رسّامٌ عالمي . . يخفق في الإمساك بالجمال الأنثوي

لندن: عدنان حسين أحمد

حين قرأتُ قصيدة (رسّامٌ عالمي) للشاعر وحيد يوسف شعرتُ بأنني أقف في مواجهة نص شعري مختلف لا ينتمي إلى النمط التقليدي السائد من قصائد النثر المتعارَف عليها. فثمة مضمون لافت، ومعالجة فنية محكمة، وتصعيد درامي محسوب يفضي بالمتلقي إلى حدّ المفاجأة والدهشة والإبهار. ومع أنَّ الشاعر قد مرَّ بمرحلة الإلهام الضبابية الغامضة إلّا أنه كان يفتح عينًا ثالثة يراقب فيها هندسة النص الشعري وهيكله المعماري اللافت للنظر بدءًا من عنوانها الدّال (رسّام عالمي) مرورًا بالجملتين الاستهلالية والختامية، وما بينهما من صور شعرية لا يجترحها إلّا الموهوبون والضالعون في الشعر . كما تحتشد هذه القصيدة بالذات بصورها الشعرية الأخّاذة ومفارقاتها الذكية، وكناياتها المُدهشة، وانزياحاتها الدِلالية والتركيبية والمُعجمية والتصويرية التي سنتوقف عندها تباعًا إضافة إلى بنيتها الدائرية المدروسة التي تهدف إلى استدراج المتلقي إلى دائرة الدهشة والمفاجأة والخيال المجنّح.
يشي العنوان بوصفه (ثريا النص) أو (العَتَبَة النصيّة) التي تتيح للقرّاء الولوج إلى متن النص أو (متاهته) التي تُشعرنا بأننا أمام (رسّام عالمي) مُمتلك لأدواته الفنيّة ومُطوِّر لها، وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أنه لا يعرف المستحيل وأنه الفنان القادر على الإتيان بمعجزته الفنية في اللحظة التي يشاء من دون أن تعوقه الظروف الصعبة أو أن يقف المستحيل حائلًا دون تحقيق هدفه الفني والإبداعي.
لا شكّ في أنَّ توصيف (رسّام عالمي) يُوحي بأنَّ الفنان قادر على رسم وتجسيد أي لوحة بغض النظر عمّا يكتنفها من صعوبات فنية لأنَّ العالمية هنا تعني إحاطة الفنان العالمي بكل التفاصيل التي ينطوي عليها العمل الفني وقدرته الفذّة على تجاوز الصعوبات التي تقف حائلًا أمام إنجاز لوحته بالطريقة التي يراها الفنان مناسبة له وتذهب إلى الصميم مما يريده ويذهب إليه إلى الدرجة التي يحقق فيها ضالته المنشودة. ولكنَّ المفارقة Irony في هذا النص الشعري أنَّ الفنان كلما ازداد مهارة في الرسم تضاعف عجزه عن رسم المرأة الجميلة التي يحبّ، فرسم اللوحة لم يتعثّر فحسب وإنما وصل الفنان إلى قناعة تامة بأن يترك اللوحة بيضاء، وهذه النهاية الغريبة المُدهشة ليست هزيمة فنية، كما قد يراها بعض النقاد، وإنما هي انتصار للجمال المُتعذِّر رسمه.
لا تنبع مثل هذه القصائد من نَفَس عفوي وإنما تأتي نتيجة لتخطيط مسبق، وتأمل طويل، ودراسة عميقة وكأنَّ الشاعر يقف أمام معادلة رياضية لا بد من حلّها قبل أن يصل إلى النهاية المرجوة. فثمة حبكة قوية أوصلته إلى هذه الخاتمة الصادمة لكنها لا تُرضي بالمقابل الشاعر المبدع الذي تقمّص دور الرسّام العالمي حتى وإن تعثّر في تنفيذ بعض الأعمال الفنية العصيّة على التحقيق.
تزخر هذه القصيدة بتنوع لافت في أساليبها البلاغية والظواهر الأسلوبية، إذ يتضافر فيها التشخيص والاستعارة والتشبيه والانزياح الدلالي، إلى جانب الاستعارة المكنية والممتدة والتكرار والمفارقة، بما يسهم في تشكيل عالم شعري يقوم على التداخل بين المرأة واللوحة، وبين الحب والفن، ويجعل من فعل الرسم رحلةً جماليةً يعجز فيها الفنان عن الإحاطة بجمال موضوعه.
