هورين حسن
مرحباً بكم أيها المسؤولون الأفاضل، يا عباقرة السياسة وهياكل النفوذ القابعين خلف زجاج المكاتب الفارهة، والراكبون في سياراتكم المظللة والحديثة التي تعبرون بها فوق حفر المدينة دون أن تشعروا باهتزاز واحد.
هنيئاً لكم تلك الأناقة المفرطة التي تظهرون بها في المؤتمرات والخطابات لتتحدثوا عن الصمود والتصدي والتنمية المستدامة.
هنيئاً لكم قدرتكم الخارقة على تبلد الإحساس، فلجان التحقيق لديكم أسرع من البرق في الاختفاء، ووعودكم الخدمية أطول عمراً من الديناصورات!
لكن، بينما أنتم غارقون في حساباتكم السياسية المعقدة، وجداول المحاصصة الحزبية، وابتكاراتكم المذهلة لرفع أسعار المحروقات بنسبة 40% في منطقة تعوم فوق بحار من النفط، هل فكرتم يوم مجرد تفكير عابر بزيارة البيوت الباردة وجدران الإسمنت العارية التي خرج منها أكثر من 15,000 شهيد؟
هل تجرؤون على النظر في عيون أمهات وآباء خيرة ما أنجبت هذه الأرض، الذين دفعتم بهم إلى المحارق تحت شعارات التحرير والدفاع، ووقفتم في جنازاتهم تصفقون ببرود المنافقين وتصرخون في الميكروفونات بالشعار المستهلك”الشهيد لا يموت!”؟
بلى، الشهيد يموت! يدفن تحت التراب في قبر مظلم، لتبدأ من بعده مأساة عائلته وكأن الشاعر، محمود درويش كان يختزل حالنا حين قال: “ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتبقى تلك المرأة العجوز تنتظر ولدها الشهيد!”.
نعم، ينتظرونه بينما أنتم تنامون بملء جفونكم، وأبناؤكم يعيشون في رغد!
تحت سياط الفقد
هنالك، خلف تلك الجدران الإسمنتية الباردة والبيوت المتهالكة التي لا تقي برد كانون، تعيش عوائل الشهداء تجسيداً حياً لتلك الكلمات الكئيبة التي تقطّع نياط القلوب.
هنا أم ثكلى، انحنى ظهرها قبل الأوان، تجلس في العتمة تمسح دموعاً تحجّرت في عينيها، وهي تنظر إلى صورة ابنها الشاب المعلقة على جدار متصدع، وإلى جانبها يجلس الأب العجوز، مكسور الخاطر، منحنياً بقهر الرجال ؛ذلك الأب الذي أفنى عمره ليرى ابنه سنداً لشيخوخته ليجده اليوم تحت التراب ويترك وحيداً يصارع العجز والحسرة الصامتة التي تنهش صدره.
وفي زاوية الغرفة الباردة، تقبع الزوجة الشابة التي ترملت في مقتبل العمر، لتجد نفسها بين ليلة وضحاها في مواجهة قسوة مجتمع لا يرحم ومطالبة بمصارعة سياط الفقر ولوعة الفراق بمفردها، وهي تنظر بحرقة إلى أطفالها اليتامى.
وهنالك طفل صغير في عمر الورد، استيقظ هذا الصباح ليتلمس فراشه البارد باحثاً عن دفء حضن أبيه الذي لن يعود.
هذا الطفل الصغير، الذي كان من المفترض أن يمسك اليوم قلماً وكتاباً ليرسم مستقبله، تجده يرتجف من البرد في طابور الخبز، أو يبحث عن عمل شاق لا يقوى عليه جسده الغض ليشتري علبة حليب لأخيه الرضيع.
أطفال الشهداء وعوائلهم هؤلاء الضحايا لا ذنب لهم، سوى أنهم صدقوا شعارتكم عن الوطن والحرية، فدفع الأبطال حياتهم ثمناً وتركت أسرهم تدفع ثمن فسادكم ومماطلتكم جوعاً ولوعة وحسرة صامتة.
فاتورة الآبار المسلوبة
لقد امتزجت دماء الشباب من كافة المكونات في خندق واحد، لحماية الأرض والآبار المحيطة بها.
ماتوا معاً كإخوة حقيقيين ولكن عوائلهم تتقاضى رواتب رمزية مهينة لا تفي بمتطلبات العيش الأساسية.
بينما تجلس النخبة الحاكمة لتستثمر تلك التضحيات في كسب المساعدات الدولية والشرعية السياسية.
وعوضاً عن تكريس ربع هذه الثروات لتأمين حياة كريمة لأبناء الشهداء، تفاجئنا القرارات برفع أسعار المحروقات بنسب جائرة وتتفرغ الكوادر التعليمية لفرض أجندات وحصص لغوية قسرية مثل تخصيص، ثلاث حصص للغة الكردية.
