الدكتور ماهر جبار الخليلي
كلية الامام الكاظم – بغداد
عضو الهيئة الادارية – رابطة المجالس البغدادية الثقافية
عضو الهيئة العامة – نقابة الاكاديميين العراقيين
يعد كتاب (الرواد) للبريطاني من اصل عراقي الدكتور جميل او جيم الخليلي من اهم الكتب العلمية التي صدرت في العقدين الاخيرين واحدث جدلا كبيرا وواسعا في الاوساط العلمية والثقافية في الغرب عموما حيث ترجم الكتاب لغاية الان لاكثر من عشرين لغة وهذا يعكس اهميته وانتشاره الواسع.
تناول الكتاب حقبة مهمة وحافلة من زمن الدولة العربية الاسلامية وسلط عليها الضوء، بعد أن عُتّم عليها عمداً بهدف التقليل من تاثير الحضارة العربية على الحضارة الغربية، ولذلك اصبح الكتاب مرجعاً علميّاً وتاريخيّاً وفكريّاً وسياسيّاً، يضع الباحث العربي في أجواء القرون الوسطى، يوم كانت اللغة العربية هي اللغة العالمية للعلوم لأكثر من 700 عام.
كتاب الرواد هو حفل استذكار واحياء بالرواد المنسيين الذين ساعدوا في تشكيل فهمنا للعالم من حولنا، حيث وقف جميع علماء الدنيا منذ عصر النهضة على أكتاف عمالقة العلماء العرب والمسلمين وما تركوه تراث علمي زاخر، في حين نجد ان معظم الروايات التاريخية اليوم في الكتب الغربية تشير الى إنجازات الإغريق القدماء التي لا تتطابق حتى مع رواد عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، وهي فترة الألف عام والتي وصفتها الكتب الغربية نفسها بالعصور المظلمة لما انتشر فيها من جهل وتخلف وظلام بسيطرة رجال الكنيسة الكاثوليكية على متبنيات الحضارة الرومانية القديمة وحطموا اسسها وابدلوها بعقائد مزيفة تحت ظل الدين المحرف بهدف السيطرة على عقول الناس.
درج الكاتب تحت عنوان الكتاب عبارة ( العصر الذهبي للعلوم العربية … جاء هذا الكتاب الأسر في الوقت المناسب كتذكير بما يدين به الغرب من انجازات فكرية للعلماء العرب والمسلمين)، وهي عبارة ذات مغزى ومعنى كبيرين ادت الغرض الاساس منها بجذب الانتباه الى الكتاب.
النسخة العربية من الكتاب قامت بها شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ومقرها في بيروت وقام بالترجمة الاستاذ انطوان باسيل، ويتكون من 317 صفحة، والطبعة الاولى من الكتاب نشرت عام 2013 في حين ان النسخة الانكليزية طبعت في لندن عام 2010 في دار النشر المشهورة (London: Allen Lane, Penguin Books,) تحت عنوان (Pathfinders: The Golden Age of Arabic Science).
هناك عشرين محور، مبتدئا بـ (حلم أرسطو) بما اورد حلما للخليفة المامون العباسي (بان رجلا بمواصفات معينة جاءه في الحلم واتضح انه ارسطوطاليس ليعلمه الحكمة عن حسن العقل وحسن راي الجمهور، ولكن الاجمل في ذلك هو اعتماد كتاب فهرست ابن النديم ليكون الاساس في خارطة طريق العلم عند العباسيين في عصرهم الذهبي).
المحور الثاني تحت عنوان (ظهور الإسلام) وبداية من تطور الحضارتين البيزنطية والفارسية في منطقة الشرق الاوسط وكيف احدثا فرقا حضاريا في العالم القديم، وكان الصراع بينهما السمة البارزة لتلك القرون الغابرة ولكنهما في نفس الوقت كان لهما بصمات واضحة من الناحيتين الدينية والحضارية.
تحول الى مسيرة الاسلام لثلاثة قرون متسلسلا بالاحداث المهمة منذ بعثة الرسول محمد (ص)، وحقبة الراشدين وما آلت اليه الدولة العربية الاسلامية من توسع وانتشار بشكل سريع، واصفا الحقبة الاموية بانها تمثل التحول للنظام السياسي من الشورى الى الحكم الوراثي تقليدا للنظام الروماني والساساني، وكيف استفاد الامويين من النظم الادارية والمالية والمظاهر الملكية من القصور والزخارف وبناء الجوامع على نمط الكنائس، وركز ايضا على التحول من اللغة البهلوية واللغة اللاتينية الى اللغة العربية.
محاور الكتاب الاخرى (الترجمة، الخيميائي الوحيد، بيت الحكمة، العلم الكبير، الأعداد، الجبر، الفيلسوف، الطبيب، الفيزيائي، الأمير والفقير، الأندلس، ثورة المراغة، الانحطاط والنهضة، العلم والإسلام اليوم، الملاحظات، قائمة العلماء، التسلسل الزمني: العالم الإسلامي من العصور القديمة إلى البداية من العالم الغربي، الفهرس).