وبما أنَّ الأساليب والظواهر البلاغية كثيرة في هذه القصيدة فسنتوقف عند بعض الأمثلة التي تفي بالغرض المطلوب من دون أن نقع في فخ الإسهاب الذي يشتت ذهنية القارئ ويُفقده التركيز على متن الثيمة الرئيسة لهذا النص الشعري الذي ينطوي على الكثير من عناصر النجاح والصمود أمام التعرية الزمنية. وأولى هذه الأدوات البلاغية هي التشخيص Personification ولكي يكون القارئ الكريم مُلمًّا بهذه الأداة البلاغية نقول إنَّ (التشخيص) يعني (إضفاء الصفات والخصائص والأفعال والمشاعر الإنسانية على غير الإنسان). يقول الشاعر وحيد يوسف: (كنتُ أمسحُ / نافذةَ السيارةِ / من دموعِ الغيمِ) . أي أنسنَ الغيم أو أضفى عليه الصفات الإنسانية وجعله كائنًا يبكي. أمّا الاستعارة Metaphor التي تعني ( استعمال لفظٍ في غير معناه الأصلي، لعلاقة المشابهة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي). وبعبارة أكثر وضوحًا: ( أن تُشبّه شيئًا بشيء، ثم تحذف أداة التشبيه وتستعمل لفظ المشبَّه به بدلًا منه). وقد ازدانت هذه القصيدة باستعارات كثيرة من بينها (من ظلام الشَعر أرسمها) حيث صوّر الشَعر بالظلام، و (الخدّ يتموّج) حيث صوّر الخدّ بسطح مائي متموّج، و (سأرسمُ جبينَها، ذلكَ المصباحُ السحري) حيث شبّه الجبين بالمصباح مع توسيع الصورة إلى ( الذي يضيءُ كل شيء في الكون) و (لوحاتي رست على كل المراسي) حيث شُبهت اللوحات بالسفن، والمراسي كرمز لنقاط الوصول، و ( الخروج عن النص) كتعبير مجازي عن الخروج عن الطريقة المعتادة في رسمها و (مويجاتها الصغيرة التي أخذتني بعيدًا) حيث جعل الموجات/الخصلات قوةً قادرة على (أخذه) إضافة إلى استعارات أخرى لا يسع المجال لذكرها جميعًا.
وتتخلل القصيدة مجموعة من التشبيهات الصريحة، من أبرزها قوله: (أُنثى تشعُّ كشذرة خاتم)، وهذا تشبيه صريح، فقد شبّه الشاعر إشراق المرأة ولمعان حضورها بـشذرة من خاتم تتلألأ. فالمشبَّه: إشراق الأنثى ولمعانها. والمشبَّه به: شذرة خاتم. وأداة التشبيه هي ( الكاف) أمّا وجه الشبه فهو اللمعان والتوهج والجمال. وثمة تشبيه واضح جدًا حينما يقول في نهاية القصيدة: (أترك اللوحة بيضاء؛ بيضاء كبَشَرتها) إذ يُشبِّه بياض اللوحة ببياض بشرتها فالمشبَّه، بياض اللوحة، والمشبَّه به، بياض بشرتها، وأداة التشبيه (الكاف) ووجه الشبه هوالبياض والنقاء. وتتسم هذه التشبيهات بأنها لا تأتي لمجرد الزينة أو التزويق اللفظي وإنما لكي تُسهم في ترسيخ صورة المرأة بوصفها كائنًا مشرقًا، ورقيقًا، ومتعاليًا في الوقت ذاته بحيث يستعصي على الرسّام ولا يمكنهُ الإحاطة بجمالها الملائكي الهابط من السماء السابعة.
