحدة من أبرز الجوائز الأدبية المرتبطة بتاريخ الاتحاد، لما لها من مكانة متميزة بين هذه الجوائز. وقد خُصصت لتكريم المبدعين الذين يقدمون إسهامات مهمة في مجالات الشعر والأدب والدراسات وخدمة الثقافة الكردية.
وتبرز أهمية هذه الجائزة في أنها لا تستحضر اسم شاعر كردي كبير فحسب، بل تسهم أيضاً في إبقاء تجربته الأدبية حاضرةً في الذاكرة الثقافية.
وتُعدّ جائزة حامد بدرخان للإبداع الشعري من الجوائز المميزة التي يشرف عليها الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا. وقد حملت اسم الشاعر الكردي السوري حامد بدرخان، لتكون مناسبةً للاحتفاء بالإبداع الشعري والقيم الثقافية والإنسانية التي جسدتها تجربته.
وتؤكد مسيرة هذه الجائزة أن الاتحاد لم يحصر اهتمامه في تكريم الأسماء الكردية فقط، بل انفتح أيضاً على الأدب السوري بصورة أوسع، انطلاقاً من إيمانه بالحوار الثقافي والتفاعل بين التجارب الإبداعية المختلفة.
وإلى جانب الجوائز الأدبية المتخصصة، نظم الاتحاد فعاليات لتكريم الكتاب والشعراء والباحثين ممن قدموا إسهامات بارزة في مجالات الثقافة واللغة والتاريخ. ففي إحدى فعاليات التكريم التي أقيمت عام 2020، قدّم الاتحاد جوائز رمزية في مجالات الشعر والبحث واللغة، وشملت التكريمات أسماء من المشتغلين بالأدب والبحث والتاريخ الكردي.
وهذا التنوع يعكس رؤيةً ثقافيةً أوسع للاتحاد، إذ لا ينظر إلى الأدب بوصفه شعراً أو روايةً فقط، بل باعتباره فضاءً يشمل البحث والدراسات واللغة والتوثيق وحفظ التراث.
إن إطلاق الجوائز بأسماء الأدباء والشعراء الراحلين يحمل بُعداً ثقافياً ومعنوياً عميقاً؛ فالجائزة لا تكرّم الفائز بها فقط، بل تعيد إحياء اسم الشخصية التي تحمل اسمها، وتدفع القراء والباحثين إلى العودة إلى تجربتها الأدبية والفكرية.
ومن هنا، يمكن النظر إلى جوائز الاتحاد بوصفها جزءاً من مشروع ثقافي لحفظ الذاكرة الأدبية الكردية. فكل جائزة تحمل معها سيرة شاعر أو كاتب أو مثقف، وكل دورة جديدة تمثل فرصةً لتجديد الحوار بين الماضي والحاضر.
ومن أهم أهداف الجوائز الثقافية تشجيع المبدعين الشباب ومنحهم الثقة لمواصلة العمل والكتابة. وقد أشار القائمون على تجربة الاتحاد إلى أن التكريم والجوائز أسهما في تشجيع عدد من الأسماء الجديدة ودفعها إلى الاستمرار في طريق الإبداع.
وفي ظل الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية الصعبة التي مرّ بها الكرد في سوريا، تكتسب مثل هذه المبادرات أهميةً مضاعفة؛ لأنها تخلق مساحةً للتعبير الثقافي الحر، وتحافظ على حضور اللغة والأدب والثقافة في الحياة العامة.
تمثل الجوائز التي يمنحها ويرعاها الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا جانباً مهماً من نشاطه الثقافي والإبداعي. فمن خلال هذه الجوائز، استطاع الاتحاد أن يجمع بين تكريم رموز الثقافة الكردية، وتشجيع المبدعين المعاصرين، ودعم الباحثين والأدباء والشعراء.
إن جائزة تحمل اسم جكرخوين أو حامد بدرخان أو قدري جان أو تيريج تتحول إلى أكثر من مجرد مناسبة احتفالية، لأنها في الحقيقة رسالة ثقافية تؤكد أن الإبداع لا ينتهي برحيل أصحابه، وأن الذاكرة الأدبية تبقى حية عندما تتحول أسماء المبدعين إلى رموز تستلهم منها الأجيال الجديدة.
ومن هذا المنطلق، تظل هذه الجوائز جزءاً أساسياً من مشروع ثقافي أوسع يسعى إلى تعزيز مكانة الأدب الكردي، وحماية الذاكرة الثقافية، وتشجيع حرية الفكر والكلمة والإبداع. كما أن استمرار هذا التقليد وتطوير آلياته ومعاييره يمكن أن يسهم في ترسيخ دور الجوائز بوصفها مؤسسات ثقافية فاعلة، لا مجرد فعاليات تكريمية عابرة.

قد يعجبك ايضا