لأكثر من 700 عام (تقريبًا بين القرنين الثامن والخامس عشر)، كان أعظم علماء العالم من المسلمين وكل كتب العلم مكتوبة باللغة العربية، لاسيما بعد إطلاق حركة ترجمة ضخمة لأعمال العلوم والطب والفلسفة والتكنولوجيا التي خلفها اليونانيون الموسوعيون في القرن التاسع، طور علماء العرب، من العرب والمسيحيين واليهود، نظريات أصلية في الرياضيات وعلم الفلك، الفيزياء والطب والهندسة، وتمت ترجمة قدر كبير من هذه النظريات إلى اللاتينية أو تمت قراءتها في أوروبا باللغة العربية بين القرنين الثاني عشر والسابع عشر.
على الرغم من هذه الحقيقة الراسخة، والتي تعد الآن نتيجة رئيسية للتاريخ المهني للعلوم، إلا أن السرد العلمي للغرب ينتقل حتى الآن من أرسطو وأرخميدس وبطليموس إلى كوبرنيكوس وجاليليو، لكن على نفس القدر من الأهمية كانت الشخصيات الإسلامية التي ربطتهم: جابر بن حيان، الخوارزمي، ابن الهيثم وابن سينا، واخرين.
يأخذ الخليلي القارئ من خلال مسح رائع لأبرز معالم هذه الفترة، وخاصة العلماء المرتبطين بـ “بيت الحكمة” للخليفة العباسي المأمون، حيث كان جابر بن حيان، المعروف في الغرب باسمه اللاتيني جابر، الذي يسميه احد “رواد الطريق”، الذي طور التقطير والتسامي، ويؤكد معنى جميل “علينا أن نشكره على كلمة قلوي المشتقة من الكلمة العربية القل أو الرماد ، حيث تجد كربونات البوتاسيوم ، وهو معدن قلوي مهم”، لا تقل أهمية اكتشافاته الفردية عن محاولته الأوسع نطاقًا لفصل الكيمياء عن العلوم المناسبة القابلة للملاحظة: “أول أساسي في الكيمياء هو أنه يجب عليك أداء العمل العملي وإجراء التجارب” وأشار ايضا ” في وقت كان الاعتماد على المصادر القديمة ممارسة معتادة، زودنا كيميائيون عرب آخرون بكلمات الإنبيق، والملغم، والبوراكس، والكافور، والإكسير”.
الخليلي حريص على عدم تقديم مطالبات كبيرة، فهو يدرك جيدًا أن الاكتشافات، على حد تعبير نيوتن، هي الأقزام على أكتاف العمالقة، ولكنه يقدم حالة حادة للغاية لفكرة أن التقدم العلمي المنسوب إلى هذه الأرقام أقل أهمية من المنهج العلمي الذي اعتمدوه، حيث الملاحظة والتجريب، وعندما اختلفت نتائجهم عما قرأوه في أرسطو أو بطليموس أو جالينوس، ذهبوا مع النتائج وليس العقيدة، كانت هناك روح من الانفتاح والعقلانية، مدعومة بالنظريات الفلسفية للفارابي والمعتزلة وابن رشد، الذي طور فلسفة صحيحة للعلم والعقلانية سبقت عصر التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من قبل الألفية.
هذا الماضي العريق المضيء المليء بالانجازات، لايعكسه الحاضر المظلم، والسؤال الابرز لماذا تراجع العالم الإسلامي إلى حالته المتردية (حيث يشارك العالم الاسلامي بكل سكانه وجغرافيته ومواقعه ب 1% من مجموع البحوث العلمية المؤثرة في العالم)، هل يمكن تبرير ذلك بالغزو المغولي الذي دمر بغداد عام 1258؟ أو ربما الحروب الأهلية بين ملوك الطوائف في الاندلس؟ او الطغاة المستبدين المتنافسين على السلطة في عصور لاحقة؟ هل يمكن القاء اللوم على الإمبراطورية العثمانية والاستعمار الاوربي؟
يقر جميل الخليلي بانها عوامل مجتمعة، ولكنه في الوقت نفسه يلوم أيضًا صعوبة استيعاب النص العربي للمطبعة، مما يعني أن الأفكار لا يمكن تداولها بالسرعة التي كانت عليها في أوروبا خلال عصر النهضة وما بعده اذ ان لغة البحث العلمي اصبحت الانكليزية بالدرجة الاساس، وإذا كان من الممكن اعتبار هذه الفكرة المحفزة بمثابة فرضية عمل لشرح التدهور البطيء في العلوم العربية، فمن المثير للسخرية أن اللغة العربية – التي سادت لقرون باعتبارها أكثر اللغات العلمية تطورًا في العالم الإسلامي وخارجه – ربما تكون قد ساهمت في في تردي الاوضاع العلمية لمحدودية الانتشار البحثي والاكاديمي .
طريقة البحث في الكتاب كانت ميدانية ومنهجية فقد تفرغ الباحث وسافر الى مصر وتركيا وايران وسوريا والمملكة العربية السعودية، وزار الاماكن بنفسه وتحدث الى المؤرخين وتتبع منابع الحضارة العربية الاسلامية من مصادرها الاصلية كما برع في منهجية البحث التاريخي على الرغم من تخصصه االعلمي الفيزيائي وهو ما يحسب ويسجل له كنقطة ابداع وتميز، ونجح في النهاية بجذب الانتباه الى الكتاب ومضمونه واهميته.