إنهم يفتعلون معارك وأزمات، تعمق الشرخ المجتمعي وتشتت الطلاب وتجهلهم بدلاً من توفير مدارس لائقة ومستقبل أكاديمي يضمن انتشال أطفال الشهداء من دوامة الجهل والضياع.
ثوار الفنادق وصكوك الغفران
ولم تتوقف الكارثة عند حدود مكاتب المسؤولين الفاسدين في الداخل، بل امتدت لتصل إلى شاشات المناضلين الفارهين من كرد الشتات؛ أولئك الذين يطلون علينا يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي بخطابات رنانة وشعارات نارية تُشعل الفتن وتغذّي الانقسامات المجتمعية والقبلية.
يجلس أحدهم في مقهى أوروبي دافئ، يحتسي قهوته الصباحية، ثم يقرر بكل برود أن يكتب منشوراً أو يبث فيديو يحرّض فيه على الاقتتال والفتنة، ظناً منه أن حفنة الدولارات أو اليوروهات التي يرسلها أحياناً لمساعدة عائلته في سوريا تمنحه صكّ الغفران أو الحق المطلق في التحكم بمصيرنا وتأجيج نيران الحرب فوق رؤوسنا!
يا عباقرة الشتات، إن من يده في الماء ليس كمن يده في النار؛ فالمساعدات المادية التي تمنّون بها على أهلكم لا تشتري لكم حق المتاجرة بدمائنا، ولا تمنحكم الوكالة لإشعال صراعات يدفع ثمنها في النهاية العناصر البسطاء على الحواجز، والفقراء الكادحون في أسواق قامشلو والحسكة.
بينما تحصدون أنتم اللايكات والتفاعل من خلف شاشاتكم الآمنة، تتركون أطفال الشهداء هنا يدفعون فاتورة فتنكم خوفاً وجوعاً، وتقطيعاً لأوصال المجتمع الذي عاش متآخياً لقرون.
كفّوا أيديكم وشاشاتكم عن تضحياتنا؛ فدماء شهدائنا من أطهر من أن تكون وقوداً لمزايداتكم الافتراضية الجبانة.
جمهورية اللجان الوهمية
لم تتوقف عبقريتكم الإدارية عند خنق الناس اقتصادياً، بل تركت المدن ساحة مستباحة للفوضى الأمنية وغياب سيادة القانون.
استشهد المقاتل ،آرتيش غدراً قبل حوالي شهر على أحد الحواجز وهو يحمي أمنكم، وقبل أيام استشهد المقاتل الشاب سيبان نحراً في ريف الحسكة نتيجة الفتن العشائرية والقتل خارج القانون، ليتوج هذا المشهد المأساوي باحتراق سجن كوباني ووفاة 9 من الشهداء السجناء حرقاً واختناقاً.
وأمام هذا الموت المتنقل، تكتفون بإطلاق لجان تحقيق وهمية وكلام فارغ يهدف فقط لامتصاص غضب الشارع حتى يطوي النسيان هذه الجرائم دون محاسبة أو معاقبة أي مقصر.
لقد تحول كلامكم ووعودكم إلى مجرد مسكنات فارغة تغطي الفشل، بينما يترك الأهالي ليواجهوا فاجعة الفقد وحدهم دون نيل قصاص عادل يبرد قلوبهم المحترقة، ناهيك عن “العدالة الانتقالية” التي تقف عاجزة تبكي وحيدة في زاوية النسيان.
النداء الأخير
أيها المسؤولون، لم يعد لدى هذا المجتمع المنهمك متسع لانتظار معجزاتكم الخدمية أو وعودكم المخدرة.
إن كرامة أي سلطة أو إدارة لا تُقاس بعدد صور الضحايا والشهداء المعلقة على الجدران، بل تقاس بكرامة اليتامى والأرامل والآباء المنكسرين الذين تتركونهم فريسة للعوز والفقر والفتن.
لقد سقطت ورقة التوت عن وعودكم وجف الدم في عروق شبابنا، بينما تضخمت حساباتكم وثرواتكم المشبوهة!
الخيار اليوم لم يعد قابلاً للمماطلة، إما أن تنتصروا لدموع الأمهات الحارقة، وتفرضوا سلطة القانون العادل، أو أن تمتلكوا شجاعة التنحي والمغادرة فوراً.
اخلعوا بدلاتكم الأنيقة وارحلوا قبل أن يتحول صمت الجوعى وتضحياتهم إلى طوفان غضب، يجرف عروشكم الواهية.
كفاكم متاجرة بالموت، فالتاريخ لن يرحم الفاشلين، وبكاء أيتامنا لن يذهب سدى.