ومن الأساليب والظواهر البلاغية الأخرى هو الانزياح الشعري Poetic deviation الذي يمكن أن نعرّفه بـ (عدول الشاعر عن الاستعمال المألوف للغة، سواء أكان ذلك في الدلالة أم في التركيب أم في المعجم أم في الصورة، بهدف إنتاج دلالة جديدة وتحقيق قيمة جمالية وإيحائية). ومن أبرز صور الانزياح في هذه القصيدة قول الشاعر: (لحظة بزوغ الفجر من أسنانها)، إذ جعل ابتسامة المحبوبة مصدرًا للفجر والنور، فخرج عن التعبير المألوف ليمنح الصورة بُعدًا جماليًا وإيحائيًا،كما يظهر في نهاية القصيدة قوله: (أن أترك اللوحة بيضاء؛ بيضاء كبشرتها)، حيث يتحول عجز الرسام عن رسم جمالها إلى صورة شعرية تجعل بياض اللوحة معادلًا لبياض بشرتها.
ومن أجمل صور القصيدة صورة (بزوغ الفجر من أسنانها). وهي صورة تنتمي إلى ما يسمى بالانزياح الشعري Poetic deviation، إذ لا يكتفي الشاعر بالقول إن ابتسامتها مشرقة، بل يجعل الفجر نفسه يخرج من الأسنان. الصورة تمنح الابتسامة وظيفة كونية، وتربط المرأة بالطبيعة وبالضوء وببداية اليوم. وهي استعارة أيضًا لأنّ الشاعر شبّه بياض الأسنان وإشراقها بالفجر.
ومن اللافت في البنية الداخلية للقصيدة أن الشاعر لا يقدم صورة المحبوبة دفعةً واحدة، وإنما يجعل فعل الرسم هو الذي يقود حركة النص. فيتتبع تفاصيل جسدها جزءًا بعد آخر، وكأنَّ القارئ يقف إلى جانب الرسّام ويراقب تشكّل اللوحة أمام عينيه. يبدأ الرسم من الرأس: «بدأتُ من الرأس»، ثم ينتقل إلى الرموش والشعر والوجه، ويتوقف عند العينين: (وحين بدأتُ بعينيها اللامعتين)، ثم ينتقل إلى الجبين فالشفاه فالخصر، وصولًا إلى المناطق الممنوعة أو المُحرّمة.
وهذا التدرج ليس مجرد ترتيب وصفي، وإنما يمثل مسارًا متوازيًا مع التجربة الشعورية؛ فكلما تقدم الرسّام في رسم ملامح محبوبته، ازداد افتتانه بها وازدادت مهمته صعوبة. ولذلك تتكرر في النص لحظات التوقف والتردد: (فوقفتُ مرتبكًا)، (هدأتُ قليلًا)، (وفكرتُ كثيرًا)، حتى ينتهي مسار الرسم إلى العجز عن إتمام اللوحة. وبذلك تتطابق حركة الرسم مع حركة القصيدة التي تبدأ بداية واثقة، ثم تتدرج في الوصف، ثم يعاني الرسّام من الارتباك والعجز، وصولًا إلى ترك اللوحة بيضاء. وتتجلى هنا البنية الدائرية للقصيدة؛ فالرحلة تبدأ بالرغبة في رسم المرأة، ثم تمضي عبر تفاصيل جسدها، قبل أن تعود في نهايتها إلى العنصر الذي انطلقت منه التجربة، غير أن العودة ليست تكرارًا لنقطة البداية، بل عودة بعد تحوّل عميق في الدلالة. فاللوحة في البداية مشروعٌ للإمساك بالجمال وتثبيته، أما في النهاية فإن بياضها يصبح اعترافًا باستحالة الإحاطة به بعد أن عجزت اللغة والصورة والفرشاة عن قول المزيد.
وفي الختام لا بدّ من الإقرار بأنّ هذه القصيدة لوحدها كافية للقول بأننا نقف في حضرة شاعر مطبوع ذي قريحة فيّاضة سوف تجود علينا، إن عاجلًا أم آجلًا، بأجمل القصائد الشعرية وأعذبها.
• وحيد يوسف: شاعر عراقي كوردي ينحدر من مدينة جلولاء ويقيم ويعمل حاليًا بمدينة أربيل. صدرت له حتى الآن مجموعتان شعريتان وهما : (إليه وهو أنا) و (حلّاق أشبيلية).

قد يعجبك ايضا